‘ملاك متردّد’ للشاعرة رنا زيد.

حجم الخط
0

هيثم حسين تتبدّى الشاعرة الفلسطينيّة رنا زيد مسكونة برعب القادم في مجموعتها ‘ملاك متردّد’، ‘الدار العربيّة للعلوم ناشرون’، تبرز قصائدها أصداء وتصاديات للوقائع التي تنعكس بطريقة شاعريّة على الذات، حيث علاقة الأنا بالعالم الخارجيّ بين شدّ وجذب. تمزج الحلم بالواقع، ليكون لها حلمها الشعريّ الذي قد يحاكي الواقعيّ قسوة وإيلاماً، وقد يكون استهلالها ذا دلالة بيّنة، وهي تكتب: ‘في الحلم، قتلت القاتل مراراً، ولم يمتْ’. القتل المتكرّر في عالم الحلم، صدى للقتل المتعاظم في واقع لا يرحم، الدم نازف واقعيّاً، فيما الحبر نازف في الحلم وقصائدها الحالمة بتبديد القتل عبر قتل القاتل مراراً، بغية تحجيمه وإلغاء مفاعيله الفجائعيّة. الملاك المتردّد لديها يظلّ شخصيّتها الشعريّة الأثيرة، شخصيّة متحوّلة، مرتحلة بين طيّات النفس والزمن، تسبر أغوار أناها بحثاً عن المنشود، ملاكها المتردّد يظهر مفعماً بالوحوش المتلوّنة المتغيّرة، ملاك يستبطن الوحوش، يصدّرها، يحاول ترويضها، يداعبها، يهدّئها، يعقلنها، يؤنسنها، يضفي عليها ملائكيّته في محاولة منه لتخليص تلك الوحوش من توحّشها..- قصائد محفوفة بالوحوش:

لا تكاد قصيدة من مجموعتها تخلو من استحضار للوحش بطريقة أو أخرى، نجد الوحش المتربّص في قصيدتها الأولى وحتّى الأخيرة يسكن كلماتها ومشاعرها، في القصيدة الأولى ‘قنّاص’ تتبع الوحش إلى بئر عميقة، في محاولتها تحقيق أحلامها، كأنّ السبيل للقضاء على الوحش هو اتّباعه، وتفهّمه، ثمّ التماهي معه للقضاء عليه، تقول: ‘إن لم أمت، فمن سأكون؟/ راقصة باليه،/ رمت في البئر قلبها،/ كإناء حديديّ،/ ثمّ أخرجته متشقّقاً،/ سحبها الوحش إلى البئر،/ صارت مثله وحشاً’. ص11- 12. ثمّ تعنون قصيدة تالية بـ’كنت وحشاً’، وصيغة الماضي تتمتّع باستمراريّة وامتداديّة، لتختصر الأزمنة الماضية والراهنة والمستقبليّة، تقرن وحشيّتها السالفة بالهناءة المواكبة، وهي تخفّف من غلواء الوحش وجنونه: ‘ذهبت/ قفزتُ فوق أعشاب النهر/ مشيت على السطح الأملس/ كنتُ وحشاً هانئاً’. ص 14. ثمّ في قصيدتها التالية ‘لكنّي لم أمتْ بعدُ’، يكون هناك مزج بين الوحدة والوحشة والوحش، والوحش الرابض معها يحزن، يواسي، يهدّد، يتوعّد: ‘وحدتي تفتح باب الآخرين بمخالبها/ تعود إليّ كالهرّة الشاحبة/ وعيناها مبهمتان من الوحش على يدي/ سأصبّ الماء المثلج على صُراخها/ سيحزن الوحش أكثر/ وشفتاها مطبقتان’. ص 15. ويتحلّى وحشها بطبائع الشعراء من حيث الفوضويّة، يخالف مواعيده: ‘كما في فيلم لبريغمان،/ أنتظر وحشي الفوضويّ في المواعيد/ ساعتي معطوبة/ وهو تأخّر كثيراً…’. ص16. ثمّ يغتالها وحشها في لحظة جنون، لكنّها تراقب اغتيالها بعين الصقر، وعدسة القصيدة، والوحش يغرز السكاكين في أحشائها، وذلك في قصيدتها: ‘السرعة تريدني أن أنسى’: ‘… ثبّت الوحش بسرعة سكّيناً في أحشائي/ لا أصدّق أنّي ميتة..’. ص17. ويشاركها التآلف مع الوحش كلّ ما يمتّ إليها بأيّة صلة، من قريب أو بعيد، ومن ذلك السرعة التي تتحوّل بدورها إلى كائن شبحيّ مراوغ، تقول: ‘سرعتي تريدني أن أنسى/ شيئاً لا أعرفه/ كالمجنونة تركض بوحشي التعِب/ لأنساه…’. ص 18. تكشف في القصائد نواياها ونوايا وحشها المبيّتة، تعترف بمعرفتها بنفسها ووحشها، تلاعب وحشها في لحظات السأم، تروّضه، تقتصّ منه بتحجيمه: ‘أعرف الآن أنّني الأبطأ في الحبّ/ ألعب مع وحشي بخيوط الموت/ أعطيه خبزي كلّه/ يأكله كأرنب خائفٍ من ماضٍ يلحقه/ تاركاً وراءه البطء على الطريق’. ص 18. ولا تني تذكّر أنّها كانت الوحش نفسه، مع الاحتفاظ بصيغة الاستمراريّة في فعل الكون نفسه، من ذلك في قصيدتها ‘ملاك متردّد’: ‘كنت وحشاً/ مثلما حلموا بي/ لا أصابع في يديه/ ليداعب بطأهم في الرغبات/ ليجلس على الطاولة الفائضة بالخطوات نحوه’. ص 20. ولا يتخلّى عنها وحشها، ولا يزايلها في أحرج المفارق والدقائق، يلتصق بالروح، ويجتاح الكينونة ليسمها تارة ويصمها تارة أخرى، في قصيدتها ‘يحبّني قليلاً’ تكتب: ‘تقول لي ما لا يعاد في أيّ عمرٍ: هكذا عنوة وأنا في داخلك/ هل ستخرجين وحشك/ مع الياسمين المتيبّس في يديه؟’. ص21. ويتناوب العاشق المستحضر معها على استحضار الوحش للتعرّف إليه ومن ثمّ إمكانيّة حبّه: ‘فاكشفي قلب وحشك في هذا الليل/ لأحبّه قليلاً’. ص 22. وكأنّي بها تكاد تفقد الثقة بنفسها الشاعرة ووحشها المجالد الذي لا يفارقها كأنّه ظلّ أساها وفرحها معاً، وكأنّها تيْئَس من ترويضه، فتقرّر الاتّفاق معه ومهادنته، من ذلك في قصيدتها: ‘هل تكون ظلّي’: ‘سأتّفق مع وحشي/ دعنا نخدعهم قليلاً/ مَن يعتقدون/ أنّني لست إلا ظلا هزيلاً/ يأكل العتمة’… ص 27. ثمّ تكون التفاصيل الغريبة، ويكون الوحش متحوّلاً بين الصور، من صورة إلى أخرى، يحتلّ الحيوزات، ويفترش الأرواح والأجساد، تقرّر حبّه، لأنّه بات قطعة منها، كما في ‘يرتاح على جلدي كحلزون’: ‘سأحبّه كما أنا/ بالخيوط الناتئة من ثيابي الرخيصة/ وبوحشي النائم على عظام صدري..’. ص 29. وتصرّح بحاجتها إلى العناصر التي تساعدها في التقرّب منه وتأطيره بالرسم: ‘هكذا بلا طين/ أحتاج قليلاً من الأبد والزهر/ لأرسم وجه وحشي/ حتّى لا أخافه’.. ص29. – ثنائيّات الوحش والملاك:

في الحبّ والكره يظلّ معها، ينتحل الصفاتٍ المتباينة، تحقد عليه فتتركه للنزف، أو تحبّه فتقدّسه، في قصيدتها ‘أكره الحبّ في العتمة’، يلحظ القارئ مواقف غريبة من الوحش: ‘بأجنحة خضْر أنزل عن غيمة/ أعود بشراً عاديّاً/ ليس قبل أن أترك وحشي للنزف/ ببقع سود تحت عينيه/ ومخالب الباعة’.. ص 41. ثمّ ونراها تكره أولئك الذين ‘يكرهون الوحوش’: ‘لا أعلم كم من الوقت عليّ أن أكون طيّبة/ لأنّهم يكرهون الوحوش..’. ص61. ترتضي مسايرته، حين تعلن في قصيدة لها بعنوان: ‘أمثّل مع الوحش دوراً ما’، أنّها بصدد مخاطبة الوحش وتحدّيه، تصرخ في وجهه مطالبة بالكشف عن هويّته وماهيّته: ‘يا أيّها الوحش داخلي/ انهض/ لا تلتهمْ كلّ العالم السفليّ للأشياء/ هل أنت هم/ أم أنّك حقّاً من أناي؟’ ص46. ثمّ لا تلبث أن تعود لمراضاته، في قصيدة تالية: ‘لا وطن لي’: ‘أقبّله/ كأنّني حقّاً لست وحشاً’، ثمّ في ‘بلا أصدقاء’ تكشف عن تماهيها اللامحدود معه، وغربتها ونفيها: ‘كنتُ وحشاً بلا أصدقاء..’. ص53. ولأنّ الأمر يغدو مألوفاً، وتبدو مع الوحش ثنائيّاً شعريّاً، تعلن في ‘أفكار بسيطة’ عن سعادتها بالوقوف إلى جانب الوحش الذي يتحوّل إلى حامٍ، كأنّها تومئ إلى علاقة الحسناء والوحش، في ثنائيّة جدليّة شعريّة: ‘ماذا لو تربّصت يدي على يده قليلاً/ ثمّ تمشّيت على الدرج/ كملاك مرتعش/ هذه أنا في معظم الأمر/ بأفكاري البسيطة/ أقف مع وحشي السعيد سعيدة..’. ص57. لا تقف على الحياد، ولا تقف بمنأى عن تأثيرات الوحش والاشتياق الخطر إليه، في قصيدتها ‘أحبّي بلا صوتٍ’، تصرّح للحبيب المتوجّس بطبيعتها الوحشيّة، وانسكانها بتلك الطبيعة الغرائبيّة: ‘لا أفعل/ أصرخ/ جسدك خبزي/ أنا الجائعة/ لست وحدي/ دعني أطعم وحشي أيضاً’. ص66. ثمّ تعزو في قصيدة لاحقة الأمر إلى الجهل بها، وذلك في قصيدتها ‘أنا فريسة الجهل بي’، التي تكشف الأقنعة، وتختار البوح بهويّة الوحش وهويّتها: ‘أنا الوحش ذاته/ أحبّ شخصاً واحداً/ وأحبّني شخص واحد/ أعيش الخلود/ يداي لن تبردا/ أنا فقط فريسة الجهل بي’. ص74. ووحشها المتناسل من وحشتها واستيحاشها نابع من الغياب، من النفي، من القتل والقهر، يكون الشعر أداتها ومرسالها، من دون المناجَى الغائب تتحوّل إلى وحشٍ ينتحل شخصيّات متعدّدة مختلفة، كما في قصيدتها الختاميّة ‘كنت أقول: لن أراه’ التي تنهي رسالة الملاك المتردّد، الذي هو إنسان متسامٍ أو شيطانٌ ‘مطهّر’: أحبّ ما يعلق من رائحته/ أفتح عيوني للصباح معه/ كأنّه آخر صباح/ أنا مَن كنت وحشاً دونه. ص 79. ولربّما تكون شخصيّتها الشعريّة ملاكا متردّدا ووحشا متعدّدا متمدّدا في الزمان والمكان..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية