ملاحة بصرية لمحمد العامري في رواق لاينز بعمان: استكشاف لمناطق لونية تستلهم النهر وما يجاوره ضمن صياغات تجريدية
يحيي القيسيملاحة بصرية لمحمد العامري في رواق لاينز بعمان: استكشاف لمناطق لونية تستلهم النهر وما يجاوره ضمن صياغات تجريديةعمان ـ القدس العربي معرض الفنان الأردني محمد العامري المقام حاليا في رواق لاينز بعمان يمكن الإشارة إليه كخلاصة لمنجز خلاق في التعامل مع اللون وسطح اللوحة والرؤية البصرية النافذة لما حول العامري من عناصر طبيعية انطبعت في أعماقه طويلا واختزلها علي شكل رموز تجريدية بحيث أعادها إلي خاماتها الأولي حيث الأزرق للماء والسماء، والأصفر والبني للتراب والطين والبيوت، والأحمر للنار، والضبابية الرمادية للغيوم والهواء. إن ما يفعله العامري عادة في كل معرض جديد أنه يتجاوز نفسه ويفاجيء الآخرين، لقد فعلها قبل سنة من الآن في معرضه الذي حمل الاسم نفسه ملاحة صحراوية في دار المشرق، ولكنه اليوم إذ يرسخ عناصر هذه الملاحة فإنه يذهب بها بعيدا إلي مديات أكثر عمقا وجمالا.لقد طور قدراته الاحترافية في التعامل مع المواد وتوزيعها كما ينبغي لها علي السطح، إنه ناثر ماهر للكلمات في كتابته الشعرية، والنقدية، وهو أيضا هنا يجيد نثر ألوانه تبعا لحالته الروحية، فالأصابع في النهاية تستجيب لرؤيته البصرية ورغباته الجامحة للولوج إلي كنه الطبيعة وذاتها، والرجل بعد كل ذلك مجرب بامتياز لا يمل ولا يكل، وهو عصامي في ذلك يعتمد علي ما توحي له أعماقه وخبراته، إضافة إلي ما يكتسبه في سفراته من تواصل مع الفنانين العرب والعالميين، فهو مثابر جيد في تتبع أحوال التشكيل واطواره الجديدة، ويبدو أنه في ملاحته البصرية الجديدة قد وصل إلي غايته القصوي من استنطاقها، ولا بد في قادم التجارب من ان يذهب إلي منطقة مغايرة كليا حتي يستمر في توهجه.المعرض الذي افتتح يوم 12 آذار (مارس) الجاري شهد حضورا كثيفا للفنانين والمثقفين ومحبي التشكيل، ومن المتوقع أن يستمر المعرض حتي 12 نيسان (إبريل) القادم، وقد رافقته مطبوعة ملونة للوحات إضافة إلي كتابات مقتطفة لعدد من النقاد ورؤية للعامري حول هذه التجربة، وفيها يقول : أنا في الطبيعة، أقصد أنا في رحم السماء وجسد الأرض توزعني المسافات بين رحلة اللون والملمس واكتشاف الدهشة في المحيط والحيز، من هنا استطيع أن أذهب وحيدا إلي منطقتي في الرسم والتلوين حيث تشاركني السماء والأرض ألوانهما لأعيد صياغة الأشياء عبر لذة خاصة، لذة تكتشف السطح التصويري وما يعطيني من مناخات عشق أعيش من أجلها وأتماهي في لحظة صوفية مع ما تعطيه تلك الألوان من طيران. أنا ملاح بصري أبحث عني في كل لون تراه عيني وفي كل منطقة يرتجف لها قلبي. عشق لا يعادله عشق. لذاذة سماوية تطلق العنان للأفكار والعاطفة والارتجاف من شدة اللذة. هنا وهناك ما زلت أبحث عن ميلاد الأشياء التي خزنتها في طفولتي القروية، طفولة وادي الأردن حيث الخضرة ووضوح السماء وموسيقي النهر. هذه التجربة تشكل البعد الثاني في سياق تجربتي التي ترتكز علي إعادة الاعتبار للتجريد داخل الطبيعة المتنوعة تحديدا الأرض والسماء وما بينهما، فجاء النهر ليكشف عن تفاصيل جديدة في ألوان الأرض وتفاعل العناصر الأربعة (الماء والهواء والتراب والنار) من خلال العوامل الطبيعية فهو يقدم مشهدا جديدا كان غائبا بالأمس في المشهد الشمولي وأصبح حاضرا بثقافته الجديدة في العمل الفني .أما الناقد المغربي د. فريد الزاهي فيري أن أعمال العامري الجديدة تستمد ثراءها وعمقها وملمحها البلوري الشفاف من هذا الانفتاح المغامر الذي تشهد به عدة (تجارب وسيطة) بين ارض وسماء.ويتابع بالقول إن اليد تواصل تأرجحها بين المكتسب واللامألوف، بين البراعة اللونية المعبرة والبحث ذي الطبيعة المفكرة.ثم تأتي الأعمال التي نحن بصددها هنا والتي تندرج بسهولة ضمن رؤية علي قدر من التجانس اذ تطرح ذاتها كتجربة محملة بالكثير من الاسئلة هنا، فلم يعد ثمة شكلانية موضوعاتية تتجه صوب المرئي بل نجد مزيجا معقدا من الأحاسيس اللونية المتحررة من كل مرجعية محددة. لم تعد ثمة الاعيب بلاغية حول معني يتم تقاسمه، بل اندفاعة غنائية يدخل فيها جسد الفنان حالة من الوجد امام الشكل، ولكي يقترب الفنان أكثر من جوهر المرئي ومن أجل مقاربة اللامرئي في اكثر جوانبه حسية نراه يقتصد في لمسته، يتظاهر بعنف الاحتكاك مع سطح اللوحة ليحول اللمسة الي مداعبة رقيقة ومتطلبة، ملتبسة وصارمة في آن معا كما لو ان اللوحة تستحيل جسدا مرهفا تعيد اليد خلقه دون كلل وفق تشكيلات لا قصدية فيها لكنها ذات دلالة .ويخلص زاهي في مداخلته لتجربة العامري الجديدة بالقول يعرض لنا العامري فنا للمحسوس تحركه الرغبة المحمومة في الغيرية وتخترقه مفارقات كثيرة وجراح داخلية خاضعة لتقلبات شهوتها للابداع المفتوح علي المستقبل، حيث تغتني اللوحات بتدرجات الوانها المائية بتطعيمات يضيفها جسد انثوي ممشوق، او حيوان وحيد مع محراث..الخ، تحضر هذه الأشكال لتعبر عن العزلة المرعبة بين رياح التشكيل والتي يفصح عنها من ناحية أخري استخدام الخامات المؤكسدة التي تترجم علاقة ضبابية مع الزمن ومع الوجود ايضا.اذا كانت العلامة الجوهرية لهذه الممارسة التشكيلية هي اللعب مع التكوين فان هذه النتيجة هي في الواقع نقطة قوة هذه التجربة ومصيدتها ذلك ان الكثافة تكاد تصل الي الإشباع احيانا تاركة لفعل (التكوين) مهمة تدبر فائض المعني المنبثق من اللوحة. بيد ان هذا الإشباع ليس معطي مباشرا علي الدوام انه مكون ايضا عبر استخدام محموم للشكل واللون علي حد سواء بغية التقاط الوجوه المتعددة للحظة التشكيل ويجب ان نقرأ مثل هذه المفارقة هنا كمعني مزدوج مرتبط بالرؤية التشكيلية وبالآفاق التي تفتحها الرؤية أمام التطور الفني . وفي كلمات قليلة لكن عميقة تلخص الفنانة التشكيلية والناقدة الفنية اليمنية آمنة النصيري تجربة العامري بالقول يتقشف العامري في هذه النصوص ويكسب تكويناته حضورا لونيا شفيفا، وهذه الشفافية ونقاوة المشهد وصفاء الفضاءات، وتكريس البناءات المجردة تجعل الصورة لا تتبع سوي الأثر في العالم والأشياء غير آبهة بمعطياتها المادية . ذات حوار قال لي العامري عن هذه التجربة: إن الكثير من الناس يرون صورة فوتوغرافية للطبيعة بشكلها الخارجي دون الغوص داخل هذه الطبيعة لمشاهدة الألوان وتفاصيلها وإعادة إنتاجها في اللوحة أي بمنظور بصري غير جمالي، ولهذا تأتي لوحاتي لتغوص في تلك المنطقة التي لا ينتبه إليها كليلو البصر عادة وهي دعوة إلي تشغيل العين الثالثة الغائبة.بقي أن أشير إلي السيرة الإبداعية للعامري فهو شاعر وصحافي وتشكيلي وناقد، وترأس رابطة التشكيليين الأردنيين من 2000 ـ 2002، ويعمل حاليا مديرا لمديرية المسرح والفنون في وزارة الثقافة، وسبق أن عمل محررا ثقافيا في جريدة الدستور، وقد أقام 15 معرضا شخصيا ما بين 1983ـ2007 كما شارك في أكثر من مئة معرض جماعي داخل الأردن وخارجها، وهو مشارك نشط في المؤتمرات الدولية والعربية في مجال الفن التشكيلي، واختير ككاتب زائر لمدينة ميونخ الألمانية لمدة شهر خلال عام 2004، كما فاز بعدة جوائز آخرها جائزة بينالي طهران الدولي ، أما مؤلفاته في مجال الشعر والتشكيل فهي : معراج القلق ـ شعر، 1990، خسارات الكائن ـ شعر ـ 1995، بيت الريش ـ شعر ـ 1999، قميص الحديقة ـ شعر 2005، المغني الجوال محمد القيسي ـ تحرير وتقديم، فن الغرافيك في الأردن 1999، الشاهد والتجربة ـ عن الفنان رفيق اللحام، 2001، عزلة الفراغ 2003.QTS0