ملاحظات حول ما يسمي الانتقال الديمقراطي في المغرب
عبد الله ساعفملاحظات حول ما يسمي الانتقال الديمقراطي في المغرب بفضل طابع النقاشات الجارية حاليا في الحقل السياسي المغربي، وحركات الفاعلين المختلفة، وتفاعلاتها المتعددة الأبعاد ما زال موضوع الانتقال الديمقراطي يحتل مكانة محورية ووازنة، يستوجب التركيز علي بعض الجوانب حوله.لقد حصلت عدة مواجهات يجب استحضارها اليوم عبر التطرق إلي المسألة المؤسساتية بكل ما تحتويه من قضايا تتعلق بالمسألة الدستورية، ومسألة الإدارات والتدابير والحكامات والسياسات العمومية والمؤسسات المركزية، الشرعية أو الموازية أو الجهوية والمحلية، إلي جانب المسألة الحقوقية، بجوانبها الأساسية من قضايا الحريات الفردية العامة، ومحاكمة الذاكرة السياسية وتطبيق مقتضيات القانون والعدالة فيما يخص سلوكيات الفاعلين خلال مراحل الاستبداد المطلق، وإنصاف الضحايا والمتضررين، بما فيهم من فاعلين قادوا نضالاتهم في مواجهة، وآخرون علي الهامش أو في الظل وشرعية ومشروعين تدبير الحقل السياسي، بالإضافة إلي مسألة توزيع السلك بالشكل الذي يقرب المغرب من المقاييس الدولية للانتقالات الديمقراطية، ومكونات الحقل السياسي بنفسها؛ الأحزاب وأداؤها وطبيعتها، الانتخابات، كيفية مرورها ومعالجتها، كيفية إدارة قضايا النخب الحاكمة، ومدي تعميم المسؤوليات، وضع صيرورات المشاركة وماهية الاندماج الوطني في المرحلة الراهنة إلخ … كل هذه القضايا لها صلة وطيدة بالانتقال الديمقراطي كتركيبة.عندما يطرح في المغرب سؤال الانتقال الديمقراطي، لا يمكن أن نجيب عنه بدون استحضار هذه الملفات، والجواب يمكن في الحركة العامة التي يمكن استقراؤها من خلال التركيبات والحركيات الشمولية المؤسساتية، أو غير المؤسساتية، مسألة تدبير الحقل السياسي ككل، أداء ومنحي حركات الفاعلين السياسيين في شموليتها. اليوم، في الفضاءات التي تطرح فيها مسألة الانتقال الديمقراطي من مراكز ومنابر وأبحاث جماعية أو فردية أصبح الميل إلي التنقيط (benchmarking) أقوي باللجوء إلي بعض المقاييس الكمية للإجابة عن أسئلة تطرح حول مدي درجة تواجد مسار ديمقراطي حقيقي في بلد معين، أو مدي تعثر المسار أو الجمود البنيوي للحياة السياسية ؟ طبعا هناك إفراط في استعمال هذه العمليات التنقيطية الفقهية الأستاذية المتعالية، التي هي استقراء مؤشرات ومعالم كمية قابلة لتأويلات مختلفة وأحيانا متناقضة. قد نجد في الاعتماد علي المقاييس الكمية نوع من الإفراط، لكن تبقي كذلك مطروحة أسئلة الدلالة والمعني والعلاقات والتفاعلات التي تعقد أكثر عملية تقييم صيرورة الانتقال الديمقراطي.إن الاطلاع علي استعمالات مفهوم الانتقال الديمقراطي في المغرب عبر أدبيات مختلف الحساسيات والتيارات، وهي أدبيات جد متنوعة ومن بينها دراسات علي مستوي عال في التحليل والتركيب، يسمح باستقراء التطورات الممكنة.إن رهانات السؤال واحترازاته، والفرضيات التي يعتمدها تضع أمامنا اختيارين واضحين : إما أن نتطرق للموضوعين بشكل تفصيلي حدا، بكل مكوناته ودقائقه، وإذ لا يمكن أن نتجنب الوقوف عند ملفات أو قضايا دون غيرها، وعليه وجب استعراض كل تفاصيل الانتقال الديمقراطي المذكورة أعلاه، وإما أن نفكر في فرضية انتقالنا في شموليتها، في حركتها العامة، في نزعتها الكلية.فيما يتعلق بالنزعة الأولي، كثيرا ما يتم الوقوف عند ملفات معزولة عن الاتجاه العام، عند نقط بعينها دون الأخذ بعين الاعتبار أبعادا أساسية أخري. وفي واقع الأمر إن الانتقال الديمقراطي سلسلة من الوقائع والسلوكات متمفصلة بعضها مع البعض. مشهد عام يحتم الربط بين عناصره المختلفة. وعند التركيز علي بعض الجوانب فقط دون جوانب أخري، نبتعد عن الواقع، بل نفقد حلقات خطه الرابط، والعكس عندما نقف فقط في مستوي الحركة الشمولية. ويكون هناك نوع من التعميم ونظره من بعيد .. إن رهانات الانتقال الديمقراطي توجد بين التفصيلي جدا والشمولي جدا، ومن الضروري استحضار كل الجوانب الدالة المعبرة التي يمكن أن تساعد علي الإجابة علي سؤاله.والسؤال المطروح هو : كيف يمكن الدمج ما بين التفاصيل والرؤية الشمولية ؟ نحن لم نعد في المراحل الأولي للانتقال الديمقراطي، ولدينا في المرحلة الحالية فاعلين سياسيين تقدموا في التجربة وفي السن وفي التفكير وفي الفعل. الصور العامة أو الجزئية الخاطفة لم تعد كافية للحكم علي نظام سياسي بأكمله وعلي جل أوضاعه الجزئية دون استحضار هذه اللمحة الشمولية المدمجة لتفاصيل منظومة السلط ومواقع الفاعلين، وتموقعاتهم، وحركاتهم، والمعاني والدلالات السياسية التي ينتجونها.هل يحق لنا ان نتحدث عن الانتقال الديمقراطي؟ أم فقط عن الخروج من استبداد معين؟فالانتقالات الديمقراطية لا يمكن بناؤها مفاهيميا وممارسة بعيدا عن واقع تعددت طرق الانتقال التي عرفها العالم المعاصر، فلا يوجد طريق واحد للانتقال الديمقراطي، إذ يتغير حسب المجتمعات المعنية، وحسب الظرفيات التاريخية، وحسب الأنماط الثقافية والحضارية إلي آخره… لكن هناك نموذجا عاما للانتقال الديمقراطي ظهرت ملامحه علي الأقل في السبعينيات في أوروبا الجنوبية، وفي أمريكا اللاتينية، وخلال ما حدث فيما بعد في أوروبا الشرقية المنتظمة سابقا داخل المعسكر الاشتراكي. تتضمن هذه الانتقالات الديمقراطية بعض الدروس من بينها : مدي تغلب عناصر الانتقال علي عناصر التخلف والجمود من خلال التجارب المعروفة؟ هل يجب أن نبرز في مفهوم الانتقال الديمقراطي فكرة التحول والتغيير؟ هل يشكل مرور من وضع معين إلي وضع مختلف تجاوزا لكل اعتبارات التقدم أو التخلف؟ وهل هذا المرور تدريجي أو راديكالي؟لعل مفهومنا للمرور مرتبط بالتجارب التي عشناها نحن المغاربة هنا خلال السبعينات وبعدها ونتائجها التي استدرجتنا أحيانا إلي منطق التدرج ولغة المرحلية وأحيانا إلي ما يعني بالراديكالية.هذا سؤال يطرح نفسه حول السهولة التي تستعمل بها تحت السماء المغربية. بعض التعابير السياسية مثل الانتقال الديمقراطي وكأنها ممارسة طبيعية، والواقع أنه علينا أن نسائل في كل لحظة كل مضامينها وجميع مستوياتها ..4 ـ يطرح كذلك السؤال حول قدرة النظام، أي نظام كان، علي إصلاح ذاته. هل يمكن لنظام معين أن يغير ذاته لمجرد أنه قرر ذلك؟ أو لأنه طلب منه ذلك؟ مهما كانت حيثيات الطلب؟ تقول النظرية بصعوبة إمكانية حدوث ذلك، إذ لم نقل باستحالته، أكانت ليبرالية أم ماركسية، أم غير ذلك… فقدرة النظام علي إصلاح نفسه بمعني إعادة بناء ذاته ليست بالسؤال الجديد: كيف يمكن للمؤسسات ولفاعلين منشغلين بإشكالية المحافظة علي الوضع ولتزكية الأوضاع الموجودة ومكونات النظام القائمة، أن تتحرك في اتجاه إعادة صياغة وبناء أوضاعها؟ هذا السؤال يطرح تجاه الدولة وتجاه مختلف للفاعلين في الحقل السياسي وتجاه مختلف مجالات النظام.ما هي قابلية النظام علي القيام بإصلاحات : عندما نقول النظام ، إننا لا نتحدث عن السلطات فقط بل عن المنظومة ككل: عن الفاعلين في الحقل السياسي، وخارج الحقل السياسي، عن المجالات والمستويات الاجتماعية والثقافية بدون أن ننسي الربط الممكن إقامته بين الإصلاحات والانتقال الديمقراطي.يمكن اعتبار الانتقال الديمقراطي بهذا المنظور مساندا للإصلاحات السياسية وغيرها. يبقي مطروحا سؤال دور ومكانة الإرادات. هل يمكن دراسة الإرادات؟ فمثلا نعرف حدود ما يسمي بقوي التغيير الراديكالية أو غيرها، كما نعرف حدود القوي التي تسمي بالقوي الإصلاحية . النتائج من ناحية التأثير علي الواقع هي إلي حد الآن غير مقنعة ومحدودة. يمكن أن نناقش حصيلات السياسات المبرمجة والمقررة، لكن علي العموم لا نستطيع أن نتجاهل أهمية البنيات التي تمر عبرها المشاريع والتي تسعي إلي القيام بإصلاحات. إن بنيات الجمود والتعبئة من فوق، تساؤلنا عن إمكانية أن يصبح مجتمعنا مجتمع مشاركة وعن كيفية خلق ثقافة مشاركة. وحتي في حالة توفر الرغبة والإرادة، نصطدم بقضايا ترتبط بالتمثلات وبالتصورات، ونتوفر في واقعنا علي نماذج كثيرة ولذلك تبقي كل الرهانات مفتوحة.5 ـ في سيناريوهات الانتقال الديمقراطي: نفترض أن قليلة هي القوي المحافظة (هل هي قوي فعلا)؟ تلك الفعاليات التي تسعي إلي أن يراوح المغرب مكانه، وعلي أن يبقي في أوضاعه القائمة، شبه خارج التاريخ. وحولنا، أينما نلفت نظرنا، نجد هذه القوي دون أهمية تذكر ، عاجزة، نظرا للغموض الذي يطبع جوهريا مفهوم الرجعية في مجتمع مثل مجتمعنا و القوي الرجعية كقوي مناهضة للتقدم. أو قوي مناهضة للتقدم الديمقراطي (من يمكن أن يكون مناهضا للتقدم في مجتمع يجمع الناس علي أنه مجتمع متخلف؟)، وبدون أن ننسي أنه في إطار رياح التغيير العالمية التي لا ترحم أي بقعة، احتمال التقهقر والارتداد والتراجع احتمال ضعيف.يظهر هذا السيناريو الأول ضعيف الاحتمال، ولا يدافع عنه بالقناعة اللازمة. في المقابل، يبرز النموذج النقيض بمعني الانتقال الديمقراطي كمرور إلي المرحلة الديمقراطية المتقدمة، المثالية، النموذجية، التي تتوفر علي دستور مؤسس ومتجذر في أعماق المجتمع وتوزيع السلط بالمعايير الديمقراطية المتداولة في المجتمعات المتقدمة سياسيا، ومؤسسات حقيقية وحركة تمأسس طبيعة وانتخابات لها دلالة وفاعلين سياسيين فعليين، وتلاؤم بين الخطابات والمشاريع والممارسات.9