ملامح نسائية من سينما نجيب محفوظ: الدراما انحازت للصورة السلبية من أجل شباك التذاكر

حجم الخط
0

كمال القاضي

القاهرة ـ “القدس العربي” احتلت المرأة موقع الصدارة في أدب نجيب محفوظ وبرزت كعنصر مؤثر في تحريك الأحداث علي المستويين الأدبي والدرامي ولكونها منافسا قويا لشخصية الرجل فانها ظلت في بؤرة اهتمامه علي امتداد مسيرته الإبداعية قرابة سبعين عاما وتشكلت بتأثيراتها الحسية والوجدانية والنفسية مئات المواقف، لذا بات محفوظ مضطلعا بتقديمها في أطر متعددة وسياقات مختلفة حيث تباينت أدوارها وطبائعها في السينما كما في الأدب وأخذت ملامح متميزة سواء في خصائصها الايجابية او السلبية، خاصة فيما اضافته رؤي كتاب السيناريو الذين أبدوا عناية بصفاتها العارضة ومقوماتها الأنثوية دون بقية الصفات الجوهرية كالاخلاص والطاعة والتفاني، غير أن الاستثناء الوحيد الذي احترم تلك الخصائص الأصيلة تبلور في الثلاثية التي تحولت الي ثلاثة أفلام هي السكرية وبين القصرين وقصر الشوق، إذ جعل من الشخصية الرئيسية أمينة محورا أساسيا للأحداث مسبغا عليها آيات الرضا وحسن الخلق، الأمر الذي يوحي بقناعات ايجابية لدي الكاتب في التكوين الفطري للمرأة التي لم تخالط المجتمع المدني أو تنخرط فيه، ملامح نسائية من سينما نجيب محفوظ: الدراما انحازت للصورة السلبية من أجل شباك التذاكر ومن هنا تتبدي وجهة النظر المتوارية عند نجيب محفوظ والخاصة بتأثير الثقافة الاجتماعية علي سلوك المرأة ودورها في تلونها بألوان مختلفة قد تخرج قليلا وكثيرا عن المألوف والمعتاد، مثلما هو الحال في نموذج زبيدة العالمة، المضاد لأمينة من حيث الشكل والمضمون والذي ركز عليه المخرج حسن الإمام في أفلامه الثلاثة لأسباب تجارية فأحدث نوعا من التشويش علي رؤية صاحب الرواية الذي لم يكن قد أفرد كل هذه المساحة لزبيدة العالمة في سياق الأحداث انما قصد إحداث نوع من التباين في سلوك نموذجين من النساء ليقيم عليهما المقارنة بين أسلوب السيد أحمد عبدالجواد مع زوجته الساذجة بوصفها مصدر السعادة ومكملة للجانب المفتقد والناقص في شخصيته، ولو تأملنا شخصية أم يس في الثلاثية ايضا سنلحظ بعض التحفظات من جانب الكاتب علي سلوكها الاخلاقي وتشدده في رفضها وعدم الاتصال بها، وهذا يعكس نظرة قيمية ما ربما تكون وردت عابرة في الرؤية السينمائية لحسين الإمام لأنه لم يشأ أن يتوقف كثيرا امامها، باعتبارها تفصيلة صغيرة من وجهة نظره بينما هي تمثل في الواقع نموذجا ثالثا للمرأة فهي تقف علي تخوم الانحراف دون أن تنزلق فيه كلية وهي بذلك تختلف عن أمينة المغــــالية في الانضباط وزبيدة العالمة المفــــرطة في الانحلال وهناك ايضا نوعان آخران ينتميان الي فصيل مغاير لفكــــــرة الانحراف وعدمها يتمثلان في شخصيتي مريم حبيبة كمال الابن الرومانسي وشخصية زنوبة صبية العالمة وتلميذتها في الكار، فالأولي تمارس الدلال والإغراء بمفهومه الانساني لإشباع رغبتها العاطــــــفية وجذب كمال اليها دون تجاوز يحسب عليها أو يمكن تصنيفه علي انه انحراف، أما الثانية وهي زنوبة فتلك تتمتع بمواهب أنثوية تؤهلها لأن تكون فتاة لعوبا، وبالفعل تمارس هذا الدور ولكنها لا تستجيب للغواية إلا في حدود معينة وهي بذلك تقــــدم مغريات الرذيلة دون أن تمنح الرغبة، وتعد هذه الحيلة هي فلسفة التسويق والعرض ذات الطريقة التي اتبعها حسن الامام في تقديم الاغراء والمتاجرة به مستخدما اسلوب الايهام في اشعار المشاهد بالتواصل مع البطلة التي يشتهيها في حين ان العلاقة بينهما ليست إلا ضربا من خيال!

