اتفاق اوسلو أدخل الحركة الوطنية الفلسطينية في منعطف خطير.. من دون ان تحقق اهدافها باقامة الدولةانتفاضة الأقصي كشفت النقاب عن الخلل الكامن في الادارة الفلسطينية للصراع وارتجالية القرارات
علاء فوزي أبو طه مشروع التسوية واتفاق إعلان المبادئ وما تلاه من اتفاقيات، مثل نقلة نوعية في طبيعة وشكل النظام السياسي الفلسطيني، والذي اعتبرت منظمة التحرير ممثلة ذلك النظام منذ إنشائها 1964 وتم التعامل معها كتجسيد للكيانية السياسية الفلسطينية، من حيث وجود قيادات ومؤسسات: رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واللجنة التنفيذية، والمجلس المركزي، والمجلس الوطني الفلسطيني، والقضاء الثوري، ومؤسسات أخري أهمها القوات المسلحة. وقد حدد الميثاق القومي أولاً، ثم الوطني، الاستراتيجية والهدف، فكانت بدايةً استراتيجية الكفاح المسلح، ثم بالتدريج من خلال صياغات تحويرية تم الانتقال من الكفاح المسلح إلي العمل السياسي، هذا التحول في الاستراتيجية كان نتيجة استعداد لتحويل الأهداف من تحرير كل فلسطين إلي القبول بالدولة علي أساس الشرعية الدولية، ومع أوسلو تم الانتقال إلي الشرعية التفاوضية وتأسيس الكيان من خلالها.
كان النظام السياسي الفلسطيني منذ بداياته نظام حركة تحرر وطني، تناضل من خارج أراضيها، وهو ما جعل المحددات الخارجية تلعب دوراً كبيراً في قيام النظام السياسي ـ منظمة التحرير ـ، ثم التأثير والتدخل في رسم سياساته وحركاته السياسية لاحقاً.
هكذا منذ البداية لم يكن النظام السياسي الفلسطيني هو الفاعل الوحيد في رسم إطار الصراع وتحديد أهدافه وأبعاده بل كان طرفاً ضمن أطراف متعددة عربية ودولية، وزاد الدخول في تسوية غامضة من تكريس أزمة سياسية فلسطينية. ثوابت النظام السياسي الفلسطينيويبدو أن الثوابت التي حافظ عليها النظام السياسي الفلسطيني، هي اقل بكثير من المتغيرات التي طرأت عليه، فنظرا لمحدودية الإمكانيات الفلسطينية: العسكرية والاقتصادية والديموغرافية (الشتات والاحتلال)، استمرت التدخلات الخارجية في لعب الدور الرئيسي في توجيه النظام السياسي الفلسطيني عن أهدافه واستراتيجية، فقد أصبحت القوي المؤثرة قوي غير صديقة أو معادية أو صديقة غير مؤثرة أو محايدة، فالمعسكر الاشتراكي قد انهار، وكذا النظام الإقليمي العربي، وحركة التحرر العالمية وليس واقع العالم الإسلامي بأفضل حال، والحركة الثورية الفلسطينية نفسها وبالرغم من تشتتها بعد الخروج من لبنان صيف 1982، كانت تشكل حالة إزعاج للولايات المتحدة وإسرائيل ولدول عربية ولكنها بعد أوسلو دخلت قفص التسوية، وتحول الثوار إلي موظفين أو رجال امن دون مهمة محددة، كذلك ظهرت قوي سياسية جديدة علي الساحة، وحاولت أن تنقذ المشروع الوطني الفلسطيني علي أسس جديدة، مثل الجماعات الإسلامية في فلسطين والمد الأصولي خارجها، إلا أن اتفاقية أوسلو وتوابعها لم تفسح مجالا ًلهذه القوي لتكون جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني، وهذه القوي أساسا قبل أوسلو لم تكن راغبة في الانضواء في النظام السياسي الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية، وفي النهاية أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وأوروبا وإسرائيل هي الأطراف المؤثرة في الصراع وهذا ما ظهر جلياً منذ مؤتمر مدريد للسلام 1991 حتي كتابة هذه السطور. وهكذا استمر مشروع التسوية بوضع شروط محددة وصلاحيات محددة علي شكل النظام السياسي الفلسطيني، والذي تمثل في إدارة الحكم الذاتي والسلطة الوطنية الفلسطينية، حتي برزت إشكالية العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وما بين السلطة الفلسطينية الناشئة من خلال نصوص اتفاق أوسلو، والاتفاقيات التي تلتها والتي حددت الضوابط والصلاحيات القانونية والأمنية والاقتصادية والسياسية لسلطة الحكم الذاتي، فالسؤال كيف تدبر الفلسطينيون أمور نظامهم السياسي في ظل وجود شبه ازدواجية وغموض في العلاقة بين الأجهزة المختلفة لمكوناته ـ بمعني آخر ما هي العلاقة بين مؤسسات المنظمة والسلطة الفلسطينية؟
وفقا لهذا الأساس فان النظرة القانونية للأسس التي تنطلق منها صلاحيات هذه المؤسسات، توضح طبيعة العلاقة المتعارف عليها بينهما، بالنسبة للمنظمة هي تركز علي المواثيق: 1- الميثاق الوطني الفلسطيني.2- النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. 3- اللائحة الداخلية للمجلس المركزي الفلسطيني.4- اللائحة الداخلية للمجلس الوطني الفلسطيني.5- وثيقة الاستقلال شباط (فبراير) 1988. 6- قرار اختيار رئيس دولة فلسطين. أما بالنسبة للسلطة الوطنية الفلسطينية فنجد مصادر نظامها في: 1- قرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير بإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1993. 2-اتفاق إعلان المبادئ بين حكومة إسرائيل وفريق منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، لإقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية وانتخاب المجلس الفلسطيني في قطاع غزة والضفة بما فيها القدس.3-رسائل الاعتراف بين إسرائيل ومنظمة التحرير.4-اتفاقية غزة- أريحا في ايار (مايو) 1994 ونقل الصلاحيات المبكرة في آب (أغسطس) 1994 ونقل المزيد من الصلاحيات في عام 1995.5-الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي المؤقت حول الضفة الغربية وقطاع غزة في ايلول (سبتمبر) 1995. 6-الواقع العملي أو الأعراف القانونية.
فبالنسبة لمنظمة التحرير فإن الميثاق الوطني الفلسطيني نص في المادة (25) علي أنه تحقيقاً للأهداف الواردة في الميثاق، تنشأ منظمة التحرير الفلسطينية التي وفقاً للمادة (26) من الميثاق تعتبر ممثلة لقوي الثورة الفلسطينية ومسؤولة عن حركة الشعب العربي الفلسطيني، وقد أحالت المادة (32) من الميثاق الوطني إلي النظام الأساسي لمنظمة التحرير لتحديد كيفية تشكيل هيئات المنظمة ومؤسساتها واختصاصاتها، ووفقاً للنظام الأساسي للمنظمة يعتبر المجلس الوطني الفلسطيني هو السلطة العليا لمنظمة التحرير (كما جاء في المادة السابعة من النظام الأساسي)، فالمجلس الوطني هو صاحب الاختصاص بوضع سياساتها ومخططاتها وبرامجها وآلية تنفيذها.
وقد اكتسبت المنظمة بهذا الوضع اعترافاً عربياً (خاصة منذ مؤتمر القمة في الجزائر 1973، والرباط عام 1974، وعلي المستوي الدولي حيث كان اعتراف العديد من الدول الاشتراكية ودول عدم الانحياز ودول إفريقية وإسلامية، وكذلك الأمم المتحدة قبلت الصفة التمثيلية للمنظمة). من قواعد النظام القانوني الفلسطيني التي تعد مصدراً للأحكام التي تحدد طبيعة العلاقة بين منظمة التحرير والكيان الفلسطيني الذي ولد باتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير (السلطة الفلسطينية)، هي القرارات الصادرة عن المجلس الوطني الفلسطيني ومجلسه المركزي باعتبار المجلس الوطني المعبر عن الفلسطينيين في أماكن وجودهم المتعددة في العالم، ومن قرارات المجلس علي الخصوص تلك التي تبني بموجبها مشروع الدولة الديمقراطية الفلسطينية، وإقامتها علي كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها، التي كانت بدايتها القرار الصادر في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني والذي أكد قراره بإعلان الاستقلال عام 1988 حيث عبر فيه المجلس عن إيمانه بتسوية المشاكل الدولية الإقليمية بالطرق السلمية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. وتمشياً مع إعلان الاستقلال كان قرار المجلس في 30/3/1989 باختيار رئيس دولة فلسطين. وتعتبر قرارات المجلس الوطني تلك وغيرها أساس الدخول في عملية سلام الشرق الأوسط، التي بدأت منذ مدريد 1991، وتتابعت بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ عام 1993، وتلاها توقيع الاتفاقية المرحلية الدولية بين حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير عن الشعب الفلسطيني في واشنطن 1995، وفي أثناء عملية السلام قرر المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في دورته المنعقدة في10/12/1993، تكليف رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية وبتكليف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بتشكيل مجلس السلطة الوطنية الفلسطينية في المرحلة الانتقالية برئاسة رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة.
جاءت اتفاقيات غزة ـ أريحا 1994، وبروتوكول القاهرة 1995، ثم واشنطن 1995، مؤكدة علي مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية كممثلة للشعب الفلسطيني، وتحتوي علي مؤشرات للمركز القانوني للسلطة الفلسطينية، وعلاقتها بمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها. فقد نصت الاتفاقية المرحلية علي التزام المنظمة بإجراء انتخابات سياسية عامة لمجلس السلطة المجلس التشريعي ولرئيس السلطة، وان هذه الانتخابات تشكل خطوة تمهيدية نحو تحقيق الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، ولتوفر الأسس الديمقراطية لإقامة مؤسسات فلسطينية، تكون بدايةً بإقامة سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني الانتقالي بانتخاب المجلس الفلسطيني وحددت مواد الاتفاقية صلاحياته التشريعية و التنفيذية. ومن مجمل الصلاحيات التي حددتها مواد الاتفاقية نجد أنها أعطت الدور الأساسي لممارسة السلطات للمجلس المنتخب والسلطة التنفيذية، أما صلاحيات منظمة التحرير فلم يرد لها ذكر سوي كونها طرفا شريكا مقابلا لحكومة دولة إسرائيل، وأنه وفقا للمادة (9) من اتفاقية واشنطن المرحلية في 28/9/1995 الفقرة 5/ ب، فإن لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تجري مفاوضات توقيع اتفاقيات مع دول أو منظمات دولية لمصلحة المجلس في الأمور التالية:1- اتفاقيات اقتصادية كما هو وارد في الملحق الخامس للاتفاقية.2- اتفاقيات مع دول مانحة من اجل تنفيذ ترتيبات لتقديم المساعدات للمجلس.3- اتفاقيات من اجل تنفيذ خطط التنمية الإقليمية كما ورد في الملحق الرابع من إعلان المبادئ أو اتفاقيات أخري في إطار المفاوضات المتعددة.
وحاول الاتفاق أن ينفي عن هذه العلاقات الدولية صفة الدولية، وواضح من خلال الاتفاقيات التي تم التوصل إليها أن دور المنظمة ومؤسساتها في الأراضي الفلسطينية محدودة، فالدور الأكبر هو لمؤسسات السلطة الوطنية التي أفرزها اتفاق إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقد زاد من إشكالية طبيعة العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن قلة النصوص التي تعطي دوراً رئيسياً لمؤسسات المنظمة، أن الممارسة العملية للسلطة الوطنية الفلسطينية لا تستند إلي مرجعية دستورية عليا تنظم العلاقة بين المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس التشريعي، فكل ما يوجد نظرياً في النصوص القانونية هو ما ورد في قانون الانتخابات الفلسطيني رقم 15 لسنة 1995، حيث نصت المادة الثالثة علي انه يكون أعضاء المجلس الفلسطيني فور انتخابهم أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني وفقاً للمادتين 5 و6 من النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وحتي مشروع القانون الأساسي للمرحلة الانتقالية الذي اقره المجلس التشريعي،7، لم يحدد ملامح العلاقة بين مؤسسات المنظمة ومؤسسات السلطة، فما ورد في المشروع لا يتعدي كونه عبارات عامة، لا يتضمن معاني قانونية محددة،8 ولم يبين القانون الأساسي كيفية قيادة منظمة التحرير وما دورها واختصاصات مؤسساتها، التي باتت شبه معطلة وكأنه لا دور لها في هذه المرحلة، مما يعني وجود مؤشرات تدل علي إهمال المنظمة ومؤسساتها،9 والذي يؤدي ذلك بدوره إلي إنهائها تدريجياً وكلياً وبالتالي إلي انتهاء الميثاق الوطني الفلسطيني، كما تريد إسرائيل لتصبح السلطة الوطنية للحكم الذاتي المحدود بديلاً عن المنظمة. وما يهم في الاتفاقيات ومنظومة أوسلو كلها أن يتم تطبيق فعلي علي أرض الواقع لمفهوم السلام وتطبيق الالتزامات الأمنية، فكان ذلك من أهم مبررات دعم سلطة الحكم الذاتي لتضمن تطبيق الاستحقاقات الأمنية علي أرض الواقع، والاعتماد علي العجلة السياسية للمفاوضات، وهذا هدف مرحلي، ليتحول هذا الكيان إلي دولة عبر قياس الأداء الفلسطيني من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، ولكن يبدو أن إسرائيل لا تريد لها سوي أن تقوم بدور الإنابة عن دورها، لأن السلطة ستبقي مقيدة حسب شروط الاتفاقية، وستبقي السياسية الخارجية كلها والأمن الداخلي والخارجي كله في يد إسرائيل، مع الحفاظ علي النظام العام والذي سيتم بالتعاون مع الشرطة المحلية، ويستثني المستوطنون الإسرائيليون من نطاق سلطة الهيئات الإدارية الفلسطينية.
إن هذا النظام سيكون مضمون دوره تخليص إسرائيل من عبء إدارة المناطق المحتلة، وتشغيل المدارس والمستشفيات، ويتيح لها في نفس الوقت الاستمرار باحتفاظها بالسلطة النهائية في يدها. منعطف خطيرإجمالاً يمكن اعتبار ان اتفاق أوسلو أدخل الحركة الوطنية الفلسطينية في منعطف حاد ومرحلة جديدة، فهو أنهي مرحلة بكاملها من النضال الفلسطيني دون أن يحقق البرنامج الذي شكل أحد أبرز محاور الحقل السياسي الوطني، الذي رسمت تخومه منظمة التحرير الفلسطينية خلال ربع قرن علي وجودها ككيان وطني، وهو برنامج يتمحور وما يزال حول إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وممارسة الشعب الفلسطينية لحقه في تقرير المصير والعودة. لقد أدخل اتفاق أوسلو علي الحقل السياسي الفلسطيني وقائع ومناخات جديدة، أبرزها: 1ـ قيام سلطة وطنية فلسطينية علي إقليمها الخاص في الضفة والقطاع قبل رسم حدوده من جانب، وقبل تشكل دولة من جانب ثانٍِ، وفي وضع اتسم بمواصلة إسرائيل وضع الشروط والقيود علي السلطة الوطنية واستمرار استيطانها لأجزاء مهمة من الضفة الغربية والقطاع ومواصلة رفضها الإقرار بالاستقلال الفلسطيني ومترتباته ومتطلباته.2 ـ تلاشي دور ونشاط المؤسسات الوطنية الجامعة للفلسطينيين عملياً، وترسيخ تقليد اتخاذ القرارات خارج إطار هذه المؤسسات، مما يترتب علي ذلك من تهميش كامل لمؤسسات منظمة التحرير ويخلق مخاوف كانت موجودة في زمن السلطة من تحول الشعب الفلسطيني إلي تجمعات معزولة بعضها عن بعضها الآخر، كما كرس دمج مؤسسات منظمة التحرير في أجهزة السلطة الفلسطينية، تهميشاً ككيان (مؤسسة) وكدور (الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده)، وبرنامج وطني يمثل المصالح الجامعة للشعب الفلسطيني في تجمعاته المختلفة.3 ـ انتخاب مجلس تشريعي لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي وفر إمكانية إدخال تعديل جذري في بينة النظام السياسي الفلسطيني، لأن قيامه، كمؤسسة منتخبة بشكل ديمقراطي ومباشر أوجد حالة جديدة، تتعاكس مع الاتجاه الذي سار عليه النظام السياسي الفلسطيني منذ عام 1982. ويفسر هذا إلي حد بعيد محاولات التهميش التي تعرض لها المجلس التشريعي من قبل السلطة التنفيذية ورئيس السلطة الفلسطينية، مع العلم بأن الحفاظ علي شرعية المؤسسات المنبثقة من شرعية تمثيلهم للشعب الفلسطيني بإجراء أول انتخابات فلسطينية 1996، يعتبر عاملا حاسما لا بد من الحفاظ عليه، للحفاظ علي المشروعية القائمة، وتكريس شرعية الانتخابات والتمثيل، كظاهرة ديمقراطية تدعم موقف القيادة، وتسهل تعقيدات إدارتها للصراع. 4 ـ بروز بعض مظاهر انفضاض وعزوف عن التشكيلات السياسية القائمة (فصائل منظمة التحرير) دون ظهور تشكيلات سياسية جديدة، باستثناء الحركة الإسلامية التي تشكلت خارج إطار منظمة التحرير، كما لم تنجح محاولات تجديد التشكيلات السياسية السابقة، أو بناء تشكيلات جديدة داخل إطار المنظمة، وتستدعي الانتباه ظاهرة ضمور الأحزاب السياسية بعد اتفاق أوسلو وقيام سلطة فلسطينية، كون هذا الوضع السياسي المستجد يتطلب حضورها بقوة باعتبارها شرطاً ومكوناً أساسيا لتبلور نظام سياسي ديمقراطي. أدخل اتفاق أوسلو تحولاً هاما في تضاريس الحقل السياسي الفلسطيني تجسد في قيام سلطة وطنية علي مناطق في الضفة الغربية والقطاع، قبل قيام دولة وقبل تحديد إقليمها بشكل نهائي، وهي سلطة تجد مبرر وجودها في استكمال تحولها إلي دولة مستقلة، معتمدة بالدرجة الأولي علي التفاوض مع الدولة المستعمِرة، تشكلت السلطة قبل الدولة وبوجود الاحتلال، وتضخمت بيروقراطية أجهزتها الأمنية والإدارية والمدنية، مع مناخ سياسي داخلي يتميز بغياب القضاء المستقل وضعف المأسسة الدولانية، وتهميش سلطة المجلس التشريعي المنتخب، وتحول حركة فتح إلي الانخراط في السلطة وقيادة نظام سياسي تحت خيمة الحزب الواحد، وهيمنة مفردات الدولة المستقلة علي لغة الحقل السياسي بعد أوسلو، مع هيمنة عملية التفاوض مع إسرائيل وأساليب مواجهة العراقيل والصعوبات التي تعترض تشكل الدولة الفلسطينية علي هموم الحقل السياسي الفلسطيني. وما ان اقتربت الفترة الانتقالية حسب إعلان المبادئ، حتي أبانت عن وجود خلل جذري في التركيبة البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني وإشكاليات في العلاقة النسقية والوظيفية بين بني هذا النظام، حتي برزت إلي السطح وبقوة دوافع ومبررات الإصلاح الفلسطيني في السلطة وفي المنظمة، وإعادة النظر في المرتكزات القانونية والسياسية والوظيفية التي يشتغل فيها ومن خلالها النظام السياسي الفلسطيني، وجاءت الأحداث مثل تولي الليكود للسلطة في إسرائيل 1996، ومواصلة سياسة الاستيطان وإعادة صياغة اتفاق أوسلو عملياً، كذلك الصدامات المتعددة بين الفلسطينيين والإسرائيليين (انتفاضة النفق، والاشتباكات بين الجيش الإسرائيلي وعناصر من الشرطة الفلسطينية عام 1996، 1998)، وتجميد المفاوضات بين الطرفين فترة غير قصيرة في عام 1997، والإغلاقات الإسرائيلية المتعددة والمتكررة للمناطق الفلسطينية كذلك جاءت انتفاضة الأقصي والتي كشفت النقاب عن العيوب المستورة، وأبانت عن الخلل الكامن في الإدارة الفلسطينية للصراع، ومن ازدواجية وارتجالية في اتخاذ القرارات وإصدار الإعلانات والتصريحات، حتي أصبح مطلب الإصلاح مطلبا داخليا وخارجيا ملحا، وقد فتحت أبواب القاهرة للقاء جميع الأطياف الســــياسية الفلسطينية للوقوف عند هذه النقاط ومحاولة تدراك سلبياتها، توجت بإعلان القاهرة شباط (فبراير) 2005 والذي دعا إلي دمج كل الفصائل تحت لواء المنظمة بما فيها الحركات الإسلامية (حماس والجهاد الإسلامي) وإعادة إحياء مؤسسات المنظمة ودورها، وإعادة الاعتبار لقيادتها، وذلك بإشراف السلطة الفلسطينية.