ملاحظات حول المسودة الثالثة لـ المشروع النهضوي العربي المؤتمر القومي العربي يطرح مشروعا استراتيجيا للمرة الأولي

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

انتهت منذ أيام أعمال الدورة الثامنة عشرة للمؤتمر القومي العربي، وقد عقدت في البحرين، علي مدي أيام الثامن والعشرين والتاسع والعشرين والثلاثين من الشهر الماضي، وعلي الرغم من جدول الأعمال المزدحم، واختصار وقت المؤتمر من أربعة أيام إلي ثلاثة إلا أن هذه الدورة تميزت بميزتين أساسيتين، بعد أن انتقل، علي الأقل شكليا، من هيمنة الجيل الأبوي إلي جيل أقل أبوة.

فهذه الدورة كانت التالية لدورة العام الماضي، وعقدت في الدار البيضاء، وانتخب فيها المحامي المغربي خالد السفياني أمينا عاما، وهذه النقلة عكستها عملية الإعداد، وكانت برعاية صحيفة أخبار الخليج، مع دور خاص للكاتبة البحرانية سميرة رجب، وكانت الميزة الثانية هي عرض المسودة الثالثة لـ المشروع النهضوي العربي علي المؤتمر، ولم يقلل من هاتين الميزتين ما حدث علي هامش المؤتمر، من عرض فيلم عن الاحتلال في العراق، نحي منحي طائفيا، وقوبل بالرفض من الغالبية لعظمي من الأعضاء، وما جري من اقتراح بعض الشروط، التي وصفها كاتب هذه السطور وهو يتحدث عنها أمام المؤتمر، بالتعسفية، وكانت عن رفع الاشتراكات، دون النظر إلي حالة أغلب الأعضاء، سواء من البلاد التي تواجه ظروفا خاصة، مثل فلسطين والعراق ولبنان، أو الدول غير النفطية، كاليمن ومصر وموريتانيا والمغرب، وهم بحكم العدد يمثلون الأغلبية، وكذلك شروط الترشيح لعضوية الأمانة العامة، فقد كان أمرا مبالغا فيه، بأن اقترح البعض بألا يسمح لعضو المؤتمر بالترشيح للأمانة العامة إلا بعد مرور ثلاث سنوات علي عضويته، وحضوره ثلاث دورات، وبالنسبة للأمين العام وصل الأمر إلي اشتراط عشر سنوات قبل الترشيح، وكأن العضو يأتي إلي المؤتمر من الشارع مباشرة، بلا تاريخ يؤهله، ولا دور يدعمه، فضلا عن التزكية الضرورية، كشرط أساسي من شروط العضوية، بمعني أن العضوية ليست مفتوحة، إنما مشروطة بالالتزام بمبادئ النظام الأساسي للمؤتمر، وبرصيد المرشح في العمل العام، سواء كان علي المستوي السياسي أو الفكري أو النقابي، ومن يلتحق بالمؤتمر وراءه تاريخ حافل وعريض، ومستوي من الفعالية، علي المستويين الوطني والقومي، وأحيانا علي المستوي الدولي، تجعله جديرا بهذا الانتماء.. ولنا أن نتخيل تطبيق هذه الشروط علي رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، سليم الحص، فلا يتقدم للترشيح لعضوية الأمانة العامة إلا بعد مرور ثلاث سنوات من العضوية، أو علي وزير التعليم الأسبق، في البحرين، علي فخرو، كشخصية خليجية متميزة، فيمنع من الترشيح لمنصب الأمين العام إلا بعد عشر سنوات من الالتحاق، وهو رجل أكاديمي ومفكر ونشط سياسي قومي!! ، وإذا ما أخذ مؤتمر، يضم هذه النماذج القادرة علي قيادة دول، بهذه الشروط، فإنه يتحول إلي منتدي مغلق للأغنياء، وجهاز بيروقراطي للأكثر قِدَما، وليس للأكثر كفاءة، وهي عدوي انتشرت في المنطقة العربية، ونأمل ألا تصيب المؤتمر، حاليا أو في المستقبل.

وكان من الواضح أن مركز دراسات الوحدة العربية بذل جهدا كبيرا في تحرير وصياغة مسودة المشروع النهضوي العربي، أيا كانت الملاحظات، التي نبديها هنا، أو يبديها غيرنا.. ذلك لا يقلل من قيمة الجهد المبذول، ولا ينقص من قدر من المشاركين في تحريره وصياغته. والدلالة الإيجابية لعرض هذه المسودة علي المؤتمر هي أنها نقلته من كونه مرجعية فكرية سياسية، للقوي القومية وحلفائها إلي مؤسسة قادرة علي تقديم مشروعات استراتيجية إلي الأمة، والتحول من القول إلي الفعل. وقبل تناول الملاحظات الخاصة بتفاصيل بعض ما جاء في المسودة، نجد أن منها العام والخاص، فعلي المستوي العام افتقدت المسودة إلي الوعاء الذي تصب فيه مادة المشروع، وغاب عنها المنهج الذي يضبط بوصلته. وإذا كان مقبولا أن تصاغ المبادئ الستة التي تأسس عليها المؤتمر، بشكل فضفاض، بقصد أن تكون مبادئ جامعة وعامة، فالمشروعات الاستراتيجية تنطلق من فكرة محورية، والفكرة المحورية للتيار القومي العربي وحلفائه، بتنوع منابعه وتعدد روافده، هي فكرة التوحيد القومي. لكن المسودة أعطت انطباعا بأننا بصدد أكثر من مشروع، فكل مبدأ أو جزء صيغ كمشروع مستقل بذاته، ومتواز مع المشروع الآخر. والجزء الخاص بالتجدد الحضاري تجده مستقلا عن الجزء الخاص بالوحدة العربية، وهكذا الديمقراطية، والتنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني والقومي، فتشوشت الفكرة المحورية وضاعت. مع أنها الفكرة الحاكمة لكافة المشروعات السياسية، فالفكرة المحورية للمشروع الإسلامي السلفي هي إعادة الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية، وهكذا المشروع الماركسي يقف ضد الاستغلال الاقتصادي، ويسعي لتحقيق العدل الاجتماعي بإعادة توزيع الثروة، وتطبيق الاشتراكية علي المستوي الأممي، والمشروع الليبرالي يرتكز علي الاقتصاد الحر، وتأكيد سيادة النظام الرأسمالي، واقتصاد السوق والاحتكارات وسيطرة القطاع الخاص، ويجب ان لم يتم تجديد مشروع النهضة العربية علي التوحيد القومي، فعلي أي فكرة يقوم؟ في منطقة تعاني من أمراض التجزئة والتخلف والتبعية، والتوحيد القومي هنا بمثابة المبدأ الحاكم الذي لا يوضع في مستوي مواز للمبادئ الأخري الواردة في المسودة. وتتناول المسودة المشاكل التي واجهت مشروع النهضة الثاني، علي اعتبار أن المشروع الأول هو مشروع محمد علي. والمقصود به المشروع الناصري، دون ربط واضح بفكرة التوحيد القومي. وما ورد في الفصل الأول، وعنوانه في ضرورة النهضة، عن التدهور المريع في معدلات النمو، الناجم عن فساد السياسات الاقتصادية الرسمية، وانتقال الاقتصاد الموجه إلي الاقتصاد الحر، خصت بيع ممتلكات الدولة والشعب إلي خواص خرج أكثرهم من رحم فساد القطاع العام، وتعني هذه الصياغة، عند ذكر أكثرهم وليس الفاسدين منهم، أن الفساد نشاط ملازم للتنمية المستقلة التي يلعب القطاع العام الدور الأساسي في تحقيقها.. ما ورد إذن ليس دقيقا في عمومه، فـ الأكثرية لو كانت فاسدة ما كانت قد تمكنت من بناء القاعدة الصناعية العملاقة، في دولة مثلت قاعدة المشروع القومي، ولو اقتصرت الإشارة إلي الفساد، الذي خرج بعضه من رحم القطاع العام، لاستقام المعني، وما تناقض مع معطيات المخطط المحكم والمنظم، الذي رعته قوي وأطراف إقليمية وخارجية وقضت به علي القطاع العام، وهي تصفي كامل المشروع، بانجازاته الوطنية والاجتماعية والقومية، وتم تجنيد مؤسسات ضخمة ونافذة، عربية ودولية، للدفع بعملية التصفية.. لم يأت المال العربي النفطي، ولا وصفات المصرف الدولي للانشاء والتعمير، ولا شروط صندوق النقد الدولي. لم يأت كل هؤلاء من أجل التريض أو النزهة بين ربوع البلاد.. لقد مولوا وحرضوا علي التصفية الكاملة. وفي موضع آخر ذكرت المسودة أن من أسباب تعرض المشروع الناصري للانتكاس تأجيله لمطلب الديمقراطية، واستبعاد قطاعات واسعة من الشعب من المشاركة السياسية. وفي هذا تبسيط شديد، إما لجهل بطبيعة الحقبة ذاتها، التي غلب عليها البعد التحرري وجهد إجلاء قوات الاحتلال والاستيطان الأجنبية، والانطلاق نحو التنمية، وحاجة ذلك إلي حشد وتجييش القوي الشعبية، بجانب ما كانت تمليه الصداقات والتحالفات، الإقليمية والدولية، من تعاون واحتكاك بتجارب كفاح ومقاومة، حققت النصر علي قوي الاستعمار والاستيطان التقليدية، ووجود صيغ مشاركة، أيا كانت الآراء حولها الآن. حازت رضاء الفقراء والمهمشين والمنتجين، وقطاعات عريضة من الطبقة الوسطي، وأحدثت حراكا اجتماعيا وسياسيا ضرب احتكار السلطة والثروة والنفوذ، فخرجت أجيال من المتعلمين والخبراء والإداريين والسياسيين من قاع المجتمع ومن أوساط الشعب العامل، وعاد ذلك إلي الطبيعة الجماهيرية الواسعة للتنظيمات السياسية التي أقامها المشروع الناصري، والطبيعة الجماهيرية توصف، استهزاء، بـ الشعبوية، وينعت النظام الذي أقامها بـ الشمولية، وكأن النظام الرأسمالي الذي يوصف بالديمقراطي، زورا وبهتانا، رغم ما نراه في فلسطين والعراق ولبنان والسودان، ليس شموليا، وحين ننظر حولنا إلي دولة الاستيطان والتمييز العنصري (الأبارتايد) المقامة علي أرض فلسطين كأنها غير شمولية، وليس هناك ما هو أوضح في شموليته من الفكرة الصهيونية ونظامها العنصري، وهي تمثل منظومة كاملة تتحكم في كل شيء، وتصيغ كل سبل ووسائل الحياة بالنسبة للأغيار، غير اليهود. ونحن ممن يدعون أن النظم السياسية كلها شمولية، حتي البدائي منها. القبلي والعائلي والطائفي، وليس النازي أو الفاشي أو الليبرالي فحسب، لكن ماذا نفعل مع من يرددون مفردات ومفاهيم الخطاب الغربي الصهيوني، دون التعرف الكافي علي مغزاه ومدلولاته، و مشروع النهضة العربية وهو في أمس الحاجة إلي الديمقراطية، عليه ألا يستنسخها الصيغة الغربية والمصهينة، لتكون مناسبة وشاملة وعامة، ومعبرة عن مصالح أعرض القطاعات الشعبية، ومن المآخذ علي الصيغ الحزبية الجماهيرية، هي شبهة تقديس الحاكم ونزوع نحو الاستبداد، لذا تصبح مهمة القوي القومية وهي تجدد المشروع النهضوي أن تجعل من الديمقراطية، التي يبرر بها الغرب احتلاله وهيمنته، ويبث بها الفرقة بين مكونات البلدان المحتلة والخاضعة لنفوذه، لضمان استمراره وحماية مصالحه، علي أن يجعل هذه الديمقراطية في خدمة التوحيد القومي، وتعلي بها صوت الشعب، وتحقق أهدافه. وإذا كان المشروع النهضوي الثاني، قد بني تحالفا شعبيا مكونا من قوي وفئات اجتماعية، وهم الفلاحون والعمال والمثقفون والحرفيون والرأسمالية الوطنية وصغار الكسبة، فمن الممكن أن تعاد صياغته علي التعددية، المضبوطة بـ ميثاق وطني وقومي يحدد الأهداف الاستراتيجية. بما يتيح للمواطن حرية الحركة، والمشاركة في الحكم وتوجيه القرار السياسي، وإقامة أحزاب ممثلة لهذه القوي والفئات، إذا ما حازت علي ثقة الناخب، مجتمعة أو منفردة، بدون تدخل أو تزوير. بذلك يكون العمل الديمقراطي بابا للاستقلال الوطني والقومي، وأساسا للتنمية، ومصدرا للقوة، وطريقا للوحدة، وبهذا يمكن ضمان تحقق الديمقراطية، بشقيها السياسي والاجتماعي، وأي مآخذ لا تنفي أن المشاركة في ظل المشروع النهضوي الثاني.. كانت أوسع مما هي عليه الآن بكثير، وعلي المجددين معالجة القصور الذي نتج عن حصر التعدد والتنوع داخل التنظيم الجماهيري الواحد، أو ضمن الجبهات ذات الطابع القومي واليساري، وبالقطع فإن هذا مخالف للطبيعة الليبرالية لطبيعتها النخبوية، ولا أقول الجماهيرية، الشائعة الآن!!. ونواصل بقية الملاحظات الأسبوع القادم إن شاء الله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية