«ملالا» قربان… الحقد والمجد

بعبارة احترازية تختم ملالا يوسفزاي كتابها «أنا ملالا» حيث تقول «أنا ملالا. تغير عالمي ولكنِّني لم أتغير». في إشارة إلى الشهرة العالمية التي اكتسبتها تلك الطفلة الصغيرة من مواجهتها الشجاعة لمقاتلي حركة طالبان، ونضالها المستميت دفاعا عن حق التعليم. حيث تزدحم رفوف غرفة معيشتها في برمنجهام بالشهادات والتذكارات من جميع أنحاء العالم ومن مختلف المنظمات الدولية. إلا أن الفتاة التي لم تكمل عقدها الثاني تعي بأن كل ذلك المجد بحاجة إلى استيعاب، فهي لا تريد أن يراها الناس، حسب قولها «الفتاة التي أطلق عليها الطالبان النار»، بل «الفتاة التي ناضلت من أجل حق التعليم».
وفي واقع الأمر لا يبدو الكتاب كله مكتوبا بوعيها، أو من عندياتها. إذ من الواضح أن مراسلة صحيفة «صنداي تايمز» كريستينا لامب هي التي صاغت الكتاب ودبرت تفاصيله. فالكتاب مزدحم بتاريخ باكستان السياسي، وتنوعاته الحزبية، بالإضافة إلى تحليلات عقائدية لا يمكن لوعي طفلة أن يقاربها. الأمر الذي بدا على درجة من الوضوح في حدة المساءلة للإسلام السياسي، والتشريح الدقيق للنزعة البنلادنية، والخوض في السياسة الدولية، والدراية الواسعة بجغرافيا وتضاريس المكان، علاوة على الجرعة الإستشراقية المتعلقة بالمرأة وواقعها.
ومن الواضح أن والدها ضياء الدين يوسفزاي، الذي تحدى طالبان بافتتاح مدرسته الخاصة وجابههم بكل شجاعة، هو الذي أسهم في سرد الوقائع وتوثيق الحوادث وضبط الأسماء، باعتباره على درجة من التماس مع كل تلك المتوالية من الصراعات. وهو أمر تقره ملالا نفسها. إذ تعتبره هو المناضل الحقيقي وليس هي. لدرجة أن الناس يحمّلونه مسؤولية تعرضها لإطلاق النار، فهو الذي دفعها للجهر برأيها، حيث انقلبت الصورة بعد شهرتها، وصار الناس يستمعون إليه في المؤتمرات بسببها بعد أن كانوا يجرون معها اللقاءات الإعلامية باعتبارها ابنته. فعندما ذهب إلى فرنسا ليتسلم جائزة بالنيابة عنها قال للحضور «في ذلك الجزء من العالم الذي جئت منه يُكنَّى معظم الناس بأسماء أبنائهم. أما أنا فإني من بين القلة المحظوظة من الآباء الذين يكنون بأسماء بناتهم».
الكتاب صادر قبل فوزها بجائزة نوبل للسلام لهذا العام 2014، إلا أنه يأتي في سياق تأهيلها لهذا الفوز، بل أن كل ما مرت به من أحداث لم يكن من قبيل المصادفة قبل أن تتعرض لإطلاق النار يوم الثلاثاء 9 اكتوبر/تشرين الاول 2012. إنما كانت هناك حاجة دولية لأيقونة من وادي سوات لمحاربة الظلاميين بها. فقد اختارها عبدالحي كاكار، مراسل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) صديق والدها، لكتابة يوميات حول الحياة في ظلّ سلطة فضل الله. وهكذا بدأت في الكتابة مطلع عام 2009 باسم مستعار (جول مكاي). وهو اسم بطلة في إحدى قصص التراث الشعبي لدى البشتون. حيث كان كاكار يوجهها، حسب منطوقها، لاستخدام (العبارات اللاذعة) لتوصيف إرهاب طالبان، حتى أتقنت ما يريد أن يوصله للعالم.
في مدونتها كتبت عن الزي المدرسي، وعن البرقع، وعن كل ما يتعلق بالحياة البائسة في تلك البقعة الخاضعة لسلطة طالبان، حتى أصبحت المدونة على درجة من الشهرة والتأثير. الأمر الذي شجع هيئة الإذاعة البريطانية على انتاج تسجيلات صوتية منها بصوت فتاة أخرى. في الوقت الذي كانت فيه معظم العائلات تتراجع عن فكرة التعليم وتفر من سوات، خوفا من طالبان الذين حدّدوا تاريخا لإنهاء تعليم الفتيات. وفيما كان والدها يشارك في فيلم وثائقي لموقع صحيفة «نيويورك تايمز»، يتتبع اليوم الأخير لمدرسته، دخلت ملالا على الخط، وشاركت هي الأخرى في الفيلم. ومنذ ذلك الوقت صارت محط أنظار الإعلام باعتبارها أيقونة الرفض لفكرة إغلاق المدارس.
