مع حلول شهر رمضان المبارك ووصولاً لأول أيام العيد، يتفنن باعة الحلويات الرمضانية التقليدية في أسواق مختلف المدن السورية بعرض بضائعهم والمناداة عليها، وهم يعلمون بأنها تشكّل جزءاً لا يتجزأ من موائد السوريين خلال هذا الشهر، في تقليد راسخ منذ عقود طويلة ومستمر حتى خلال سنوات الحرب.
“تازة تازة الناعم. قرب عالناعم يا ناعم. وقعت ولا رماك الهوى يا ناعم”، يهتف باعة أرغفة “الناعم” المغطاة بالدبس والمنتشرين في أسواق العاصمة دمشق وعلى أرصفة معظم أحيائها، وتختلط صيحاتهم مع أصوات المارّة والمتفرجين. وفي أسواق مدينة اللاذقية الساحلية، يتغنى باعة الحلاوة الطحينية بمنتجاتهم ويتداولون مثلاً شعبياً شهيراً هناك “كسيبة بسيرجها، الله يفرجها”. وشمالاً في حلب يهتف الباعة على حلويات الغزلة “حرير الليلة حرير” وعلى المعروك المحشو بالتمر أو القشطة “ياما عركوك بالليالي يا معروك”.
عبارات قديمة ربما، لكنها تحمل معانٍ باتت ملازمة للسوريين وهم يطلبون الفرج لبلادهم بعد أن عصفت الحرب بكافة أرجائها، وتبدو اليوم ملائمة لحالهم وأوضاعهم الاقتصادية الصعبة وقد عركتهم محاولات تأمين مستلزمات حياتهم اليومية، وأيضاً السعي للحفاظ على بهجة هذا الشهر وعاداته وتقاليده، وعلى رأسها مختلف أطباق الحلويات خاصة الشعبية والتي تبقى في متناول معظم العائلات رغم تدهور قيمة الليرة السورية وانخفاض الأجور وارتفاع معدلات الفقر.
المعروك والناعم والقطايف في دمشق
تحتل معجنات المعروك مكانة هامة على مائدة رمضان الدمشقية بشكل يومي تقريباً، ويُباع في معظم محال الحلويات والمخابز وحتى لدى الباعة الجوالين والموسميين.
والمعروك هو نوع من المعجنات التي تُحشى بالتمر أو السكر أو جوز الهند أو الزبيب أو الفواكه أو الشوكولا، وبعضها يُباع دون أي حشوة وإنما يغلف فقط بالسكر أو السمسم. وخلال السنوات الأخيرة، أخذت بعض المحال بالتفنن بالمعروك وتقديمه مع حشوات غير مألوفة، كالحلاوة الطحينية وحلاوة الجبن. ويتراوح سعر القطعة بين 300 و800 ليرة (أقل من دولار إلى دولار ونصف تقريباً) وفق الحجم وأيضاً حسب طبيعة المحل الذي يعرضها.
وإلى جانب المعروك، تُباع وفي كل أحياء دمشق تقريباً أرغفة الناعم الرقيقة والمغطاة بالدبس، والتي يسميها البعض “خبز رمضان السوري” وتعتبر من أهم تقاليد هذا الشهر في العاصمة وأقربها لقلوب الجميع، خاصة وأن سعر كيس الناعم والذي يحتوي على عدة أرغفة قد لا يتجاوز الدولار الواحد.
ويصنع الناعم من عجينة بسيطة قوامها الطحين والماء، وتّشكل على هيئة دوائر تُقلى في الزيت لمدة قصيرة ثم يوضع فوقها دبس العنب أو التمر، وهنا يبرع صانع الناعم برش الدبس مستخدماً شوكة خشبية كبيرة ومحوّلاً الرغيف لقطعة فنية صغيرة.
تشتهر دمشق أيضاً بصناعة القطايف، وهي عبارة عن قطع صغيرة أو متوسطة الحجم من العجين الذي يُشوى ثم يُحشى بالجوز أو القشطة مع الفستق الحلبي –ويُطلق على الأخير اسم قطايف عصافيري-، ويغمس بالقطر.
ويستمتع أهالي دمشق بزيارة الأسواق القديمة في باب الجابية وباب سريجة والميدان، والتفرّج على صانع القطايف وهو يملأ عبوة معدنية صغيرة بالعجين السائل المصنوع من الطحين والماء والخميرة، ثم يسكبه بمهارة في دوائر متساوية على الفرن الحديدي الساخن، ليحصل بعد لحظات على العجين لذيذ الطعم ثم يحشوه حسب رغبة الزبون، أو يبيعه دون إضافة لمن يرغب بحشوه في المنزل.
في حلب “قمر بالغيم”
تتشابه حلويات شهر رمضان في مدينة حلب شمال سوريا مع تلك الموجودة في العديد من المدن الأخرى، لكنها تتميز بأنواع لا تعرفها المناطق الأخرى أو ربما لا تنتشر فيها بشكل كبير.
من تلك الحلويات غزل البنات الذي يُقدم عادة على شكل خيوط متشابكة تصنع من السكر وتلون في بعض الأحيان بغير لون السكر الأبيض. أما في حلب فتتخذ هذه الحلوى شكلاً مختلفاً، حيث تُشد خيوط السكر لتصبح على شكل كتل متجانسة يطلق عليها أهالي المدينة لقب “شعر البنات” ثم تقطع وتُحشى بالقشطة أو الفستق أو الجوز أو اللوز وغيرها من أنواع المكسرات وتُقدم على شكل قطع منفصلة يفخر الحلبيون بأنها الرفيقة المميزة لموائد إفطارهم. ويصف الحلبيون الغزلة بأنها “الحلويات التي تظهر في أول يوم من رمضان، وتختفي مع اختفاء هلاله وبزوغ قمر شهر جديد”.
ويعرف سكان حلب أيضاً نوعاً من الحلويات يطلق عليها اسم “قمر بعبّ الغيم” ويعني “قمر وسط الغيوم”، وتصنع من طبقتين من عجينة الكنافة المشكّلة على هيئة دوائر، وتوضع بينها طبقة سميكة من القشطة والفستق الحلبي، ثم تغمس بالفستق الحلبي والقطر، لتبدو القشطة وكأنها القمر السابح بين الغيوم المصنوعة من خيوط الكنافة المتشابكة.
القرع والجزرية والكسيبة في اللاذقية
تبيع محال الحلويات في مدينة اللاذقية السورية الساحلية أنواعاً مميزة من الحلويات، قد تثير أسماؤها الدهشة والاستغراب لمن لم يتذوقها من قبل.
من تلك الحلويات “الكسيبة” وهي عجينة تصنع من السمسم بعد تحميصه وطحنه وعجنه مع الماء والملح، ومن ثم إضافة بعض التنويعات الاختيارية مثل التمر أو التين اليابس أو الحلاوة.
ونظراً لانخفاض سعرها نسبياً، حيث يمكن شراء كيلوغرام واحد منها بمبلغ ألف ليرة سورية (دولارين أمريكيين)، يُقبل أهالي اللاذقية على شراء الكسيبة والتمتع بطعمها الذي تمتزج فيه المرارة مع الحلاوة، خاصة على مائدة الإفطار حيث تخفف طراوتها من آثار العطش.
تشتهر اللاذقية أيضاً بحلوى القرع التي تعتبر خياراً قليل التكلفة حيث لا يتجاوز سعر الكيلو الواحد منها 1500 ليرة. وتصنع هذه الحلوى من نبات اليقطين الذي يُقشر ويُقطع ثم يُنقع ليوم كامل بمادة الكلس، ويُغسل بعدها ثم يُغلى لعدة ساعات مع القطر وأنواع معينة من التوابل.
وإلى جانب القرع، تعرف المدن الساحلية السورية حلوى الجزرية، والتي تصنع من الجزر المسلوق الذي يمزج مع القطر بعد تصفيته بشكل جيد من المياه، ثم يُغلى كذلك مع التوابل والمكسرات على نار هادئة. ورغم ارتفاع سعر الجزرية مقارنة بغيرها من الحلويات الشعبية، حيث يصل سعر الكيلوغرام الواحد منها إلى حوالي 5000 ليرة (10 دولارات)، إلا أنها تبقى من الحلويات المفضّلة لدى كثيرين من سكان اللاذقية.
وفي دير الزور حلويات من التمر
وبالتوجه شرق البلاد نحو مدينة دير الزور، وعلى غرار معظم المدن السورية الأخرى، تعتبر القطايف والمعروك من الحلويات الرمضانية الشهيرة، إضافة للعوامة والمشبك، وهي كذلك من أنواع العجين البسيط المشكّل على هيئة دوائر أو أصابع، والمقلي بالزيت.
ولا تكتمل مائدة السحور في دير الزور دون “الحنينة” والتي تصنع من التمر منزوع البذور والمقلي بالسمن العربي، والذي يُضاف إليه البيض في بعض الأحيان. وتتميز الحنينة بكونها ليست مجرد حلويات، وإنما أشبه بوجبة متكاملة ذات قيمة غذائية عالية تساعد الصائم على إكمال يومه دون مشقة أو تعب.