تعد (ملحمة بعل) الأنموذج الأسطوري في الثقافة الكنعانية القديمة، كرمز ومدخل وظفه التشكيلي السوري علي مقوص ليطرح بحثه البصري والفلسفي، لمقاربة جدلية رمزية كمحاولة (جمالية) للتصور والتبصر والبحث. فبعل هو أهم إله لدى الكنعانيين، ويعتبرونه الإله المحارب، لهذا صوروه مسلحاً. وكان بعل إله الزوابع والأمطار والخصوبة، وكان كل سبع سنوات يظهر له الإله موت ويتحداه، فيسلم بعل نفسه له، ويهبط إلى العالم السفلي، لكنه يعود منتصراً إلى الحياة بعد معركة عنيفة تدور بين بعل والاله عناة من جهة، وبين موت واتباعه من جهة ثانية، حيث تقتل الإلهة عناة الإله موت، ويتم تقطيعه ونشر جسده في الحقول. ويقوم بعل من جهته بالقضاء على بقية القوى الموالية للإله موت.
الملحمة ودلالتها
أي أن القلق الوجودي استدعى رمزا ميثولوجيا للخلاص، ويبدو أن هذا الرمز لازم الإنسان في كل مراحل التاريخ والجغرافيا الكونية، ولأسباب وجودية ألبته، وجاهد الانسان ليفك شيفرة الحياة والموت وما بعده، وأثر الطبيعة ومناخاتها وتضاريسها عليه، وما تشكله من مخاطر وتحديات له، فمرة يغلبها من خلال درء مخاطرها ومرات كثيرة تغلبه، وما الإله (بعل) إلا رمز متحدٍ للطبيعة بأعاصيرها وزوابعها وطوفانها وديم أمطارها.
هنا يخوض علي مقوص في هذه الجدلية الوجودية من حيث الثيمة، أو من حيث حقل التجريب الفني الصرف، فالتجريب هنا هو ميدان واسع، للتعبير والمقاربة في آن واحد في ميدان المعرفة أولا، ومن ثم الحقل المعرفي والفكري والفني ومن ثم الهاجس الروحي.

جرّب المقوص استعادة اللحظة الزمنية لوقائع ملحمة بعل، كملحمة وجودية أسطورية، من خلال تجسيدها في حالات وظروف وزوايا متعددة تجريبية لإيجاد علاقات بين اللون والشكل، وأيضا بين الكتلة والفراغ، وكيفية إعطاء معنى باطن وظاهر لهذا الفراغ، وما يؤديه داخل اللوحة كحالة تعبيرية بين مفهومه كفراغ في فضاء اللوحة، وأدائه فكريا وفلسفيا وبصريا لإنتاج معنى جمالي ونفسي وذهني لدى المتلقي، وليترجم جزءا من الفكرة الكلّية لصراع وجدل ما بين الفكر والاعتقاد، أو المسلمات السماوية من جهة، ومن جهة أخرى بين الاعتقاد والتصور الأرضي الذي يمثله الإنسان فأنتجه الفنان على شكل أعمال بصرية، بلغت عشرة أعمال، أي لوحات ونصوص بصرية، لتحقيق غاياته وتصوراته الفلسفية، أي حاول أن يقارب الحالة الفكرية والروحية لواقعة تاريخية سائدة في زمن مضى من عدة زوايا ورؤى بصرية، حيث حاول أن يوظف الميتافيزيقا والخيال الجامح للوقائع التاريخية الأسطورية، وفي مرات أخرى يستدعى الحالة الروحية التجريدية والتعبيرية كما يعتقدها هو في تجسيد الملحمة، ليصور لنا فكرته وانثيالاته ومعتقداته في النشوء والتطور للخلق والخليقة، مستحضرا عدة مرجعيات فلسفية وفكرية وميثولوجية لفهم الكينونة البشرية أو كينونة الخلق بكليته لا جزئيته في جدلية قائمة منذ الأزل.
الأبيض والأسود
اعتمد الفنان الشكل اللوني المتمثل باللونين الأبيض والأسود وتدرجاتهما بين الغامق والفاتح، أو حياديتيهما أحيانا ليكونا كلونين أحادين أو مدمجين متماهيين متجاورين بحميمية تارة، ومتنافرين في أحيان أخرى لكي يعطي لمادته البصرية معانيها ودلالاتها الفكرية والبصرية التصورية، من خلال حدسه، واعتمد أيضا على أسلوب (painting background) في تجسيد تكويناته الدلالية الشاراتية. يبدو أن استحضار وقائع وسرديات ملحمة بعل تعطينا دلالات وشارات معرفية، يعتقد بها هذا الخالق الصانع للوحاته البصرية، وبثيمه العميقة شكلا أو موضوعاً، فلم يترك فسحة كبيرة للمشاهد والقارئ للغور في متاهات أشكاله وألوانه ورموزه التي في أغلبها هي رموز تمويهية، يسود فيها الحذر من الإفصاح عن تلك الدلالات والشارات التي تركها على السطح التصويري.
والتمويه الأكثر تعقيدا هو الخوض في البحث والتجريب التكويني واللوني والأبعاد المنظورية للمجسمات والفراغات في اللوحة، والتقارب الحميمي بين الألوان، أو تضادهما وتنافرهما شكلا، التي جسد من خلالها مكوناته ونصوصه، وهذا ينطبق بطبيعة الحال على الألوان السرمدية للشكل والكتل والفضاءات في لوحاته التجريبية البحثية، وما اللون الأبيض السائد الذي يحتل كتلة فضاء اللوحة هو بمثابة السدم الفكري الضبابي الذي يهيمن على الذاكرة الجمعية للحقائق المجهولة الغائبة أجوبتها لديه كانسان وفنان، كما هي غائبة لدى الآخر، كإشكالية حتمية وجودية وهي تعد محنة البشر أجمع.
البحث والتجريب
ويمكن القول إن البحث والتجريب هذه التقنية والآلية التي اعتمدها في أعماله من خلال تجسيده لملحمة بعل، هما عملتان لوجه واحد لا يمكن أن نفصل بين الغايات التي أراد التوصل إليها، وهي غايات تكنيكية بحثية دلالية بصرية صرفة، وغايات فكرية وروحية وقرائية لحتمية الوجود وإشكالياته والجدل التاريخي الذي ما زال قائما منذ عصر الخليقة ولغاية اليوم، فقد طرحها المقوص بأسلوب رمزي يجمع بين عدة أساليب ومذاهب فنية كمحاولة للفهم من خلال تفسير الرمز، لهذا استرسل بالبحث والتجريب والتقصي ليترك لنا أثرا فنيا بصريا، يحمل للمتلقي أسئلة واستفهامات جمة لموضوع شائك على مدار التاريخ الوجودي.

إنها أعمال تثير الأسئلة حول بنائها وخلقها الفني وأيضا تستوقف وتستفز فكر وذهنية المتلقي للأسئلة التي تطرحها، إذن هي فلسفة في العمل التجريبي بتقنات الفن البصري وفلسفة معرفية فكرية ثقافية لقراءة التاريخي كزمن ووقائع من خلال الرمز، والأهم هو محاولة منه للحفر في ماهية الوجود وكينونة الخلق والبحث عن حلول لأبدية السؤال، بدرس بحثي بصري يقترحه ويجربه.
رمزية الشجرة
حاول المقوص توظيف ملحمة بعل والصراع الدائر ما بين السماوي والأرضي مجسدا إياه برسم عدة لوحات فكانت الشجرة هي مركز وبؤرة اللوحة، واستخدم اللون الأسود القاتم والأبيض الفاتح في خطوطه ونقاطه المجسمة كنصوص، وهي جدلية يثيرها ليعبر عن التناقض الوجودي أولا ما بين الخير والشر والتضاد الوجودي بينهما، وثانيا أن الظلامية من خلال عتمة اللون الأسود هو بمثابة الغموض والحيرة في فهم الوجود. كذلك يمثل اللون الأسود عنصر قوة وهيبة وخصوبة في دلالاته الأخرى، وهو استدعاء لترك البذرة في حقلها الكوني لإنتاج الخلق البشري والإحيائي، ولا يمكن أن يستدل على معاني العتمة إلا من خلال نقيضه اللون الأبيض الذي يمثل التجلي الروحي الإشراقي، وكذلك بياض الفكر ونقائه وإنسانيته، فهما لونان أساسيان وأصليان في دلالاتهما الوجودية والكونية في الطبيعة، لذا يعد لجوء الإله بعل إلى العالم السفلي الظلامي كي يخوض مقامرة البحث عن إله الموت المتمثل بالزوابع والأعاصير والأمطار والرياح ليقاتله وينتصر عليه، ليثبت وينتزع مقام وجلالة الألوهية وفق المعتقدات القديمة، لهذا يرى بعل أن السيادة والزعامة والألوهية تستحق المجازفة والظفر بالعرش القدسي.
والشجرة تجدها في رسومات المقوص كتلة لونية كونية في دالتها كشجرة ونبات، وأيضا تتحد روحيا وجسديا مع جسد الإنسان فيشكل الإنسان قوامها وجذعها وأغصانها بشكل متماهٍ، كما يصورها في لوحاته، أو يستظل بها الجمع الكبير من البشر، وهنا يمثل لنا رمزية الشجرة كرمز للحياة والوجود لهذا تجد كثيرا من الكائنات البشرية الظاهرة على السطح التصويري اتخذت من أغصان الشجرة فراشا وسريرا لتخلد إليها، وعلى خلفية اللوحة تظهر كائنات مبعثرة وأشلاء مرئية وغير مرئية، جسدها بلون أبيض فتغدو مع الفراغ فضاء سدميا في اللوحة كشكل واحد مع الفراغ، وما هذه الكائنات والأشلاء الطائرة إلا بمثابة الشر المندحر بعد أن هزمت أمام القوة القاهرة للإله (بعل) بعد قتاله اياها وهزيمتها، ونلحظ أيضا فوق الأشجار عددا من العصافير والحمام للدلالة على الطمأنينة والسلام، اللذين حلا بالموجودات، وثانيا تمثل العصافير مجسات للحماية والدفاع عن هذه الشجرة، أي الحياة لدرء الخطر عنها. إن الطقوس الاحتفائية للحشود البشرية التي لاذت بظل الشجرة، أو مجاورتها، أو القدوم إلى فضائها فهي رمزية لسعي الإنسان الباحث عن الحقيقة والطمأنينة من قلق يداهمه في كل وقت.
كاتب عراقي