وكما يحلو للإعلام دائما تم التركيز على كل ما يتعلق ببيت ملالا، ملابسها، مزاجها، مع التركيز على عبارات ومشاهد ذات مغزى، حيث ألقت النظرة الأخيرة على مدرستها كخاتمة حزينة للفيلم الوثائقي. وقد أجهشت بالبكاء عندما سألها عما ستفعله إذا جاء اليوم الذي لا يمكنها فيه العودة إلى مدرستها وواديها، وهي تتمتم بغضب «هذا لن يحدث.. لا يمكنهم منعي. سوف أتعلم. أكان ذلك في البيت أم المدرسة أم في مكان آخر. هذا هو مطلبنا من العالم – أن ينقذ مدارسنا وأن ينقذ بلادنا باكستان وأن ينقذ وادينا سوات».
عند ذلك المفصل تأسست أسطورة ملالا، ولم يبق إلا أن تتعرض لحدث صاخب لتتعبأ صورتها أمام العالم. وهذا هو ما حدث بالفعل. فبقدر ما صارت الوجه الإعلامي المفضل لفضح ممارسات طالبان، صارت هدفا لهم. وقد قرروا بالفعل إنهاء وجودها. وكأن الأقدار قد أنضجتها على إيقاع الشهرة والحقد والمجد والانتقام والنضال والتضحية. فكل تلك القوى كانت تريد قربانا لمعتقداتها، سواء المؤيدة أو الرافضة. والدها والمنظمات الدولية وطالبان بالطبع. وهكذا باغتها في حافلة المدرسة رجل يرتدي غطاء رأس باهت اللون، ويغطي أنفه وفمه بمنديل كما لو كان مصابا بالبرد، ظنته تارة صحافيا جاء لمقابلتها، وتارة طالبا جامعيا، إلا أن سؤاله للطالبات من فيكن ملالا، أصابها بالرعب. وبمجرد أن توجهت الأنظار إليها اندفعت ثلاث رصاصات ناحيتها فاخترقت إحداها محجر عينها اليسرى وخرجت من تحت كتفها الأيسر.
ومن مستشفى سوات المركزي إلى بيشاور، إلى روالبندي، ثم إلى مستشفى الملكة اليزابيث في بيرمنغهام، حيث أفاقت بعد أسبوع من إصابتها، وبعد سلسلة من العمليات الجراحية. وسط دعاء الأهل والأحبة، وأشولة تحتوي على ثمانية آلاف بطاقة من جميع أنحاء العالم، وعروض بالتبني والزواج، فيما كانت تنتظر وصول أهلها جميعا. وحملات دولية، حيث أصدر جون براون المبعوث الخاص للأمم المتحدة للتعليم ورئيس وزراء بريطانيا السابق عريضة تحت شعار (أنا ملالا) يطالب بألاّ يُحرم طفل من المدرسة بحلول عام 2015. كما أعلنت الأمم المتحدة أن ستخصص يوم العاشر من نوفمبر (يوم ملالا).
لم يكن أحد يتصور أنها ستنجو. وإن بقيت على قيد الحياة فستكون معطوبة جسديا أو مشوهة في أحسن الأحوال، إلا أنها نجت واستقرت هي وعائلتها في بريطانيا. وفي عيد ميلادها السادس عشر وصلت إلى نيويورك لإلقاء خطاب في القاعة التي تحدّث فيها زعماء العالم. يومها ارتدت شالا من شالات بنازير بوتو ، التي تكن لها ولوالدها الكثير من الإحترام، مقارنة باحتقارها للعسكر أمثال ضياء الحق وبرويز مشرف. وعلى تلك المنصة تكلمت بنبرة المنتصر، لكأنها تقدم خطاب انتصار العالم المتحضر على الجهل «دعونا نحمل كتبنا وأقلامنا. فهذه هي أمضى أسلحتنا. طفل واحد، ومعلم واحد، وكتاب واحد، وقلم واحد، يمكنهم أن يغيروا العالم».
هذه هي بعض فصول حكاية ملالا، التي نشأت في بلد تأسس في منتصف الليل، كما تصفه. في يوم حزين لدى معظم البشتون. أي يوم ولادة أنثى. وقد سماها والدها بهذا الإسم تيمنا باسم البطلة الأفغانية ملالاي مايواند، التي قاومت الجيش البريطاني في واحدة من كبريات معارك الحرب الأنكلو أفغانية. كما تشرح كل تلك التفاصيل في كتابها الصادر عن المركز الثقافي العربي، بترجمة أنور الشامي.
وعلى الرغم من اعتزازها بانتمائها البشتوني الذي تعدد مآثره في كل مفصل من مفاصل الكتاب، إلا أنها ترى أحيانا أن التقاليد البشتونية هي السبب في بعض الأوضاع السلبية التي تعانيها المرأة على وجه الخصوص. ولا تتردد في انتقاد جملة من المظاهر الشائهة، بل تبالغ في التعريض بها. وربما كانت تلك الثقافة التي تستدعيها هي الأقرب إلى روح هذه الفتاة العنيدة المقدودة من الحجر البشتوني الذي لا يصدأ في الماء.

كاتب سعودي

محمد العباس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية