عمان ـ «القدس العربي»: داخل أروقة القرار الأردني يصف المسؤولون ما قرره الأمريكيون بخصوص وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا» بصيغة أقرب لـ«غزوة « من العيار الثقيل لا تخلو من أجندة سياسية واضحة الملامح ولا بد من التعاطي والتعامل معها باعتبارها أولوية في غاية الأهمية على المستوى الوطني للأردن وللسلطة الفلسطينية. وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي يكرس الجزء الأكبر من وقته طوال الأسابيع الأربعة الماضية لعملية دبلوماسية مكثفة جدا ومعقدة بالوقت نفسه، تهدف إلى تفكيك الحصار قدر الامكان الذي صنعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وجه النظام الرسمي العربي عندما أبلغ رسميا عمان ورام الله والعالم بأن الولايات المتحدة تقرر وقف الدعم الأمريكي المالي.
على هامش نقاش خاص مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي تيقنت «القدس العربي» من ان الأردن مهتم جدا بملف وكالة الغوث وبالتحديات التي ينتجها القرار الأمريكي وان نطاق هذا الاهتمام لا علاقة له فقط بتمكين وكالة الغوث من استكمال برنامجها الخدماتي للعام الحالي فقط بل بضرورة تشكيل رأي موحد في المجتمع الدولي له علاقة بالسنوات المقبلة أيضا.
بعد مشاورات مكثفة للأردن بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية واتصالات مع ثماني دول عربية على الأقل وتسع دول أوروبية في المقابل اضافة إلى روسيا وحتى الصين واليابان، يمكن القول ان الأردن لديه تصور أولي اليوم حول خطة تحرك. طبعا نجاح هذه الخطوة بعد وضعها ليس مضمونا لكن التحدي أساسي وكبير ـ يشرح الصفدي ـ ولا بد من مواجهته.
ثمة مسائل على مستوى صناعة القرار الأردني لم تتضح بعد وينبغي ان تتضح قريبا جدا لترسي سيناريو المواجهة والعمل حفاظا على مؤسسة وكالة الغوث بمضمونها وشكلها وهويتها ولعدة أسباب جوهرية بعد تجاوز أزمتها المالية للعام الحالي، والتي يبدو ان عمان نجحت في تفكيك بعض ملامحها.
عندما يتعلق الأمر بالأعوام اللاحقة يريد الأردن ان يفهم ما إذا كانت ثلاث دول عربية ثرية على الأقل مستعدة للالتزام ماليا بأكثر من 50 مليون دولار فقط للأعوام المقبلة وهي السعودية وقطر والإمارات. الدول الثلاث التزمت بدفع 50 مليون دولار لكل منها لتعويض عجز ميزانية وكالة الغوث للعام المقبل حتى الآن.
وعمان ضمنيا تسأل وستسأل عبر الجامعة العربية والمجلس الوزاري الخارجي العربي سؤالا محددا لهذه الدول الثلاث حول قرارها في الالتزام بما هو أكثر من المبلغ المشار إليه ولخمس سنوات مقبلة. الإجابات بطبيعة الحال لم تحسم ولم تصل بعد وتنطوي أحيانا على بعض التسويف والمماطلة وثمة شكوك في الأفقين الفلسطيني والأردني بأن عواصم الدول الثلاث تريد ان تتوثق أولا قبل أي التزام لخمس سنوات من رد فعل الرئيس الأمريكي.
أما الدول الأوروبية فتبدو متحمسة دبلوماسيا وسياسيا لمناكفة ترامب ودعم بقاء وكالة الغوث مستقبلا مع زيادة طفيفة لدولتين فقط بالمبالغ التي تدفع سنويا ودون وجود قرار أوروبي مركزي حتى اللحظة يلتزم بتوفير فائض مالي يستطيع تعويض المبلغ الأمريكي المفقود.
تلك مسألة أيضا في الحسابات الأردنية تحتاج لحسم واستفسار كما تدرس الحكومة الخطط المتاحة لترشيد نفقات وبرامج تتبع الوكالة مع الأمين العام للأونروا خصوصا في ظل قناعة الخارجية الأردنية بان التقليص ممكن في بنود بعض النفقات مثل رواتب المدرسين والمكاتب الإقليمية المتعددة وعقود التوظيف مع المستشارين.
في الجانب العربي تسأل عمان أيضا دولا مثل الكويت وسلطنة عمان والبحرين والجزائر والمغرب عما إذا كانت مستعدة للمساهمة ماليا. في الخطة الطارئة المتعلقة حصريا بتعويض عجز الميزانية للعام الحالي ويبلغ رقميا 227 مليون دولار توافقت عمان مع رام الله على تدبير الناقص من المبلغ من مصاريف الحكومتين بأي صيغة في حال تعذر تدبير المال من جهات أخرى حيث تم الالتزام لهذا العام على الأقل بتدبير 150 مليون دولار ويتبقى 77 مليونا.
في السياق المتعلق بالقانون الدولي، يستعد الأردن لخوض المعركة على أساس قرارات الشرعية الدولية واتخذت الاحتياطات اللازمة في إطار الدعوة لاجتماع طارئ للجمعية العامة للأمم المتحدة. الهدف من هذا الجهد المكثف التحوط على توفير دعم سياسي ومالي للوكالة حسب الوزير الصفدي.
سياسيا وفي مركز وعمق القرار الأردني ينظر لقرار ترامب بخصوص وكالة الغوث بصـــفــته هجـــمة دبلوماســـية مبـــاغتة لـهـــا دلالات خـطـــيرة جدا وذات صلة بالمصالح الأردنية العليا إذا ما تكرس القرار الأمريكي كواقع موضوعي ولم يتمكن الجانب العربي مع شركاء أوروبيين من الالتفاف على القرار الأمريكي.
استراتيجيا يقول الأردنيون ان اقتصادهم الذي يعاني من ارهاق شديد لا يحتمل الانفاق على خدمات الغوث للاجئين الفلسطينيين في الأردن، حيث يحتاج البند المتعلق بالمدارس فقط لمبلغ مالي ضخم جدا لا تستطيع الخزينة الأردنية التفاعل معه خلافا للجزء المتعلق بالأمن القومي الأردني والاستقرار الأمني الداخلي حيث يتوقع ان يثور الجدل بعنوان «صفقة القرن او مشاريع التوطين» إذا تقرر ان يحتفظ الأردن بخدمات الأونروا.
وفي البعد الاستراتيجي نفسه تقر غرفة القرار الأردني بأن السماح لسيناريو ترامب بخصوص وكالة الغوث بالعبور والنفاذ بدون مقاومة يعني في النتيجة الاستسلام للمنطق الأمريكي الرسمي الذي يعتبر مسألة اللاجئين في حد ذاتها «وهما» لا بد من التخلص منه وهو ما سمعه مباشرة مسؤولون أردنيون في واشنطن، حيث يعني التخلص من هذا الوهم المفترض المساس الكبير ليس بمصالح وسيادة الأردن في الجزء المتعلق بتوطين اللاجئين فقط، ولكن الأخطر في الجزء المتعلق بحرمان الدولة الأردنية من حقوق التعويض مستقبلا جراء استضافة اللاجئين وليس فقط حقوق عودتهم، الأمر الذي يتطلب تحركات وقائية يمكن القول ان فعالياتها تجري الآن.