سليم البيككأنه عيد أممي، يجتمع فيه اليساريون من جميع أنحاء العالم. الرايات الحمراء تكاد تتشابك في قبة قماشية لتلك المساحة الواسعة في إحدى ضواحي باريس. المهرجان تاريخي وعالمي بامتياز، لعله الوحيد الذي يجمع كل هؤلاء في تظاهرة واحدة تمتد لأربعة أيام. مهرجان الإنسانية أو ‘فيت دو لومانيتيه’ الذي يقيمه الحزب الشيوعي الفرنسي وجريدته ‘لومانيتيه’، والمنعقد سنوياً، خلا من أي تنظيم سياسي يساري فلسطيني.من بين ‘الستاندات’ والرايات، لم يكن هنالك أي وجود لتنظيمات فلسطينية، في الوقت الذي وجد فيه العديد من الأحزاب العربية، وكذلك مؤسسات فرنسية تضامنية مع قضيتنا. رغم ذلك، كانت الكوفية الفلسطينية هي الحاضر الأبرز – إلى جانب صور تشي غيفارا- في شوارع المهرجان وعلى أكتف الكثير من المشاركين والزوار. صحيح أن فلسطين لم تحضر بأحزابها الغارقة في أزماتها، إلا أنها حضرت بصيغة أصدق تمثيلاً لقضيتنا، بصيغة أظهرتها العديد من الجهات المشاركة، هي الكوفية.كان ذلك انطباع اليوم الأول للمهرجان، في الأيام الثلاثة التالية زاد انتشار الكوفية، ‘ستاندات’ عدة تبيعها، صارت الكوفية الفلسطينية البيضاء المرقطة بالأسود فعلاً من بين الرموز الأكثر بروزاً في المهرجان الفرنسي الأممي، فقد تعدت فلسطين وقضيتها لترمز، إضافة لذلك، لما يمكن اختصاره بكلمة واحدة هي اسم المهرجان: الإنسانية. أُعجبتُ لشعور أن قضيتنا رغم ممارسات السلطة التنازلية وطنياً وأخلاقياً وسياسياً وتنسيقاتها الأمنية مع الاحتلال والتحاقها الاقتصادي به، لم تخسر متضامنيها في العالم، لم تخسر وعي العالم لمقاومة شعبها من أجل العودة والحرية والتحرير. إلا أن إعجابي هذا تنغّص لشعور كم أن في فلسطين مدافعين فاشلين عنها، تنظيمات إسلامية ويسارية.إضافة لكونه سياسيا، فالمهرجان ثقافي بامتياز، مزدحم بالحفلات والأمسيات الموسيقية من جميع أنحاء العالم والتي تتوزع على شوارع المهرجان، وبالندوات الفكرية والسياسية والتثقيفية للقضايا التحررية في العالم، وبالأكلات الشعبية في كل ‘ستاند’ وروائحها المختلطة ببعضها، وبالمكتبات الضخمة بمشاركة دور نشر يسارية فرنسية والصغيرة حيث تبيع ‘الستاندات’ كتباً للتعريف بقضاياها، إضافة إلى المنشورات المجانية وكذلك الصحف والمجلات اليسارية من العالم والموجودة في جميع أرجاء المهرجان. هناك افتقدتُ لـ ‘ستاند’ فلسطيني يقدم ثقافتنا من مخيماتنا وبلدنا، نعم كان هنالك مؤسسات تضامنية تقدم المعرفة والثقافة فيما يخص بلدنا، وفيها فلسطينيون. لكن أن تشارك مؤسسة أو حزب يساري فلسطيني (بغض النظر عن رأيي في هذه الأحزاب) فالأمر مختلف. صحيح أن فلسطين تواجدت في المهرجان، لكن ليس عبر أهلها القادمين من المخيمات والبلد ليحكوا في ندوات عن القضية من صلبها، بل عبر متضامنين وفلسطينيين يعيشون في فرنسا، والأمر ليس سواء (وكذلك فيما يخص أكلاتنا الشعبية ليس الأمر سواء).هذه فقط ملاحظة لأحكي أن قضيتنا متواجدة في إحدى التظاهرات الأهم التي لا بد أن تتواجد بها، لكن ليس من خلالنا، العلم الفلسطيني مرفوع في أكثر من ‘ستاند’ لأحزاب ومؤسسات عربية وعالمية. لا أعرف إن كان ذلك من حسن حظناً أم سوئه، لحسنه أن أحزابنا اليسارية لا تشارك ‘فتفضحنا’، أم لسوئه كوننا لا نشارك بشكل مباشر في مهرجان بهذه الأهمية ثقافياً وسياسياً. لم أستطع أن أحدد موقفاً إلا أني تذكرت حينها العبارة الشهيرة لغسان كنفاني: ‘إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغيّر المدافعين لا أن نغيّر القضية’.twitter: @saleemalbeik