في فيلم الشحات يبدو التضاد اكثر وضوحا بين الزوجة الهادئة الرقيقة وتلك المرأة الاخري التي تحتل موقع العشيقة شويكار في حياة عمر الحمزاوي محمود مرسي الرجل المضطرب المتشكك الهارب من جحيم الشك إلي جنة اللذة بين أحضان العشيقات، وربما لم يكن نجيب محفوظ معنيا كثيرا بالمقارنة بين الانماط النسائية قدر عنايته بفلسفة الجنس كمسكن لحالات التوهان والشرود وعاصما واهيا من الجنون فهو يؤكد علي عرض اللذة الجنسية وإن طال أمدها فيما يظل السكن الحقيقي في الحياة الزوجية والعائلية، وأن أي محاولة لخرق ناموس الكون والنفاذ الي العالم الميتافيزيقي مآله السقوط والهدم بمعناه المجازي والحقيقي سواء كان ذلك متعلقا بهدم الأسرة أو هدم الــروح التي هي جزء من ملكية الله في الانسان وسر من أسراره الإلهية التي لا يمكن ادراكها بالعقل البشري، ببساطة شديدة ينتقل بنا فيلسوف الرواية من المعاني الصغري الي المعاني الكبري وبذات البساطة ينطوي الحدث الدرامي المتعلق بحيرة عمـــر الحمزاوي داخل الفيلم متعدد المستـويات الي آفاق الابداع السينمائي المتجاوز لمفردات المتعة المعهودة من صورة وحوار وديكور وموسيقي وخلافه لنجد أنفسـنا أمام جمال مجرد يصعب رده الي أي من تلك العناصر منفردة أو مجتمعة، غير حقيقة وجود اله وانحياز الانسان الفطري للخير والاستقامة والحياة الطبيعية الآمنة التي تمثلت في الزوجة والابنة، وأتصور أن هذه هي وجهة نظر نجيب محفوظ نفسه الذي تلبسته حالة البطل فظل ردحا من الزمن يبحث عن اليقين ليوحد بين وجدانه وعقله.

من النماذج السوية التي تستأهل الوقوف أمامها وتعكس رأيا ايجابيا في المرأة شخصية زهرة في فيلم ميرامار المأخوذ عن الرواية التي تحمل نفس الاسم، حيث تعاطف محفوظ مع الفتاة المنتمية للطبقة الكادحة ناقلا تعاطف الثورة وسعيها الي محو الأمية والقضاء علي الجهل تمهيدا لبناء مجتمع جديد، وإن كان محفوظ قد انتقد انتهازية الأفراد من بعض اعضاء الاتحاد الاشتراكي مثل سرحان البحيري الذي غرر بزهرة وخدعها إلا أنه في نفس الوقت لم ينكر دور الثورة في تسييد مبدأ تكافؤ الفرص وإقرار الاشتراكية كمنهج اجتماعي يعمل علي تلاشي الحواجز الطبقية، مما أدي الي تمكن البطلة زهرة من نزول ميدان العمل وقيامها علي تعليم نفسها بنفسها متحدية ظروفها الصعبة وممارسات القهر من الطامعين والخونة، في اشارة رمزية لمصر التي تخلصت من أعدائها الرجعيين بعد استقرار السلطة في يد الزعيم جمال عبدالناصر عام 54، وفي الحقيقة ان السيناريو الذي قدمه ممدوح الليثي نقلا عن الرواية الأصلية كان متعسفا في التعبير عن الواقع السياسي والاجتماعي في تلك الفترة وأكثر مغالاة وتزايدا من نجيب محفوظ الذي أعمل الحاسة النقدية فيما يتعلق بالسلبيات دونما انكار للايجابيات وتجريح، فمحفوظ كان يريد ان يؤكد علي ان مصر المتمثلة في زهرة لم ينل منها الطاعون والأفاقون وأنها صمدت امام المحنة وتجاوزت أزمتها في عهد عبدالناصر وليس في أي عهد آخر، والمعني مختلف هنا عنه عند ممدوح الليثي الذي صاحب النزعة الساداتية المائلة الي تشويه كل انجازت ناصر وأمجاده!! في زقاق المدق اختلفت صورة المرأة نسبيا عنها في ميرامار فالبطلة حميدة ـ شادية ـ وهي ذاتها التي جسدت دور زهرة كانت تتسم بالوصولية والتطلع وترغب في الانسلاخ عن طبقتها الشعبية الفقيرة ومن ثم اعتمدت علي أنوثتها كمقوم أساسي لانتقالها الي طبقة الاثرياء مخلفة وراءها طابورا من الضحايا وشهداء الحب والغرام، وقد تعمد نجيب محفوظ ان يرصد التأثيرات الطبقية علي نفسية سكان الحارة التي ولدت فيها حميدة وشبت كوردة يانعة، ولكن للأسف لم تكن السينما علي قدر وعي الرواية فلم تهتم إلا بالشكل الخارجي للشخصية وتعاملت معها كامرأة لعوب تغوي الرجال وتستعذب هزيمتهم، وفقا للمعني الذي استخلصه المخرج حسن الإمام وتاجر به في شباك التذاكر معتمدا علي قدرات شادية في استعراض دلال الشخصية ومفاتنها فكانت النتيجة أن نجح الفيلم تجاريا وهبط بلغة الأدب الي مستوي التعامل الغريزي والحسي مع البطلة كأنها ممثلة بورنو تجردت من مشاعر الاحساس المرهف وصارت تؤدي وظيفتها بشكل آلي دون الالتفات لما وراء الصورة المغرية!

وبتنوع الرؤي والأساليب والثقافات وبرغم التباين والمغايرة بين الرؤية والرواية بقيت السينما رافدا مهما لاستقاء الأدب وتوثيق رأي الكاتب الكبير في المرأة علي اختلاف ميولها وتوجهاتها وطباعها ودورها في الحياة بكافة تشكيلاتها الساكنة والمتحركة، فالمرأة عند نجيب محفوظ ليست نمطا ولا لغزا وانما هي عالم يتسع لملايين الترجمات ومئات الصور والأفلام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية