دار العديد من النقاشات حول كتاب « تدمير وطن.. الحرب الأهلية في سوريا» للسفير والمستشرق الهولندي نيكولاوس فان دام، منتقدةً هذا العنوان، فالأمم المتحدة كانت أعلنت منذ عام ألفين وثلاثة عشر، أن ما يجري في سوريا حرب أهلية، وحينها اجتمع النظام والمعارضة على رفض هذا الطرح، ولكن الحقيقة أنه لطالما كانت السلطة في يد فئة أهلية دون غيرها، فإن أي محاولة لنزع السلطة من هذه الفئة وما يجري خلالها من اقتتال سيتم تدوينه كحرب أهلية، ثم لماذا نسمي ما جرى في لبنان منذ عام 75 من القرن الماضي حتى التسعينيات حرباً أهلية، رغم أن الاصطفافات الطائفية لم تكن في الحدة التي هي عليها اليوم، والحركة الوطنية اللبنانية كان في قيادتها الفعلية، زعماء من كل الطوائف من كمال جنبلاط إلى إلياس عطا الله، الذي كان إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 82 قائد المعركة حينها، أضف إلى ذلك أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت الصبغة القومية واليسارية تغلب على أحزابها.
وبخصوص «تدمير الوطن» فالغالبية مجمعة على أن الوطن الذي يُسمى سوريا قد تم تدميره، والكاتب لم يبخل أبداً بالإشارة إلى أن نظام الأسد مجرم وهو الذي يتحمل المسؤولية الأولى عن ذلك، ولكن رغم إشارة الباحث إلى أن النظام لم ولن يقوم بإصلاحات حقيقية، لأن ذلك سيؤدي إلى إسقاطه بالضرورة، ولكنه يصر على محاورته! وهو الذي ما عرف طوال تاريخه سوى لغة الحديد والنار والقمع والسجن، حتى بين رفاق الدرب المؤسسين أبناء الطائفة الواحدة أنفسهم، محمد عمران – صلاح جديد- حافظ الأسد.
ثم يحمل الكاتب المسؤولية للغرب على تخاذله وتشتته بخصوص الدعم، وعدم دعمه الجيش الحر من البداية ما يكفي لإسقاط الأسد.
آخر الثالوث الذي تقع عليه مسؤولية سوريا، هو المعارضة المفككة المتشرذمة، المختلفة الولاءات والتبعيات، والتي انحرف بعضها إلى التطرف نتيجة إجرام النظام، وضعف الدعم الغربي.
نيكولاوس فان دام الذي درس اللغة العربية والعلوم السياسية والاجتماعية في جامعة أمستردام، أمضى الجزء الأكبر من حياته سفيرا لبلاده في عدة بلدان عربية من المغرب إلى مصر والعراق، مروراً بلبنان وغيرها، وهو كان المبعوث الهولندي الخاص إلى سوريا بين عامي 2015، و2016، ومقره في إسطنبول، وألف سابقاً كتاباً سماه» الصراع على السلطة في سوريا: الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة»، وفي هذا الكتاب تنبأ منذ عام 95 من القرن الماضي أن النظام لن يتنازل أبداً عن السلطة، نتيجة الكم الهائل من القمع الذي ورط به العلويين، «العلويون أصبح لديهم الآن كم هائل من الأعداء، والكثير من الضغائن الدموية، فمن المستبعد أن يغامروا بالسماح بخروج السلطة من بين صفوفهم، خشية وقوع تصفية للحسابات»، طبعاً هذا الكلام عام 96، فما بالك بعد الثورة السورية التي اندلعت في مارس/آذار عام 2011، وقد أصبحت مجازر النظام في كل مدينة وكل حي.
يحرص بعض الكتاب الغربيين على إبعاد الأسد عن تهمة الطائفية، رغم أن سياق معلوماتهم، تأبى إلا أن تثبت العكس، بل حتى في كتابه «الصراع على السلطة» كان يشير إلى أن الطائفية ارتفعت حدتها، رغم عشرات السنوات من الحكم العلماني في سوريا، وهذا ما يتحمل مسؤوليته حافظ الأسد بالدرجة الأولى. «فعلى الرغم من أكثر من ثلاثين عاما من الحكم البعثي العلماني الذي يسيطر عليه أعضاء أقلية طائفية، إلا أن سوريا لا تزال في منتصف التسعينيات تبدو بشكل متناقض ومأساوي أبعد ما تكون منذ استقلالها عن التصور البعثي لمجتمع علماني يتساوى فيه العرب أجمعين، بغض النظر عن دينهم» .
والسياق التاريخي لتحالفات حافظ الأسد منذ اللجنة العسكرية حتى الآن، فالثابت هو علاقاته الطائفية التي لم تتزعزع، من العلاقة من إيران إلى العلاقة مع حركة أمل وحزب الله، بينما المتحول هو علاقة النظام بالعرب، والدول الإسلامية الأخرى وهي التي كانت دائماً بين مد وجزر. وحتى في عهد الوريث بشار.. الذي حاول عام 2005 أن يخفف وطأة الضغط الإيراني عليه، من خلال تمتين علاقاته مع الأتراك، عبر اتفاقات اقتصادية أضرت بالاقتصاد السوري والصناعة السورية، بينما كان النظام وداعموه من رجال الأعمال هم المستفيدين منها، وكانت هذه العلاقات كلها على حساب الشعب السوري، ولكنها لم تستمر، إذ انقطعت بعد الثورة، بينما بقيت علاقات النظام مع إيران، بل تجذرت، إلا أنها ليست كما كانت في عهد حافظ، علاقة الند للند، وإنما علاقة تابع ومتبوع. حتى الذين دخلوا العراق على ظهر الدبابة الأمريكية، ولطالما وصفهم النظام بالعملاء والمأجورين، تحولوا بعد الثورة السورية إلى عناصر فاعلين في محور المقاومة والممانعة!