في معركة صفين لاحظ بعض المتحاربين رجلا يصلي وراء علي عند إقامة الصلاة، ويهرول إلى موائد معاوية في مواعيد الطعام، وعندما يحتدم الصراع يترك المتحاربين ويعتلي جبلا مجاورا يشاهد المتقاتلين، وعندما سئل عن ذلك وجد لنفسه مخرجا وتعليلا انتهازيا بقوله: الصلاة وراء علي أقوم، والطعام على مائدة معاوية ألذ وأدسم، وظهر الجبل آمن وأسلم.
كل واحد يمكنه أن يقرأ هذه الحكاية وفق هواه أو ثقافته أو تربيته، ولكن قراءتي المتواضعة أن مثل هذه الشخصية الانتهازية مازالت تتكرر في حياتنا أفرادا وأنظمة، فشخصية أبي لهب على بذاءتها أكثر وضوحا وأعمق التزاما من هذه الشخصية الزئبقية، التي لا نرى تجلياتها الوقحة إلا في الظروف الحالكة، التي تتطلب انحيازا واضحا أيا كان هذا الانحياز حتى لو كان على طريقة أبي لهب. الذين يراقبون الأحداث من فوق الجبل الآن بانتظار نتيجة توضح لهم الرؤية ليعرفوا إلى أي مائدة يتسللون، ووراء من يصلون، هؤلاء أشد خطرا على أنفسهم وشعوبهم وعلى الإنسانية من أبي لهب ـ أعني نتنياهو وباراك ـ لان أبا لهب عدو واضح لم يخف عداوته ولم يطبخ مع الأمريكان طبخات نتنة ولم يفاجئ قريشا كفارها ومسلميها بخطط غادرة أو مواقف زئبقية. هناك كثيرون فوق الجبل الآن يتحسسون رؤوسهم وأعناقهم، ولو أتيح لهم أن يقرأوا هذه السطور سيقولون هذا الكاتب الخبيث يعنيني، كل واحد من العرب يعرف أين هو من هذه المعادلة، هل يصلي وراء رجل واحد ويأكل على مائدته، ويحارب في صفوفه، أم يأكل على مائدة أمريكا ويصلي إلى البيت الأبيض، ويحارب في صفوف المارينز في الظلام، وعندما يصيح الديك يسبقنا إلى مساجد الفقراء الطيبين ويشارك الناس أطباق الطعمية والفول، ولكنه يتقيأ ما في جوفه عند أو زاوية وعند أول مشهد يختبر ضميره المشوه ومعدته النهمة التي لم تتعود موائد الفقراء الذين يجأرون اليوم بالشكوى إلى السماء في ميدان التحرير وميادين كثيرة في هذا الوطن العربي الموجوع بالظلم والقهر، أيها المنافقون على امتداد الوطن العربي كونوا مثل أبي لهب أشرف لكم وأفضل لنا.
د. أحمد عرفات الضاويAlawi48hotmail.com