د. عبدالوهاب الأفندي(1) في مقابلة مع إذاعة البي بي سي مطلع هذا الأسبوع، دافع مسؤول صيني رفيع عن سجل الصين في الديمقراطية وحقوق الإنسان، فناقض نفسه، لأن حجته الثانية ألغت الأولى. كان خط دفاعه الأول هو الخصوصية الثقافية. فالصين بلد عريق له تقاليده وليس بحاجة لدروس من الغرب حول القيم. أما خط الدفاع الثاني فكان النسبية التاريخية: كم من مئات السنين استغرق الأمر دول الغرب حتى وصلت إلى ما وصلت إليه؟ امنحونا بعض الوقت، وسنكون مثلكم. أي بمعنى آخر: نحن أهل قيم عريقة وتقاليد راسخة، في التخلف!(2) كان من المفترض أن يكون هذا الأسبوع عرس آسيا، التي أصبحت عملياً نقطة الثقل في العالم. الرئيس أوباما حمل متاعه وقصد الهند واندونيسيا، ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون قصد الصين. كلا الرجلين يقصد كوريا الجنوبية للمشاركة في قمة العشرين. كلاهما كان يستصحب اليد السفلى وهو يقرع أبواب عمالقة الاقتصاد العالمي في آسيا يتسول الصفقات لدعم اقتصاد بلده المتداعي، بعد أن أصبح البقاء في السلطة رهن ما تجود به هذه الدول.(3) في الأسابيع الماضية كانت دول أوروبا الأخرى، وعلى رأسها المانيا وفرنسا، تتسابق على عقد الصفقات مع العملاق الصيني. وهذا بدوره أدى الى أن تخفت الأصوات التي تنتقد الصين وسجلها الإشكالي في مجالات حقوق الإنسان. وبالفعل فإن كاميرون أعلن بوضوح وهو يتجه إلى الصين بأنه لن ‘يحاضر’ الصينيين، ولن يدخل معهم في مناكفات علنية حول الانتهاكات. وقد تعرض لهذا السبب إلى انتقادات حادة من المعارضة والإعلام ومنظمات حقوق الإنسان.(4) إلا أن آسيا والصين كانتا في موقع الدفاع لا الهجوم، كما ظهر من اعتذاريات المسؤول الصيني، وأيضاً من ردة الفعل الغاضبة على منح ناشط حقوقي صيني معتقل (ليو تشياو بو) جائزة نوبل للسلام هذا العام. فقد ردت الحكومة بمرارة وغضب، حيث قطعت كل الاتصالات عن زوجة الرجل ومنعت محاميه من السفر إلى الخارج، ومارست الضغوط على دول العالم حتى لا تحضر حفل منح الجائزة.(5) أما الهند المجاورة، وهي اليوم تحتل الرقم 11 بين عمالقة الاقتصاد العالمي، فإن تقريراً دولياً صنفها رقم 66 بين أسوأ 88 دولة تعاني من الجوع في العالم. فهناك أكثر من مئتي مليون شخص يعانون من الجوع وسوء التغذية، التي فاقت مستوياتها الدول الأفقر في افريقيا. ويعيش مئات الملايين في الهند على أقل من نصف دولار في اليوم.(6) ليس لدى ماينمار المجاورة للهند أي ادعاءات حول متانة الاقتصاد أو الديمقراطية. فالبلاد تحكمها عصبة من العسكريين الانغلاقيين منذ الستينات. وقد حاولوا في نهاية الثمانينات مجاراة المد العالمي بوضع واجهة ديمقراطية، وفوجئوا بحزب معارض بقيادة اونغ سان سو تشي، ابنة زعيم سياسي راحل، يفوز بغالبية المقاعد في انتخابات عام 1990. وبدلاً من تسليم السلطة لها، قاموا بوضعها رهن الاعتقال المنزلي خلال العشرين عاماً الماضية. وقد أخذوا منذ ذلك الحين يتدربون على تزوير الانتخابات وحيل إقصاء المعارضين (ربما استقدموا مدربين عرب لهذا الغرض) حتى نظموا انتخابات هذا الأسبوع الهزلية التي ستكسبها الأحزاب الموالية لهم بغير منافسة.(7) ربما يقول قائل: أيهما أفضل للمواطن: ديمقراطية وجوع كما في الهند، أم دكتاتورية واكتفاء كما هو حال الصين؟ ولعل الإجابة تأتي من ماينمار، التي تعاني من الجوع والدكتاتورية معاً. وأيضاً من الاقتصادي الهندي المرموق الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، أمارتيا سن، الذي اثبت في دراساته أنه لم يحدث قط أن وقعت مجاعة في دولة ديمقراطية تعددية.(8) أبلغ من دافع عن مقولة الخصوصية الآسيوية كان زعيم سنغافورة الأسبق ومهندس ‘معجزتها’ الاقتصادية لي كوان يو. وكان لي قد أدار الجزيرة بحنكة واقتدار، ولكن بيد من حديد. وقد عضد ممارساته الأبوية بنظرية مفادها أن المجتمعات الآسيوية تختلف عن نظيراتها الغربية، وعليه فإن الديمقراطية الليبرالية لا تصلح لها. ولكن لا بد هنا من التذكير بأن طريقة حكم لي الأوتوقراطية لم تكن قمعية بمستوى الصين الحالية أو ميانمار، وإنما كانت أقرب إلى أسلوب جاره في ماليزيا مهاتير محمد، حيث توفرت حريات معقولة للتعبير والانتخاب، ولكن بطريقة مضبوطة دستورياً وعبر صفقات بين النخبة.(9) إن ما يضعف آسيا أمام الغرب، وأضعف في السابق الموقف العربي رغم الثروات النفطية الطائلة، وجعل آسيا تقف أمام أوروبا موقف التلميذ والمعتذر رغم إنجازاتها الاقتصادية والاجتماعية، هو في نهاية المطاف هشاشة أوضاعها الداخلية. فليست الإشكالية هي عدم اقتناع الغرب بقيمة الخصوصية الآسيوية، بل عجز النخب عن إقناع أهل البيت. ففي ماينمار قاد الرهبان البوذيون آخر موجة احتجاجات ضد السلطة القائمة، وتم قمعهم بأسلحة مستوردة من الغرب في الغالب. وفي الصين يعاني مواطنو البلد قبل غيرهم من متاعب حجب مواقع الانترنيت والحرمان من حرية التعبير والتنظيم.(10) في مقابلته مع الإذاعة البريطانية كرر المسؤول الصيني ذريعة أن نضج الديمقراطيات الغربية احتاج مئات السنين، فطفق المذيع يسأله: كم إذن في نظرك تحتاج الصين لكي تصبح ديمقراطية؟ مئة عام؟ راوغ الرجل وتهرب من الإجابة، وإن كان أكد أن الديمقراطية الكاملة هي هدفهم النهائي. مهما يكن فإنه خلال هذه المئة عام (أو أي فترة آخر يختارها المسؤول) ستستمر الصين في فعل ما يفعله العرب، وهو أن تبذل من حر مالها لدول الغرب كأتاوات لشراء سكوتها على سجلها غير النظيف في قمع مواطنيها. فهناك منطق غلاب يقول بأن استعباد الشعوب ينتج عنه بالضرورة استعباد الدول والحكومات التي تفرح بوضع شعبها في الأغلال فتجد نفسها في نفس المحبس.