ملاحظات حول قرار الجمعية العامة والمصالحة الفلسطينية والوحدة الوطنية

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام إحتفل الفلسطينيون والمتضامنون والمتعاطفون معهم في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي مرتين، مرة بعد إعلان وقف إطلاق النار يوم الأربعاء 21 بعد حرب الأيام الثمانية بين إسرائيل وفصائل المقاومة في غزة بقيادة حركة حماس، حيث استطاعت تلك الفصائل أن تمرغ أنف إسرائيل في التراب وتخرج من المعركة رافعة الرأس غير منهزمة وغير منحنية الهامة. والمرة الثانية بعد التصويت في الجمعية العامة يوم الخميس 29 حيث وقفت معظم الدنيا مع الحق الفلسطيني تاركة الدولة المارقة وحليفتها الظالمة معزولتين مدحورتين سياسيا ودبلوماسيا. كما أن رمزية التصويت أمر مهم حيث تم إعتماد القرار في الذكرى الخامسة والستين لقرار التقسيم المشهور (181) والذي قسم وطنا ظلما وقهرا واستقواء وخيانة دون وجه حق وأعطى المهاجرين الغرباء الذين لم يكونوا يشكلون أكثر من 30′ من السكان أستولوا على 6′ من الأرض فمنحهم 56 ‘ من فلسطين التاريخية وأبقي 42 ‘ للسكان الأصليين الذي يزيدون عن الثلثين من السكان وأبقى القدس ومحيطها تحت ما سمي ‘ كيان منفصل’ يخضع لإشراف دولي.كانت نتيجة التصويت آنذاك 33 صوتا لصالح مشروع القرار مقابل 13 صوتا ضده وامتناع عشر دول عن التصويت. وقد لا يعرف الكثيرون أن التصويت الأولي في اللجنة السياسة الخاصة قد فشل على الحصول على الثلثين. فما كان من الولايات المتحدة إلا أن قامت بالضغط على ثلاث دول هي الفلبين وليبيريا وهايتي لتغيير مواقفها خلال أيام قليلة وقبل التصويت في الجمعية العامة. ومقارنة مع التصويت لصالح مشروع قرار رفع مستوى تمثيل فلسطيني إلى دولة مراقب- فقد كان عدد المصوتين ضد القرار عام 2012 تسعة من بين 193 دولة بينما بلغ مجموع عدد المصوتين عام 1947 ثلاث عشرة دولة من مجموع 57 دولة، من بينها ست دول عربية (مصر وسوريا والسعودية والعراق ولبنان واليمن) وسبع دول مهمة هي الهند وإيران وتركيا وباكستان واليونان وكوبا. ولم يكن من بينها دولة ‘فلعوصة’ لم يسمع بها أحد مثل ناورو وبالاو وميكرونيزيا وجزر مارشال. ألا تخجل الولايات المتحدة على نفسها عندما لا تجد معها إلا هذه الدول بالإضافة إلى كندا وجمهورية التشيك وبنما لأسباب ناتجة عن الهيمنة المطلقة؟ لم تجد دولة واحدة تقف معها من أفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية. حتى كولومبيا، الحليف الأقرب، إختارت الامتناع بدل التصويت بلا. الموقف المثير للغثيان هو موقف بريطانيا (التي كانت عظمى) والتي خلقت هذا الكيان وزرعته بالقوة ثم امتنعت عن التصويت عام 1947 وكذلك عام 2012 وكأن الأمر لا يعنيها ولا تستطيع الحسم لصالح القرار أو ضده. قمة النفاق والصلف.دولة ناورو العظمىولنستعرض دولة من بين تلك المسماة مجازا بدول والتي لا تريد أن ترى دولة لفلسطين وهي ناورو. يبلغ عدد سكان دولة ناورو العظمى 9.370 (تقدير في تموز/يوليو 2012) ومساحتها 21 كم مربع وهي أصغر دولة في العالم وقد وقعت تحت وصاية الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان وأعلنت استقلالها عام 1968 وخجلت على نفسها أن تدخل الأمم المتحدة إلا عام 1999 بعد أن نفذ الفوسفات منها وأضافتها الولايات المتحدة للمناطق التي تقوم بتزويدها بكل احتياجاتها البسيطة من الخبز إلى الغاز إلى الملبس والمشرب. وأنا شبه واثق أن سكان الجزيرة المعزولة لم يسمعوا بفلسطين ولا بإسرائيل، فأقرب جار على ناورو هي أستراليا وتبعد عنها فقط 4.000 كم. الشيء المضحك حقيقة أن سفير هذه الدولة إتصل صباح يوم التصويت على القرار وطلب أن يتحدث مع أحد المسؤولين في بعثة المراقبة الدائمة لفلسطين لدى الأمم المتحدة. تم تحويل المكالمة إلى المستشار القانوني بالبعثة. فعرف السفير على نفسه وقال: إن مشروع القرار الذي تقدمتم به غير متوازن ويحتوي على بند يقر بأن حدود الدولة الفلسطينية تقام على الأراضي التي احتلت عام 1967. فقال له المسؤول الفلسطيني وما المشكلة في ذلك؟ قال إن العودة لخط الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967 هو خط أحمر بالنسبة لبلادي. فسأله المندوب الفلسطيني، يا سلام خط أحمر. أنتم أيضا لديكم خطوط حمراء مثل خطوط ناتنياهو. ماذا تعني بالخط الأحمر؟ فقال: يجب أن يكون هناك تعديل على حدود عام 1967 وإلا فبلادي ناورو مضطرة أن تصوت ضد القرار. فقال له المندوب الفلسطيني إذا أردت أن أعطيك شهادة بأن سياسة دولتكم مستقلة عن سياسة الولايات المتحدة فأنا على استعداد لذلك لأنكم في هذه النقطة تختلفون مع الولايات المتحدة التي تقر على الأقل على الورق بضرورة قيام الدولة على حدود عام 1967. قيمة القرارعندما إعتمد قرار التقسيم 181 لعام 1947 بدأ العرب وأنصار الفلسطينيين يجادلون حينها بأن قرارات الجمعية العامة عبارة عن توصيات ليست ملزمة لأن مجلس الأمن هو المخول باعتماد مثل هذه القرارات. فتصدى غلاة الصهانية وأنصارهم من القانونيين وراحوا يتسابقون في المحاججة بقوة قرارات الجمعية العامة والتي ترقى إلى قرارات مجلس الأمن خاصة إذا إعتمدت بنسبة الثلثين. فالقاضي الصهيوني هيرش لوترباخت، أستاذ القانون الدولي في جامعة كامبريج والقاضي بمحكمة العدل الدولية بين عامي 1955 و1960 أقر بأن الجمعية العامة مخولة ولديها صلاحية لاعتماد حل للمسألة الفلسطينية واتخاذ خطوات عملية لتنفيذ ذلك الحل. وبنفس المنطق دافع القاضي الصهيوني ماكس سورنسون عن قرارات الجمعية العامة قائلا بالحرف ‘إذا أخذ قرار بإنشاء دولة عن طريق قرار في الجمعية العامة فالوضع الجديد (لتلك الدولة) يصبح ملزما للجميع’. وللعلم لم تكن الجمعية العامة آنذاك قد إعتمدت القرار ‘الاتحاد من أجل السلام’ الذي أقر عام 1950 بسبب الأزمة الكورية وهذا القرار أعطى الجمعية العامة صلاحيات مجلس الأمن في حالة عجز الأخيرعن إتخاذ قرارات بسبب الفيتو. وقد إستخدم هذا القرار بشكل فعال في أزمة السويس عام 1956 بسبب الفيتو المزدوج الفرنسي والبريطاني واستطاعت الجمعية أن تدير أزمة السويس بفاعلية كبيرة خاصة في ظل توافق الدولتين العظميين آنذاك الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.وحتى لا نجلد أنفسنا، فالقرار يحمل قيمة معنوية وقانوية. ولا نريد لهذا القرار أن يضاف إلى عشرات القرارات التي إعتمدت من مجلس الأمن والجمعية العامة انتصارا للحق الفلسطيني ولا يتذكرها أحد. فكم مسؤول فلسطيني يعرف القرار 3263 الصادر عام 1974 والذي ثبت الحقوق الفلسطينية في فلسطين التاريخية ومن بينها حق العودة ‘إلى البيوت والأراضي التي أخرجوا منها’ وحق الفلسطينيين في ممارسة ‘حق تقرير المصير’ والحق في الاستقلال والسيادة، وحق الفلسطينيين في إسترداد حقوققهم بكافة الوسائل بما ينسجم مع أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. نريد لهذا القرار أن يبقى حيا ومصدرا لتحفيز الشارع الفلسطيني والعربي للنضال لغاية تحقيقه.إن تصوير القرار وكأنه إنجاز عظيم وتحميل القرار وزنا أكبر من وزنه وتقديم القيادة كأنها حققت انتصارا عظيما أين منه انتصار حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة نيلسون مانديلا على نظام الفصل العنصري وتفكيك تلك الدولة الظالمة القاهرة الباغية عام 1994، فهذا أمر خطير ومضلل. نود أن نضع الأمور في إطارها الصحيح. فالقرار مهم ويمكن أن يتحول إلى برنامج نضال ومواجهة بالطرق السلمية لتجسيده على الأرض. أما أن يعود محمود عباس وجماعته وكأنهم فاتحون وكأن الدولة قادمة غدا على طبق من ذهب فهذا ما ينشر ويعزز ثقافة الوهم والضياع والتشتت التي بدأت منذ زمن وخاصة عندما صرخ المرحوم ياسر عرفات من الجزائر بتاريخ 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 وهو يرفع إشارة النصر بإصبعيه قائلا: ‘باسم الله وباسم الشعب أعلن قيام دولة فلسطين’ وطلبوا يومها من الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات أن يرقصوا ويغنوا إحتفاء بقيام الدولة، فقاموا واحتفلوا ثم عادوا إلى بيوتهم دون أن يتغير شيء. وها نحن بعد 24 سنة بالتمام والكمال ننجز خطوة صغيرة معنوية على طريق إنجاز دولة لم يعد قيامها ممكنا كما نص عليه القرار بسبب من الوقائع المفروضة على الأرض. إن إنجاز الدولة ذات السيادة ممكن فقط عن طريق نضال مرير وشاق وواسع ومتواصل ومدعوم من الشعوب العربية وقوى التقدم والسلم في العالم أجمع.لا للمصالحة فقط نعم للوحدة الوطنية الراسخة لا نقول جديدا إن القيادتين في غزة والضفة الغربية الآن أمام استحقاق تاريخي: بناء وحدة وطنية حقيقية قائمة على برنامج نضالي لا على برنامج مفاوضات عبثية إلى الأبد. الحديث عن المصالحة لا يكفي. المصالحة تعني تبويس اللحى وعفى الله عما مضى ولا يتم فتح ملفات الماضي ولا يتم الاتفاق على برنامج للمستقبل. المصالحة لا تدوم ولا تؤسس لبناء جبهة داخلية متينة. الشعب الفلسطيني والشعوب العربية تنتظر من القيادتين بناء وحدة وطنية حقيقية قائمة على رؤية مشتركة تحلل الواقع وترسم خطة لتغييره لصالح برنامج إنهاء الاحتلال بالنضال الجماهيري الواسع والشامل والمستمر والمتواصل. برنامج لا يلغي المقاومة ويعتبرها عبثية ولا يمانع من الدخول في المفاوضات على أرضية الاتفاق والوحدة والدعم العربي والدولي والابتعاد عن عقلية الاستخفاف بقدرات الجماهير العربية وإبداعاتها النضالية، وتعزيز التحالف مع دول الجوار الداعمة للحق الفلسطيني والعربي دون شروط أو ضغوط أو تدخل. المصالحة قد تنجح في اقتناص عدد من الصور الرائعة للقيادات وهي تتبادل القبل على أصوات الزغاريد وزخات رصاص إبتهاجا بالمصافحة والتقبيل بين عباس وعريقات وهنية ومشعل. أما الوحدة الوطنية فهي عملية معقدة تشارك فيها القوى الحية جميعها بحيث تنجز رؤية مشتركة وبرنامج توافق للمستقبل وتوزيع للمسؤوليات وتحديد لخرائط الطرق لتحقيق الأهداف قصيرة المدى وبعيدة المدى والتي تؤدي في النهاية إلى إنجاز الهدف العام في التحرير وقيام دولة فلسطين الحرة المستقلة المتواصلة ذات السيادة التي تضم أبناءها وبناتها في ظل المساواة وسيادة القانون والتعددية واحترام حقوق الإنسان وتبادل السلطة والحفاظ على كرامة المواطنين ضمن حدودها المعترف بها.في رأينا الآن هناك أمام محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية خياران مهمان: الأول خيار نضالي وهو أن يعلن للشعب الفلسطيني الآن ما هو برنامجه لتجسيد هذا القرار على الأرض من جهة، ومن جهة أخرى عليه أن يعمل على تفعيل الطلب الذي تقدم به وزير العدل الفلسطيني علي خشان بتاريخ 21 كانون الثاني (يناير) 2009 بالتوقيع على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية معلنا إلتزام الحكومة الفلسطينية بصلاحية المحكمة وقراراتها. إلا أن المدعي العام آنذاك لويس مورينو أوكامبو، رد على الطلب الفلسطيني بتاريخ 3 نيسان (أبريل) 2012 بأنه غير قادر أن يقرر في ما إذا كانت فلسطين ‘دولة’ لديها صلاحيات الانضمام إلى نظام روما الأساسي أم لا. الآن لا يوجد سبب أمام المدعي العام الجديد السيدة فاتو بنسودة الغامبـية، وعلى السلطة تفعيل الطلب في محاولة لجرجرة مجرمي الحرب للمثول أمام العدالة. أما إذا لم يكن لديه برنامج لترجمة القرار على الأرض ولا يريد أن ينخرط في تعزيز الوحدة الوطنية على أرضية النضال فنقترح عليه الخيار الثاني وهو أن يترجل عن السرج وهو يتمتع بشيء من شعبية قد يفقدها سريعا إذا عاد للممارسات السابقة التي تعزز الوهم بوجود دولة وتعفي إسرائيل من مسؤوليات الاحتلال وتبقي الباب مفتوحا لمزيد من الاستيطان ومصادرة الأراضي وإتمام بناء الجدار وتهويد القدس وهدم البيوت وزج آلاف المناضلين في السجن ويبقى كل شيء على ما كان. فما فائدة القرار الأخير إذن إذا لم يحدث تغييرا على الأرض ويقربنا خطوة أو خطوتين من تحقيق الهدف الذي يتمتع بشبه إجماع فلسطيني وعربي ودولي؟’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية