ملاحظات عن المدينة في قصص جليل القيسي

حجم الخط
0

كركوكُ حاضنة ُالإبداع ومخاض التناقضاتأحمد محمّد أمينجليل القيسي معادلة ٌ صعبة ٌ في القصة العراقية. أغلب قصصه ذات طابع ذهني خالص كما لو كان يقصّها على نفسه. وتعبّرُ عن مكوّنه الشخصي، بدءاً من اولى قصة نشرها في الآداب البيروتية. وقلما نعثر فيها على واحدة ٍ ذات النبرة الواقعية. فقد تأثر بكافكا ودستويفسكي وبعض أدبيات مدرسة فرويد النفسية. وهو من الجيل الستيني، لكنّه نأى بنفسه عنه. وفي كتاباته كان متقدّماً على نظرائه، وصعباً في علاقاته، ينطوي على مزاجية خاصة. وليس له أصدقاء سوى بضعة معدودة، نعم هو من مؤسسي جماعة كركوك، الا أنه لم يتواصل معهم فكرياً واجتماعيّاً، كان لصيقاً بفاضل العزاوي وسركون بولص ومحي الدين زنكنة. أمّا الآخرون فعلاقته بهم روتينية محضة.

وقد يكون لقراءاته أثرٌ في سلوكه، انه يتحدّثُ الى سامعه من فوقانية واضحة ويغرقه بمقولات حفظها من هنا وهناك عبر قراءاته المتنوعة. لذلك أرى ان أيّ خوض في دراسة قصصه ومسرحياته يُجابه بدروب مغلقة لا تُفضي الى المُبتغى. وعلى الرغم من ذلك فقد حظي بدراسات نقدية وأكاديمية منها على سبيل المثال: – السرد في قصص جليل القيسي القصيرة ‘ رسالة ماجستير لـ’جاسم محمد جودة عام 1998.- القصة القصيرة عند جليل القيسي، دراسة نفسية وفنية عام 2000 .- عالم جليل القيسي القصصي ‘ دراسة نقدية في فنّه القصصي ‘ عام 2005. وعديدٌ من المقالات النقدية التي قوّمت نتاجَه من مناظير شتى ‘ اسلوبية وفكرية، وحداثية…. الخ وأمامي الآن كتابُ ‘ المدينة في قصص جليل القيسي ‘ قراءة سايكو سوسيو لوجية ‘ وهو رسالة الماجستير’ للباحث المبدع نوزاد أحمد أسود، تقدّم بها الى جامعة السليمانية وحظي بشهادتها بجدارة. وأظنّ أنّ ‘ نوزاد ‘ واجهتُه صعوباتٌ جمة عند اشتغاله بتهيئة هذا البحث. كون قصص القيسي ذاتية وعصيّة وملتبسة خارجَ مواصفات القصة التقليدية. فليس لديه خطٌّ بيانيّ واضح، ينتقلُ من الاُسطوري الى التأريخ، ومن الفانتازي الى السيكولوجي، ومن النبرة الذاتية التعبيرية الى الحُلم، كان خارج الاُطر والمسلمات، لذلك يصعبُ تصنيفُه في مُسمّىً. الا أنّ ‘نوزاد’ تمكّن من حصر دراسته في منحيين: المدينة ُ الحانية، والمدينة المعادية، ثمّ أهمل المنحى الثالث: المدينة الحيادية. وربّما كان موفّقاً في هذا الإختيار، فالحياد في ظني موقف شبحي بلا طائل حتى على صعيد السياسة. انه هربٌ من المسؤولية وانحياز من نوع خاص. ولئلا أبتعد عن الموضوع أقول: لقد انشغل نوزادُ من مبتدأ الكتاب حتى ص 97 بتمهيد لدراسته وساق بصدد ذلك أدلة وبراهين لتكون مدخلاً يمضي من خلاله الى منهج البحث بشقيه النفسي والإجتماعي وتضافرهما في تأسيس وبلورة مسار دراسته التي تمحورالفصلُ الأول منها حولَ المكان،.

ثمّ انتقل الى الموقف من المدينة ‘ في الفصل الثاني ‘ ببعديها المعادي والأليف.

وفي الفصل الثالث كانت كركوك هي تلك المدينة التي يتأطّرُ حولها البحثُ، وشغلت مساحة ًمن قصص جليل. وأرى انّ المرحلة اللاودّية تبدأ من صدور مجموعته الاولى حتى سبعينيات القرن الماضي، حيثُ اشتدّ الآحترابُ السياسي بين الأحزاب، وكانت مدينة كركوك مبتدأ الشرارة. ولأنّ جليلاً ظلّ في مدينته لم يغادرها، لذلك آثرَ الإنزواء والابتعاد عن فوضى التكتلات والتصفيات وموجات الإغتيالات التي طالت جميع الفئات. اذن، كان لا بدّ لجليل أن يُهمل مدينته وينساها، بل عاداها وكرهها، فما عادت كركوك ذاتَ المدينة المفتوحة على أطيافها المُتآخية كما الحال في الأربعينيات ومنتصف الخمسينيات. كان الجميع من نسيج التسامح والمحبة والعشرة الطيّبة. ففي المدرسة كنا أخوة وكذا في السوق والشارع والمحلة. أنا عشتُ مع جليل طفولتي المبكرة في’ محلة صاري كهية ‘ ففيها تعلمنا اللغة التركمانية وكذا السيريانية والأرمنية. اضافة الى لغتنا الكردية. وقبالة بيوت محلتنا في الطرف الثاني من الشارع زقاقٌ ضيّقٌ ينطوي على صفوفٌ من البيوت يقطنها الأرمن والأشوريون قبل أن تُبنى ثانوية كركوك للبنات. وغيربعيد منا بيوتٌ من الطين يسكنها العربُ، يُمدوننا بالبيض واللبن ومشتقاته. وما تأزمتْ مشكلة بين هذه الأطياف، بل أنّ جليلاً أحبّ فتاة من الجيران وهي ارمنية تسكن قبالة بيتهم وتزوّجها، وهي من أجلّ بنات المنطقة. ومن عادة ساكني زقاق الأرمن أنهم كانوا يجلسون أمام أبوابهم حين يخفّ سعيرُ القيظ الصيفي، من الرابعة عصراً حتى التاسعة اوالعاشرة مساءً. كان يروق لنا أن نجتاز ذلك الزقاق مرّةً أو مرتين لنظافته واكتظاظه بالنساء الجميلات اللائي يخلتفن كلّ الاختلاف عن امهاتنا وأخواتنا في الملبس والتصرف. وحين انفرط عُرى هذا الوئام بين الأطياف المتآخية كره القيسي مدينته ‘ كنتُ افضّل لو قلب الباحث نوزاد المعادلة وصيّرها: المدينة التي كرهها جليل، ثمّ المدينة التي ألفها في مرحلة ما بعد السبعينيات حتى وفاته ‘ المدنُ لا تكره ولا تُحبُ، فنحن نسنّ ونصوغ قوانينَها وثوابتها. وفي كلتا الحالتين كان جليل غريباً فيها، لذلك نجده في مرحلة المدينة التي تحبّه لصيقاً بالشأن اليومي والحياتي ‘ له أصدقاءٌ مفترضون ‘ كثرٌ، وحبيباتٌ، لكن في اطار أجواء قصصيّة. ويستغرقُ أحيانا في الهمّ السياسي، وقبل ذلك كتب عن القضية الفلسطينية، ومسرحية ‘ جيفارا عاد فافتحوا الأبواب ‘ نُشرت في مجلة مواقف التي كان يُصدرها أدونيس بعد انفصاله عن جماعة: مجلة شعر اللبنانية.. كان جليلُ ينتمي فكريّاً الى اليسار المعتدل المتآخي مع كل الأطراف. وبعد حوادث 1959 اصيب بصدمة حينَ تضعضع النسيج الجميلُ وانهار وتصدّع وتحوّل الى الفوضى والكره والتصفيات الجسدية. نعم، كان ثمّة َ اعلام يسجل مجاري الاُمور، لكنّه عُميَ وتسيّسَ، وبات لكلّ طرف اعلامه الخاص الذي لا يتصل بالحقيقة التي يعرفها المثقفون الحياديون مثل جليل القيسي الذي اكتظتْ قصصُه ومسرحياته، بعدئذ ٍ، بتداعيات الحياة السياسية رمزاً وايماءً. لم يُردْ أن يستفزّ أحداً، لكنه كان يُشير الى ما يفرض نفسه على الواقع. وكأني به يعيش في عالم من صنع المخيلة. وجلُّ قصص هذه المرحلة هي اُمنياتٌ وعلاقات عابرة ونساء يظهرن ويختفين. واحلام داخل أحلام. وأظنّ أنّ أثر الأخوة كرامازوف ‘ الرواية الاولى التي قرأها في حياته يوم كان في شيكاغو ‘ ظلّ لصيقاً عالقاً بثقافته. وكانت جميعُ قصصه تنطلق من ذات الإيقاع وان اخلتفت موضوعاتُها واشخاصُها. اعترفُ أنّ مُهمة الباحث المبدع نوزاد لم تكن سهلة ً أبداً، كون مدينة جليل لم تكن تلك الآهلة َ بالناس والأصدقاء والأسواق والضجيج والحياة المفتوحة على كلّ أحد فيها ‘ ان مدينته التي يتناولها البحث هي من نسج ِالحلم والاسطورة البعيدِ عن سخونة الواقع واناسيها واطيافهم العرقية والدينية والقومية. لقد استطاع نوزاد أن يفلت من هذا المطبّ وأولج بنا في الفصل الأخير الى كركوك المدينة، كركوك القصة، ثمّ كركوك مكانٌ لتنوع اثني. لكن قصصُ جليل كانت بمنأى عن الواقع، بؤراً لتنامي الأحلام وتشظيها، وناسُها لم يكونوا من نسغ الحياة الراهنة، بل أطيافٌ حُلمية استُقدِمت من قاع الأساطير ومن عبق وغبار التواريخ. ملخص القول، كان الباحثُ نوزاد مهيمناً على عمله الابداعي هذا، ومنحنا بوضوح وسلاسة بانوراما المدينة عند جليل القيسي، وبصدقية علمية كرّس لعمله مصادر كثيرة يحتاج العثورُ والرجوع اليها الى جهد فوق طاقة الباحث العادي. هذا عمل ابداعي رصين يُضاف الى سلسلة الأعمال التي تناولت قصص جليل القيسي الذي قلت عنه في مبتدأ كلامي: انه معادلة صعبة في القصة العراقية، فليست كتاباته سهلة ومفتوحة لكلّ أحد.

هذه ملاحظات سريعة لا ترقى الى النقد العلمي الأكاديمي. وكتابُ نوزاد يستحق دراسات أوفى وأوسع وأعمق، كونه اشتغل بصدق وبذل مجهوداً يفوق مديات الدرس العادي. اسم الكتاب ‘ المدينة في قصص جليل القيسيقراءة سايكو سوسيولوجية’المؤلف: نوزاد أحمد أسودتموز’ للطباعة والنشر والتوزيع ‘ دمشق 2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية