تبرز الأغلبية، في الثقافة السياسية العربية المعاصرة، بوصفها أقرب لتهديد، فهي كتلة بشرية تفوق غيرها عددياً، وذات ثقافة وهوية واضحة للغاية، ومن الممكن بالتالي أن تفرض خياراتها على الجميع، بمن فيهم من ينتمون إليها بالأصل والولادة، ولكنهم يختلفون عنها قليلاً في خياراتهم السياسية وأنماط حياتهم. وكل هذا يجعل الديمقراطية أمراً إشكالياً: هل ستؤدي إلى حكم محافظ ذي طابع ديني، كما يفترض تصورنا عن ثقافة الأغلبية؟
بالطبع، هنالك مشكلة كبيرة في هذا التصوّر، فثقافة الأغلبية، أياً كانت، لن تعني خياراً سياسياً واحداً على الدوام، وفي كل مرحلة أو مناسبة انتخابية؛ والأهم أن الحاسم في أي نظام ديمقراطي ليس التصويت فحسب، بل أساساً الإطار السياسي والدستوري، الذي يتم فيه التصويت، والذي يحدد الخيارات المتاحة والمشروعة للناخب، بل آليات وحدود السيادة الشعبية نفسها، وإلا فنحن نتحدث عن «تسلّط أغلبية» عشوائي، قد يؤدي إلى كوارث اجتماعية، لأن أغلبية اليوم قد تتفكك غداً، وتأتي أغلبية أخرى، تودّ الانتقام مما حلّ بها، إبان سيطرة الأغلبية السابقة.
إلا أن كثيراً من القائلين بـ»الأغلبية» وسيادتها، والخائفين منها كذلك، ليسوا ساذجين لهذه الدرجة، وإنما يعتمدون على تصوّر ثقافي قد يستحق النقاش: الدين الإسلامي هو جوهر ثقافة الأغلبية، أو مكونها الأبرز، ولا بد من سياسة تتوافق مع هذه الحقيقة، وتنهي كبت الأغلبية الذي طال، بسبب الأنظمة الديكتاتورية. وكما هو واضح، تلك السياسة تمثلها حركات الإسلام السياسي، التي يجب العمل معها، محلياً ودولياً، لكي لا تكون متشددة أكثر من اللازم.
الإسلام ينقلنا إلى الأغلبية إذن، والأغلبية إلى الإسلام السياسي «المعتدل». يتفرّع عن ذلك أن الإطار الدستوري والسياسي لبلدان المنطقة، يجب أن يقبل ويدعم حق الأغلبية في ممارسة ثقافتها، أي إسلامها السياسي.
الأهم في هذا التصور أنه يرى أن الأغلبية غير قابلة للتغيّر، فالمسلمون سيظلون مسلمين، وسيستمرون، لذلك، بالميل إلى الإسلام السياسي. وهذا مبرر لجعل الأطر الدستورية والقانونية إسلامية الطابع، بعبارة أخرى: مبرر أن تكون الدولة دولة الأغلبية، حتى لو على حساب قيم مثل حرية المعتقد والمساواة أمام القانون، فالأغلبية لن تقبل مثلا الارتداد عن دينها، أو نقده، أو التبشير العلني بأديان أخرى، أو برئيس ليس منها، أو بقوانين أحوال شخصية مدنية إلى جانب الدينية، أو بإزالة الإشارة إلى الفقه الإسلامي من الدساتير، إلخ. تبدو الأغلبية صاحبة حق الهيمنة الاجتماعية والسياسية الكامل، وكأنها سلطة الحزب الواحد، القائد للدولة والمجتمع. في أحسن الأحول، قد يؤكد أنصار «الأغلبية»، أن الأمور متروكة للزمن، ولتطور المجتمع، فإذا طالب الشعب، أو بالأصح «الأغلبية»، بتغيير تلك الأطر الدستورية في المستقبل، مع تطور وعيه أو تجربته الديمقراطية، فمن الممكن النظر بالانزياح عن الإسلام السياسي، ولكن هل هذا ممكن حقاً؟ أم أن الأغلبية ستظل كما هي دائماً، ما دامت ثقافتها راسخة تاريخياً لتلك الدرجة، ومكوّناً أساسياً لأمم عريقة؟
الطائفة/الأمة
تنبني هويات كثير من الدول القومية المعاصرة، وكذلك رواياتها الوطنية المؤسِّسة، على افتراض الأغلبية وثقافتها ولغتها، بل أحياناً دينها، ولهذا نشهد توترات سياسية واجتماعية، حتى في أكثر الدول ديمقراطية، مثل فرنسا والسويد وألمانيا، وجدالات لا تنتهي عن الاندماج، والمهاجرين بأجيالهم المتعددة، وكراهية الأجانب، ومعاداة السامية و»الإسلاموفوبيا»، و»المرجعية المسيحية للحضارة الغربية»، إلخ. ومع ذلك، فإن مسائل الهوية في تلك الدول لم تؤد إلى اختلال دستوري وقانوني بنيوي فيها، إلى درجة الإطاحة بمبادئ أساسية، تُعرّف ديمقراطياتها، وعلى رأسها الحد الأدنى من حرية المعتقد والتعبير، والمساواة النظرية أمام القانون. يمكن للبشر في تلك الدول تغيير دينهم، بالاتجاه الذي يروق لهم، أو التخلّي عن أي دين؛ لا يوجد قانونياً «دين أشرف»، ينال أتباعه امتيازات تجاه غيرهم في قوانين الأحوال الشخصية؛ لا إشارات دستورية إلى فقه ديني هو مصدر التشريع؛ وفي الجمهوريات، التي يمكن اعتبارها ديمقراطية، يصعب أن نجد نصّاً دستورياً يحدد دين رئيس الجمهورية، الذي من المفترض أنه في نهاية المطاف موظّف عمومي، متساوٍ قانونياً مع كل المواطنين، وليس ملكاً من عائلة معيّنة معروفة الدين. الأمر نفسه ينطبق على رؤساء الحكومات، المشرفين الفعليين على السلطة التنفيذية في الملكيات الدستورية. إنها دول علمانية، وفق أحد التعريفات الأكثر انضباطاً للعلمانية: معادلة قانونية تضمن حياد الدولة الديني، بما يؤمّن حرية المعتقد والتعبير والمساواة أمام القانون. وإذا أضفنا إلى ذلك الحيز العام، المعلمن بالضرورة، نظراً لأن كل المشاركين فيه يتكلّمون بلغة عمومية، يفهمها ويقبلها بقية المواطنين، أو على الأقل يترجمون دوافعهم العقائدية الخاصة إلى لغة عمومية، فإننا بالفعل أمام التعريف الأكمل للعلمانية: حياد الدولة الديني، إضافة إلى المجال التواصلي العمومي غير المخصص لعقيدة معينة. أتاح ذلك تاريخياً للأقليات، وحركات الحقوق المدنية، انتزاع كثير من الحقوق، أو تعميم ما كان يُعتبر، في فترات سابقة، حقاً مُحتكراً للرجل الأبيض المسيحي البورجوازي، على فئات كثيرة، وعلى رأسها النساء والعمال والملونون والمهاجرون. ذلك التعميم لا يمكن أن يكون إلا علمانياً.
ورغم انتشار كثير من الدراسات النقدية حول العلمانية، وتاريخها، بل حتى الحديث عن «بعد علمانية»، إلا أن كل تلك الدراسات والدعوات تصدر في النهاية من حيز عام معلمن، تدعمه الحقوق الدستورية، بحرية المعتقد والتعبير والمساواة أمام القانون، وتُكتب أو تُقال بلغة عمومية غير عقائدية، أي أنها توسّع العلمانية، حتى عندما تنتقدها. في دول المنطقة، نعيش أزمة مستعصية، لا تتعلق بهويات الدول ورواياتها المؤسِّسة فحسب، إنما أساساً باختلالها الدستوري والقانوني. ففي الوقت التي تؤكد فيه معظم الدساتير على المساوة أمام القانون، وحرية التعبير والمعتقد؛ تُفرغ تلك الحقوق من مضمونها، عندما تؤكد أن للدولة ديناً، عليها إعادة إنتاجه في صفوف الشعب على الدوام، ما يعرقل أيضاً قيام حيز عام فعلي ومتوازن، إذ كيف يمكن التعبير، وتداول الأفكار والحجج بلغة عمومية، في دولة دينها الإسلام؟ اللغة الدينية ستبقى دوماً «اللغة الأشرف».
يمكن اعتبار مشكلة الأغلبية، في الدول غير العلمانية مختلفة جذرياً عنها في الدول العلمانية، فهي في النوع الأول من الدول ليست مشكلة مرجعية هوياتية أو تاريخية، أو حتى نظاماً مؤسساتياً قائماً على الامتياز والتمييز، وقابلاً للنقد العلماني والتغيير، بل هي إنتاجٌ لازمٌ وضروريٌ للهيمنة الدينية، تتضمّنه البنية الأساسية للدولة. ولهذا فإن «الأغلبية» الدينية ستبقى أغلبية سياسية، ليس بسبب جوهر الإسلام الذي لا يتغيّر، والذي يفترض حكماً دينياً، بل لأن الدول، بكل أجهزتها العنفية والأيديولوجية، لن تسمح لـ»الأغلبية» بالتخلي عن أغلبيتها. إنها دول دين معيّن، تحدد نسخته الصحيحة، ويجب أن تبقى كذلك.
تزداد الأمور تعقيداً في المجتمعات المتعددة طائفياً، فالدولة ذات الدين المعيّن تعترف بوجود أديان أخرى، ولكن لا تمنحها المساواة القانونية بشكل متوازن دستورياً، ما يجعلها بالضرورة دولة طائفية، تعيد إنتاج الطوائف كلها، إما على ذمة الطائفة الأكبر عددياً؛ أو من خلال نوع من المحاصصة الصامتة، التي تضمن للأقليات نوعاً من التعويض على عدم نيلها المساواة، عن طريق التكتل في مؤسسات الدولة المركزية، ومحاولة انتزاع مراكز قوى فيها، على أسس أقرب للعصبوية. تلك كانت سوريا الأسد. عندما تشعر «أغلبية» أنها الأمة، وليست الطائفة الأكبر بين الطوائف، أي عندما تظن أنها طائفة غير طائفية، فذلك لأنها تعوّدت على أن دينها هو دين الدولة، وربما يدفعها لذلك للمطالبة بمزيد من الهيمنة الدينية/السياسية، وبدولة طائفية أكثر شدّة تجاه الأقليات، وأكثر تناقضاً في ما يتعلق بالمساواة أمام القانون وحرية المعتقد. ولكن إلى أين سيؤدي ذلك فعلاً؟
انهيار الأغلبية
قد يؤدي نظام الدولة ذات الدين إلى خلق الأقليات داخل الأغلبية الدينية نفسها، لأن الميل المتصاعد نحو مزيد من الهيمنة الدينية/السياسية، سيفرز فئات أكثر تشدداً، تعمل على فرض مفاهيمها وقيمها وأنماط حياتها على أبناء طائفتها، قبل أن تفرضها حتى على الأقليات، وسيؤدي هذا إلى نوع من الاغتراب الهوياتي بين المسلمين أنفسهم، إذ لن يعودوا قادرين على التعرّف على هوياتهم، ومجتمعاتهم، وسط كل هذا الدين السياسي، المدعّم بسلطات الدولة. وهكذا ستبرز الأقليات المارقة تباعاً، بدءاً بـ»العلمانيين» و»المدنيين» من أبناء الطائفة الأكبر، مروراً بـ»المعتدلين» و»الإصلاحين»، وصولاً إلى العقائديين المختلفين في الرؤى عن الفئة الحاكمة. لا يمكن لـ»الأغلبية» إلا أن تقمع نفسها، في نظام الدولة ذات الدين، الذي تستغلّه قوى سياسية متعددة، لإثبات أنها الممثل الشرعي لثقافة الأغلبية. ربما كان من مصلحة «الأغلبية» نفسها كسر هذه الدائرة المفرغة، التي ستؤدي دائماً للقمع السياسي، والاضطرابات الاجتماعية والطائفية، وذلك بالانتباه إلى الآليات المُنتجة للأغلبية الدينية/السياسية: ليس هذا النوع من الأغلبية موجوداً طبيعياً، وإفرازاً حتمياً للثقافة الإسلامية، بل بناءً سياسياً وأيديولوجياً، شيّدته سلطات الدول القومية الحديثة، التي اعتبرت الإسلام روح الأمة، ونوعاً من السمات العرقية لمواطنيها، وعنصراً أساسياً في روايتها عن نفسها. ولم تعرف أن تترجم كل هذا إلا بدساتير مختلّة، ومتهافتة قانونياً.
تحرير الأغلبية من كونها أغلبية قامعة لنفسها، يكون أولاً بإصلاح الاختلال الدستوري والقانوني في الدول ذات الدين: المساواة أمام القانون وحرية المعتقد لا يمكن أن تعنيا سوى دولة محايدة دينياً، تضمن حقوق مواطنيها الأساسية، وتتيح لهم الحد الأدنى من تقرير المصير الذاتي، ومنه حق تغيير الدين، والتخلي عنه، وحرية التعبير، وقانون أحوال شخصية مدني، إلى جانب الديني. إذا سمحت الدول بذلك، فربما لن تعود الأغلبية أغلبية، وسيظهر مدى اصطناعها.
عموماً، لا يمكن في الديمقراطيات الدستورية أن تكون الحقوق والحريات الأساسية شأناً تحدده أغلبية تصويتية ما، بل العامل التأسيسي للبنية السياسية والقانونية، وللسيادة الشعبية نفسها، إذ كيف يمكن للمواطن أن يكون «سيداً» فعلاً، وهو محروم حتى من حرية الضمير، ولم ينل المساواة القانونية مع غيره من المواطنين، على اختلاف أعراقهم وطوائفهم؟ الخروج من «دين الدولة» دستورياً قد ينتج أغلبيات سياسية على أسس أكثر توازناً، أي أغلبيات قابلة للتغيّر وفق الظرف السياسي، لا تقمع نفسها أو غيرها، دينياً وطائفياً، وغير ملتصقة بدين أو ثقافة عابرة للتاريخ، يزاود الجميع حول تمثيلهم لها.
كاتب سوري