ملتقى «أريج» الرابع عشر: صحافة استقصائية عربية تعاني لكنها لا تتراجع وتقدم المبادرات

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: «اعترف لكم أنني مرهقة ومتعبة من الداخل» بهذه الكلمات بدأت روان الضامن، مديرة شبكة أريج حديثها في حفل افتتاح ملتقى «أريج» الرابع عشر الذي حمل عنوان: «الإعلام والمساءلة في عالم مضطرب».
وتابعت: «مصدر التعب ليس كثرة العمل بل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي يغلي بها عالمنا العربي المضطرب».
وحسبها من فقد شهد العام الجاري تراجع عشر منصات عن بث ونشر التحقيقات التي أنتجتها شبكة «أريج» لأسباب لها علاقة بارتفاع سقف التحقيقات من وجهة نظرهم، واضطرار 15 صحافيا عربيا لنشر تحقيقاتهم بأسماء مستعارة، وهو ما يعكس مخاوف متزايدة في الدول العربية على حياة الصحافيين، كما جرت محاولات حثيثة ومتواصلة لاختراق هواتف وكمبيوترات الكثير من الصحافيين الاستقصائيين، وتعرض الصحافيون لمحاولات الإيذاء والاعتقال والقتل أثناء العمل على التحقيقات الصحافية.
وعلى مدار ثلاثة أيام وبمشاركة أكثر من 100 متحدث متخصص في الصحافة الاستقصائية عالميا وعربيا، ناقش صحافيون متخصصون من العالمين العربي والغربي هموم العمل الصحافي الاستقصائي والصعوبات التي واجهت هذا النوع من العمل الصحافي الذي يعاني مع استمرار الاضطراب الذي يمر به العالم العربي.
وكان الملتقى قد انطلق بحضور أكثر من 3700 صحافي وداعم للصحافة سجلوا لحضور الملتقى عن بعد بسبب استمرار الجائحة وقيود السفر، حيث شهد الافتتاح الوجاهي المحدود إطلاق «أريج» مجموعة من مشاريعها المرتقبة لعام 2022، ومنها توسيع دعم التحقيقات الاستقصائية على امتداد الوطن العربي.

سبع مبادرات

وترافق مع إطلاق الملتقي الإعلان عن سبع مبادرات خاصة بالصحافيين في العالم العربي، وهو أمر اعتبره صحافيون بمثابة رد فعل حقيقي على كل التحديات والمعيقات التي تواجه الصحافيين العرب وتأكيدا على الرغبة بالاستمرار في الحفر في هذا الحقل الإعلامي الهام.
والمبادرات هي: منصة «عين أريج» التي تعتبر المنصة الأولى عربيا لمطلقي الصفارة والمبلغين عن الفساد، بدعم من منظمة دعم الإعلام الدولي، ومشروع «صحّ» الذي يعتبر أحد مشاريع الشبكة العربية لمدققي المعلومات، ويهدف إلى بناء شبكة من المؤسسات والأفراد في أربع دول هي: لبنان والأردن وفلسطين والعراق، للعمل معاً لمحاربة الانتشار المتزايد للمعلومات الخاطئة والمضللة من خلال تعزيز أفضل ممارسات ومنهجيات تدقيق المعلومات ما قبل النشر وما بعده، وغرس مفهوم تدقيق المعلومات داخل المؤسسات الإعلاميّة العربية، وذلك من خلال العمل مع المؤسسات الإعلاميّة المكتوبة والمرئية والمسموعة والالكترونيّة، ومؤسسات ومبادرات تدقيق الحقائق.
كذلك أطلقت مبادرة «زمالة أريج» بالتعاون مع الصندوق الوطني للديمقراطية وهي زمالة تدريبية تطويرية للصحافيين لمدة سبعة أشهر، وكذلك فتحت باب التنافس على دبلوم أريج لصحافة البيانات للمرة الثالثة على التوالي، ومشروع أمان 360، بدعم من منظمة اليونسكو، وهو بالشراكة بين أريج والاتحاد الدولي للصحافيين، ويتضمن تقديم حماية شمولية للصحافيين والصحافيات الاستقصائيين في 5 مجالات للحماية الشخصية، والرقمية، والنفسية، والقانونية، والمهنية. وكذلك مشروع السلامة أولا، بدعم من مشروع ميتا للصحافة بهدف دعم الأمن الرقمي للصحافيات والصحافيين والتصدي لكل أشكال الاختراق والابتزاز، ومشروع لن أبقى صامتة الذي يتجدد للعام الثاني، بدعم من مشروع ميتا للصحافة.
واستمرت فعاليات الملتقى لثلاثة أيام تضمنت 25 جلسة متخصصة تغطي مواضيع الحماية ومكافحة المعلومات المغلوطة وأثر التحقيقات والسرد الصوتي والتغير المناخي والصحافة الأخلاقية وقضايا العمال والدعم القانوني للصحافيين الاستقصائيين ومدققي الحقائق والمبلغين ( مطلقي الصفارة) والذكاء الاصطناعي والصحافة المستقلة عربيا والتحقيقات العابرة للحدود والأثر الاجتماعي والابتكار.
المديرة العامة لشبكة «أريج» روان الضامن قالت إن «مهنتنا هي مهنة المتاعب، لكننا مؤمنون بأهميتها، وبدورها في تمكين المجتمعات والشعوب من أن تحصل على حقوقها وتسهم في صنع المساءلة والديمقراطية والحرية، رغم كل المعيقات والتحديات».
وأضافت: «مؤسف أن يتم استخدام الجائحة ذريعة في دول عربية ودول العالم لتكميم حرية الصحافة وأفواه وأقلام الصحافيين والصحافيات، وتقييد وصولنا للمعلومات».
وأشارت الى «ما نشهده اليوم من تعتيم إعلامي جزئي في دول، وكلي في دول أخرى، لذا يضطر الصحافيون إلى النشر والبث بأسماء مستعارة لتجنب الضغوط السياسية والاجتماعية والأمنية».
وأصبح ملتقى «أريج» السنوي منصّة تشبيك وتدريب رئيسة ومحطّة دولية لتبادل الخبرات والمهارات بين الإعلاميين العرب والأجانب.
ندوة الملتقى الرئيسية حملت عنوان: «طاقة الصحافة الاستقصائية في عالم مضطرب» وهدفت التعرف على أهمية الصحافة الاستقصائية، ومعاييرها، والتحديات التي تواجهها، وطرق تمويلها وواقع العمل الاستقصائي خلال عامي الجائحة في المنطقة العربية».
منير الخطيب، رئيس تحرير شبكة «أريج» قال إن الحكومات العربية استغلت الاضطراب وعدم القدرة على مواجهتها لجائحة كورونا لإخفاء المعلومات وتقليل الأثر الصحافي على المجتمع. وأكد أن العالم المضطرب أصبح عالما على شفا الانهيار، أما الوباء فخلق التحولات، فباسم الصحة أرادوا الحفاظ على الاستقرار، وباسم الاستقرار قاموا بكم الأفواه.
واعتبر أكبر تحد واجه «أريج» تمثل في الأمية الصحافية الصحية والعلمية، وهو أمر جعل من «أريج» تعمل مع صحافيين لإنجاز تحقيقات صحية عملت خلال مسار التحقيق الطويل على جعل الصحافيين أكثر قدرة على الفهم والوعي والمساءلة.
واعتبرت حنان زبيس، صحافية استقصائية تونسية، أن الجائحة لم تكن فقط صحية لكنها أيضًا كشفت كل التجاوزات التي حدثت على مستوى إدارة الأزمة بطرق غير قانونية التي فضحت السياسات الحكومية السيئة.
وأضافت زبيس ان الحكومات رغبت بأن يتعامل الصحافيون مع أرقام المصابين والموتى من دون الوقوف على خلفيات وسياقات تلك الأرقام، وهو ما عمل عليه الصحافيون وحققوا إنجازات كبيرة حيث تم الكشف عن التلاعب بالمال العام والفشل الصحي والإداري وانعدام الشفافية.
وأضافت أن السلطات في الدول العربية قامت بالتضييق بشكل أكبر على مطالب الحصول على المعلومات «كانت الاستراتيجية التي اتبعوها تهدف إلى جعل الصحافي يتخلى عن طلب المعلومات بفعل المماطلة».
اما مصطفى الخليلي، محرر التحقيقات الرقمية في بي بي سي، فقال إن أفضل الأفكار التي عملنا خلال العام عليها لم يكن مصدرها لندن، بل كانت من شبكة الصحافيين المحليين الموجودين في المنطقة العربية، وهو ما جعلنا نقدم 3 تحقيقات مهمة منها ما له علاقة بهجوم إماراتي على ليبيا، وفساد فحص اللقاحات في مصر. واعتبر أن عدم التواصل الوجاهي أعاق عملنا على بعض التحقيقات، فالتكنولوجيا لم تكن تفي بالغرض، وكانت تعيق التعاون.

التحقيقات والتغير المناخي

وشهد الملتقى إطلاق ندوة «التغير المناخي، والنزاعات، والصحافة على تقاطع طرق» وطرحت سؤالا: أين يلتقي التغير المناخي والنزاعات مع الصحافة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟» ، وفيها أطلق الصحافي خالد سليمان المتخصص في قضايا البيئة كتاب ودليل الصحافيين حمل اسم «بريد المناخ» .
وتحدث سليمان في الندوة حيث أكد أنه لا توجد خطة مستدامة صحيحة لمواجهة التحديات البيئية في البلدان العربية، وهناك جرائم منظمة بحق البيئة والمياه، ولا بد من عرض الحقائق كاملة حتى نتمكن من البحث عن حلول.
وأشار الى أن البيئة العربية تعاني بفعل الفشل السياساتي الداخلي والسياسات الإقليمية للدول، وهو أمر يترك أثره على المواطنين الذين يلاحظ انهم بدأوا يتصارعون على المياه في مدينة البصرة في العراق.
واعتبرت إيمان الفارس، صحافية أولى متخصصة في القضايا العلمية والدبلوماسية في صحيفة «الغد» الأردنية، أن «الأردن بلد فقير مائياً وليست لديه سيادة على المياه، لذلك فإن جفاف السدود يشكل خطراً كبيراً ويمكن اعتباره قضية أمن قومي.»
أما فاطمة جهاد، صحافية ومسؤولة حقوق النشر في مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، فشددت على عدم وجود إدارة بيئية للدولة تجعلها تلجأ للعنف في التعامل مع المتضررين من التغير المناخي مما يؤدي إلى نشوب نزاعات في البلاد، وهو أمر حدث كثيرا في العراق.
أما كريم الجندي، مستشار في مجال الاستدامة الحضرية والمناخ، فأشار إلى التشرذم الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي في المنطقة، إضافة إلى الصراعات الداخلية، وهو أمر يجعلها هشة أمام تغيرات المناخ، فيما اعتبر اللاجئين أكثر من يتأثر بهذه التغيرات.

حماية مطلقي الصفّارة

وفي ندوة «لماذا نحتاج لحماية مطلقي الصفارة؟» (المبلغين عن الفساد) عرضت مجموعة من المتحدثين عن المبلغين والتخوفات التي يشعرون بها من الانتقام أو عدم الاستجابة لمطالبهم.
ليندا ماهر، صحافة استقصائية فلسطينية مستقلة، قالت إننا «نحتاج إلى تنفيذ قانون حماية مطلقي الصفارة» واعتبرت إطلاق أريج لمنصة «عين أريج» أمرًا مهمًا للتبليغ عن الفساد، فالكثير من المبلغين كانوا قد وصلوا لقناعة بعدم جدوى التبليغ، حيث لا تقوم الجهات الفلسطينية بمنحهم الحماية رغم وجود قانون فلسطيني ينص على ذلك.
أما إيمان محمد القيسي، باحثة أولى في «أريج» فطالبت بأن تكون هناك حماية لمطلقي الصفارة من خلال إعادة النظر في قانوني النشر وحق الحصول على المعلومة الاردنيين اللذين يشكلان عائقًا في كشف الفساد.
ومن أمريكا قالت ماري إنمان، متخصصة في تمثيل مطلقي الصفارة في جميع أنحاء العالم، إن القوانين في العالم لا يتم استخدامها كما يجب «لذا عندما يلجأ مطلقو الصفارة لهذه القوانين لا يحصلون على حلول جيدة في أغلب الأحيان» .
وربطت منصة «عين أريج» بتجربة المنصات الدولية التي أثبتت نجاحها، وبالتالي فإن منصة «عين أريج» ستنجح في تلقي تقارير المبلغين العرب عبر منصة باللغة العربية في ضوء توفر السرية الكاملة للمبلغين.
وفي ندوة «الصحافي الشبح» أطلقت «أريج» ورقة سياسات بعنوان «إلزامية العضوية في نقابة الصحافيين كقيد لممارسة العمل الصحافي» وهي تتناول بنودًا في القانون الأردني حول النزاهة ومكافحة الفساد وحماية المبلغين، وكشفت الورقة عن ثغرات قانونية في حماية المبلغين وصاغت تعديلات مقترحة على القانون لضمان حماية أكبر للمبلغين.
وتحدث الصحافي الاستقصائي عبد الوهاب عليوة، رئيس قسم التحقيقات بمؤسسة أونا للصحافة والإعلام ققال إن أكثر من 40% من الصحافيين في مصر غير منتسبين للنقابة وهم أكثر من يحتاجون للحماية، والقانون بالتالي لا يعترف بهم.
أما الصحافية الأمريكية كايتي تاونسند، مديرة قانونية للجنة المراسلين من أجل حرية الصحافة، فأشارت إلى تجربة مغايرة للحال في الدول العربية حيث لا توجد في أمريكا نقابة صحافيين، فأن تكون عضوا في نقابة ليس شرطا مسبقا لممارسة مهنة الصحافة.
وأضافت: «في المقابل هناك هيئات غير ربحية تساند الصحافيين والمؤسسات الإعلامية في المحاكم وهناك مجموعات ضغط من أجل حقوقهم.» أما المحامي خالد خليفات، فاعتبر أن عالم البحث عن الحقيقة والنزاهة يعج بمن ينتهك حق الصحافيين باسم القانون بحجة عدم الانتساب للنقابة، حيث تتم ملاحقة الصحافيين باسم القانون بحجة عدم حصولهم على بطاقة النقابة. وفي جلسة «المعركة ضد المعلومات المغلوطة في العالم العربي» تلقى محمد عمر، مدير شراكات الأخبار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ميتا، سيلا من الأسئلة المرتبطة بمحاربة فيسبوك للمحتوى الفلسطيني، حيث حاول الرد بشكل تبريري مؤكدا على حياد المنصة في التعامل مع المحتوى من دون أن يقنع الحاضرين.
واستعرض عمر أولويات شركة «ميتا» (فيسبوك) التي تتمثل بالعمل لإيقاف المحتوى المغلوط على جميع تطبيقات ميتا، وتسهيل إمكانية الوصول للمعلومات الصحيحة، والاستثمار في التدريب.
يذكر أن «أريج» هي أول شبكة رائدة في ترسيخ صحافة الاستقصاء عربيا منذ 2005 وتتلقى دعما لنشاطاتها من شركاء وجهات مانحة دولية، وساهمت في تدريب أكثر من 4000 صحافي من العالم العربي، ودعم أكثر من 700 تحقيق استقصائي حازت جوائز عربية ودولية، إضافة إلى إطلاق مجموعة من المبادرات والبرامج والمشاريع التي تدعم المجتمع الصحافي عامة والاستقصائي خاصة في المنطقة العربية، أبرزها مؤخرا إطلاق الشبكة العربية لمدققي المعلومات خلال فعاليات الملتقى العام الماضي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية