ملاحظات حول المسودة الثالثة لـ المشروع النهضوي العربي

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

كانت الملاحظات علي الفكرة المحورية للمسودة الثالثة للمشروع النهضوي العربي، الذي قدمه مركز دراسات الوحدة العربية إلي المؤتمر القومي العربي، في دورته، التي عقدت في البحرين نهاية الشهر الماضي، كانت قد ركزت علي عدم انطلاق المشروع من التوحيد القومي كفكرة محورية له.

وهنا نستكمل ما بدأناه السبت الماضي حول جوانب أخري تناولها المشروع.. ما زلنا في الفصل الأول المعنون بـ ضرورة النهضة، وعند نقطة الحديث عن غياب المؤسسات، عندها وجدنا أن النهج المطلق كانت له الهيمنة، مع أن التاريخ القريب يبين أن الغياب كان لظروف خاصة لبعض البلدان، وحدود نسبية لدي البعض الآخر. فبلد مثل الجزائر وجد نفسه بلا مؤسسات ولا إدارة حقيقية، بعد جلاء المستوطنين الفرنسيين، وكان الحل في اللجوء إلي التسيير الذاتي. وفي دولة عربية كبري وقديمة، كمصر، من الصعب الادعاء بأن مؤسساتها غابت، أو أنها بلا مؤسسات، وكان من الممكن الحديث عن تخلف مؤسساتها، وغلبة الشخصنة علي إدارتها، بسبب استبداد نظامها السياسي وفساده وتبعيته، فضلا عن أن المؤسسات التي بنيت في ظل النظام الجديد، كانت في مجملها وليدة. لم تتح لها فرصة النمو والنضج الكامل. بجانب الدور الذي لعبته القوي الخارجية.. لم يكن كل هذا أقل تأثيرا عن أمراض القصور الذاتي، وهناك ما طرأ في العقود الأخيرة، يمكن وصفه بالعامل الخفي في إضعاف المؤسسات، وتمثل في تعامل الحكام من رجال الأعمال مع الدولة علي قواعد أيديولوجية، ولأنهم كانوا ضد أيديولوجية النظام السابق، تصوروا أن الحل هو في تصفية الدولة ذاتها، وتصفيتها عنت تصفية المؤسسات، ومصر نموذجا واضحا في هذا المجال.

وقع المشروع النهضوي في لبس ارتبط بما ورد حول عدم تقدير المشروع النهضوي الثاني لاستيلاد تحالف عريض، يضم سائر القوي ذات التمثيل الأصيل والفعالية السياسية، من إسلاميين ويساريين، ونعيد التذكير بأن المقصود بالمشروع النهضوي الثاني هو المشروع الناصري. هذا الحديث وإن كان صحيحا في مجمله، إلا أنه ناقص في تفاصيله، لأنه تجاهل التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ولم يتنبه إلي تغير مواقع القوة السياسية وملكية الثروة الوطنية، وما ترتب علي ذلك من استقطاب، محلي وإقليمي ودولي، تم توظيفه لمناهضة المشروع النهضوي الثاني. واندلعت معارك وصدامات. عبرت عن نفسها علي أكثر من صعيد. وحين خف هذا الاستقطاب، وغيّر الغرب تحالفاته المحلية والإقليمية، وفكت قوي سياسية ارتباطها به.. هنا أصبح الحديث ممكنا عن التحالف العريض، أو غير العريض!!. وعند الانتقال من الفصل الثاني الخاص بـ التجدد الحضاري إلي الفصل الثالث، المتعلق بقضية الوحدة، أعطي الحديث عن عدم نجاح الوحدة المصرية السورية في البقاء طويلا إلي الحد الذي تطلق فيه مفاعيل توحيد في مجمل أقاليم الوطن العربي، أعطي انطباعا بعدم الدقة. فالمشكلة لم تكن في عدم نجاح الوحدة بقدر ما كانت في نشاط وإمكانيات القوي المعادية للوحدة، وقدرتها علي الإجهاض والضرب والتخريب، من الداخل والخارج. فالنص علي عدم النجاح أعطي انطباعا بقصور الهدف وعدم ملاءمته.

أما الجزء الخاص بأثر زحف العولمة، وما حمله من تحديات دافعة نحو أشكال جديدة من الممانعة والتوحيد في مناطق مختلفة من العالم، بدا هذا الجزء وكأن المشروع لا يعلم بتراجع هذا الزحف، وهو، بالمناسبة، سابق علي أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، وارتبط التراجع بعصر جورج دبليو بوش، وهذا أكده كتاب غربيون، وهم يرصدون التغيير الذي أصاب المشروع السياسي الأمريكي، واعتبر أن العولمة ماتت، واستدلوا علي ذلك من رصد الفارق بين توجهات إدارة كلينتون، وهي تركز علي المصلحة الأمريكية القومية، وتركيز لغة بوش علي زيادة اهتمام الولايات المتحدة بحماية نفسها من المخاطر والفوضي العالمية!!.. وهذا التوجه الجديد اعتبر العولمة فوضي عالمية، وعصرا للرياء والدجل وخداع النفس، ووُصِف بأنه انتصار للحقيقة علي الوهم، وهناك تفاصيل أخري، أوردها كاتب هذه السطور في كتابه ما بعد العولمة، الصادر في القاهرة 2002، وإذا كانت العولمة، قبل موتها، قد اعتمدت علي إعادة هيكلة اقتصاديات الدول علي قوانين السوق، ووظفت الإعلام والسماوات المفتوحة والشبكة الألكترونية (الإنترنت) لنشر هذه الأيديولوجية، فإنها عملت علي إضعاف بنية الدولة، عن طريق منظمات المجتمع المدني. وبعدها جاء عصر ما بعدها بآليات أخري. مثل الغزو العسكري لإعادة هيكلة العالم من جديد، واتخذ من الحرب العالمية ضد الإرهاب مسوغا سياسيا وأخلاقيا، غربيا وصهيونيا، للاستيلاء علي الدول وتصفيتها وإلغاء وجودها. واستخدم القانون الأمريكي، كقانون حاكم لكل قوانين العالم، وسيدا لها. وتغيرت لغة الخطاب الرسمي الأمريكي، وانتقل من التجريبية (البراغماتية) إلي الرسالة الدينية، وعلي أساس هذه اللغة تم فرز العالم إلي أخيار وأشرار، ومعني هذا أن فكرة التوحيد القومي، كفكرة محورية مفترضة في المشروع النهضوي العربي، تواجه تحديا صعبا، نتيجة هذه الأوضاع المستجدة، حيث تتلاشي الدول، وتحل محلها جماعات مذهبية وعرقية وطائفية. وكان من المفترض أن يرفع المشروع النهضوي العربي من الوعي بأهمية التنازل عن قدر من السيادة من الدولة القطرية لصالح فكرة التوحيد القومي. لهذه القارة العربية الممتدة. مع تبني أساليب ميسرة وممكنة التطبيق. وإذا كان الاندماج لم يأت أوانه بعد، فإن اتساع مدي التنسيق والعمل المشترك، وتهيئة الظروف للقبول بصيغ تعاهدية (كونفدرالية)، أو اتحادية (فيدرالية)، تجمع أكثر من بلد عربي. مطلب ضروري لمواجهة التفتيت الجاري للمنطقة، ومعالجة الضعف والوهن الشديد فيها.

كان من المهم أن يأتي ما ورد في الفصل الرابع، الخاص بالديمقراطية، كرافد يغذي فكرة التوحيد القومي، ولا يقع في مصيدة الأحكام شبه المطلقة، حول وظيفة الديمقراطية. فالديمقراطية الغربية، هي المرادف التقليدي للمذهب التحرري، المعروف بـ الليبرالي، ويعيب عدد من المشاريع السياسية والفكرية العربية قفزها علي التجارب الذاتية، وبيئتها الخاصة، وعند مقارنة المشروع النهضوي المقدم للمؤتمر بالمشاريع السابقة، نجد أنه ادعي تميزه الديمقراطي، وكأن الديمقراطية كانت بنفس الإلحاح أو لها نفس المعني أو الروح أو المنهج، وكان حكمه صارما في وصف الديمقراطية بأنها النظام الذي يحرر مواطنيه من العبودية السياسية والخوف ويطلق الطاقات الاجتماعية للانتاج والإبداع والتنافس، ولم يبين لنا كيفية استقامة ذلك مع وحشية النظام الديمقراطي الغربي وعشوائيته ودمويته، مر هذا دون الإشارة إلي المشروع الديمقراطي الأمريكي، سواء في صيغته الليبرالية، أو مضمونه العنصري، الداعم للدولة الصهيونية. كيف يتحرر المواطن العربي في فلسطين والعراق ولبنان، وهو يقع تحت وطأة هكذا نظام؟ وكان الواجب أن يكشف المشروع عن كنه الديمقراطية. هل هي، كما ادعي، نظام شامل؟ أم آلية تأخذ بها أنظمة متناقضة الأهداف والتطلعات؟ أليست الدولة الصهيونية ديمقراطية بمعني من المعاني؟ كيف لم تتناقض الديمقراطية فيها مع عنصرية الفكرية الصهيونية وعدوانيتها واستغلالها وتعاليها علي الأغيار؟! ما العمل عندما تكون الديمقراطية الليبرالية طريقا للعبودية والحروب والتفتيت والتجزئة؟ ومع ذلك يصفها المشروع النهضوي العربي بأنها نظام شامل.. هل الديمقراطية جعلت التيار الإسلامي مثلا يتخلي عن ثوابته بدعوي أنها نظام شامل؟ أم أنه يوظفها ويتكيف معها ضمن ثوابته؟ والأمر لا يختلف مع اليسار.. يقوم بعملية تكييف ومواءمة بين ثوابته الاشتراكية والعقائدية؟ والوحيدون الذين يعتبرونها نظاما شاملا هم الليبراليون، القدامي والجدد، إلا أن هذا غير دقيق، فهم في حقيقتهم غير معنيين بغير الاقتصاد الحر والسوق، لهذا فالتعددية لديهم مضبوطة علي مصالح الأغنياء والتجار والصناعيين ووكلاء الشركات الأجنبية، ويسقطون الطبقات الوسطي والفقراء والمعدمين من حسابهم، لهذا فعلاقة كثير منهم بالإدارة الأمريكية والغرب والدولة الصهيونية أهم من علاقاتهم العربية والاسلامية ومع دول العالم الثالث، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.. إن كعبتهم البورصة وإلههم الدولار!! وإذا كان الاستبداد يعطل طاقات الأمة، كما ورد في المشروع فهذا لا يكفي، فطاقات الأمة معطلة بفعل الاستنساخ والتقليد والنقل، وتجاربنا الخاصة مهملة ومشروعاتنا مجهضة، وعندما لا نري هذا وننظر إلي الديمقراطية نظرة قاصرة فإننا نحولها من حل ونقطة من نقاط ارتكاز المشروع النهضوي العربي إلي تقليعة.. ونخاف أن يأتي اليوم التي نتبرأ فيه منها، كما تبرأ كثير منا من الاشتراكية، لأنها انتهت كتقليعة، مع أن العدل الاجتماعي لم يكن يوما موسميا، ولا يخضع لمنطق التقاليع.. وعلينا أن نسأل أي ديمقراطية نريد؟ هل نريد ديمقراطية عربية، علي غرار ما كان ينادي به البعض في الستينات، من وجود اشتراكية عربية؟

، أم نريد تطبيقا عربيا للديمقراطية، كما كان يطرح اليسار العربي؟ علي اعتبار أن الاشتراكية واحدة، وتطبق في كل بلد بالشكل الملائم له. أم أننا لا نفكر بهذه الطريقة. إلي أن تنتهي التقليعة ونتبع تقليعة أخري ونلعن ما سبقها!! وهذا يصنع خلطا بين آليات تحقيق الديمقراطية وتعزيزها، والأنشطة الاجتماعية والمجتمعية، التي تُمارس لتعويض قصور الدولة، وليس إرساء لقواعد الديمقراطية وتحقيقها، التي هي مهمة الجماعات والجمعيات والتنظيمات والأحزاب السياسية.

والتنمية المستقلة المشوهة، لا تخدم فكرة التوحيد القومي. فـ المشروع استنسخ النمط الغربي. وتجاهل تعظيم الانتاج الجماعي أو التعاوني، واستمر في تزكية المشروع الفردي، وفضل القطاع الخاص، وأثبت الظروف أن القطاع الخاص لا يستطيع وحده تحمل أعباء هذه المهمة، خاصة في الدول النامية، ليس هذا فقط بل تجاهل المشروع تعظيم التجارة البينية بين البلدان العربية، والتعاون بين مؤسسات وشركات الإنتاج والخدمات والإدارة والمال العربية. وفي التوجهات الاستراتيجية من أجل التنمية المستقلة غفل المشروع سبل إعادة الوطن العربي، إقليما جاذبا وحاضنا لأبنائه، ومستفيدا من كفاءاتهم، وليس طاردا لهم، بدلا من العبارات المكررة عن عودة الخبرات والطيور العربية المهاجرة. أما الفصل الخاص بالعدالة الاجتماعية تعرض لـ القيم الكبري التي دعا إليها الإسلام الحنيف، ولم يشر إلي رسالات السماء، كرسالات استهدفت عزة الإنسان وتأكيد مكانته، كمقدمة هامة حين تناول القيم الكبري للإسلام الحنيف ومثل هذا الطرح الذي نقترحه يجعل المشروع أوسع أفقا وأكثر شمولا لمكونات الثقافة العربية والإسلامية. أما الفصل الخاص بالاستقلال الوطني والقومي لم يهتم بوحدة الموقف السياسي العربي، ولا بإحياء سلاح المقاطعة، الذي أصبح نسيا منسيا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية