ممارسة القسوة إذ تجتاح بلاد العرب

حجم الخط
2

من الظواهر التي تتميَّز بها الحياة السياسية العربية في مختلف أشكالها ومستوياتها التنظيمية ظاهرة القسوة المفرطة التي تصل أحياناً إلى ممارسة ساديّة سوداء. ولأنَّ قسوة القلب صفة مبتذلة فقد دان القرآن الكريم أصحابها بشدَّة، بأن جعلهم من الذين لا يشعرون بوجود اللَّه ومراقبته في حياتهم، وهو وضع قريب من الكفر (ولا تكونوا كالذين قست قلوبهم نسوا اللَه فأنساهم أنفسهم)، ونسيان النفس يعني غياب الضمير الواخز المنبٍّه المانع من ممارسة الشرور.
من المؤكد ان ممارسة القسوة تبدأ في محيط العائلة، أحياناً باسم التربية، أحياناً باسم رجولة الأب، وأحياناً بأسم خوف الأم. وهي ظاهرة على اشدًّها في البيئة العائلية التي لا تؤمن بالأخذ والعطاء مع الأطفال، وإنًّما تؤمن بالأوامر والطاعة العمياء والعروش التي يتربًع عليها الآباء والأمهات باسم مكانة وقداسة الوالدية. لكن الضَّرر هنا محدود ومؤقًّت في غالب الأحيان.
أما ممارسة القسوة، باسم هيبة الدولة أو الجيش أو القائد الملهم أو الحزب الطليعي أو الفقه المتخلف، فانها فاجعة أخلاقية من جهة وعدوى مرضية تنتشر وتقود إلى أشد وأحياناً أقبح ردود الأفعال. هنا لا نتعامل مع أطفال لاحول لهم ولا قوة كما في العائلة وإنًّما مع جموع قادرة وقابلة لارتكاب الحماقات.
دعنا نمعن النظر في الحياة السياسية العربية. هنا لا تختلف الأحزاب أو المنابر الإعلامية أو مؤسسات المجتمع المدني مع بعضها البعض بروح الأخذ والعطاء والاحترام المتبادل وتقليب وجهات النظر، إنًما تختلف بكل تمظهرات القسوة الفجَّة المتوحَّشة : تشهير بالخصم وكذب عنه، شتم وتجريح سوقي، دعوة علنية للتهميش والإستئصال، تجييش لكل غرائز السلطة للبطش بالخصم، حملات شيطنة للمختلف معه إلى حدود الفحش. لا تبقى كلمات بذيئة في القواميس ولا نكت مبتذلة ولاغمز ولمز إلاً ويتمُ استعمالهم بحرفية أين منها حرفية غلوبلز الألماني أو مكارثي الامريكي على سبيل المثال.
لكن تلك القسوة المعنوية الظالمة يمكن التعايش معها، إذ تدريجياً بالعقل وصحوة الضمير واستنفار فضيلة الخجل من النفس الأمَّارة بالسوء يمكن التغلُّب شيئاً فشيئاً على فحشها. أما ممارسة القسوة المادية الدموية الإجرامية التي بدأت تنتشر كظاهرة مرعبة في أرجاء الوطن العربي فانها تمثًّل تحولاً سياسياً واجتماعياً خطيراً ماعاد بالإمكان الصبر عليه أو السُّكوت عن جرائمه. نعني بذلك ممارسات تتمثل في تفجير شاب نفسه في حشد من المصلًّين أو تفخيخ سيارة لتنفجر في أناس أبرياء عابرين، أو استعمال أفتك الأسلحة لتدمير القرى والمدن على رؤوس ساكنيها من غير المحاربين، أو في تعذيب الخصوم من المساجين والأسرى بشكل ممنهج مقزٍز شيطاني حقير.
هذه الأمثلة تحدث الآن يومياً، لا باسم الإيديولوجيات التي تعلًّم حاملوها من عبر الماضي المريرة، ولكن باسم الإسلام، دين الرحمة والتسامح، وباسم الأمن والإستقرار المصطنعين. لقد وصلنا إلى مرحلة أن العالم كله لا ينام ولا يصحو إلاً على أخبار الجنون والعبث والقسوة الوحشية التي تحرق الأخضر واليابس في وطن العرب وعالم الإسلام.
يتطلًّع الإنسان من حوله ليرى ما الذي نفعله لايقاف تلك القسوة اللاإنسانية. في الواقع، نفعل القليل القليل. دعني أذكر مثالاً واحداً.
ينتظر الإنسان، بعد كل مذبحة ترتكب يومياً في مسجد أو شارع أو ساحة حرب أو سجن أن يطلً الفقهاء من شاشات التلفزيون في نفس اليوم ليقولوا بدون أية غمغمة بأن الشباب أو المسؤولين الذين يمارسون هذه الهمجية، باسم الشهادة ووعد دخول الجنة أو باسم حماية الوطن، يخالفون شرائع الله وأقوال رسله ودساتير بلدانهم وكل حقوق الإنسان.
ينتظر الإنسان أكثر من ذلك: أن تصدر فتاوى رسمية لا تدين فقط ولكن تكفًّر من يرتكب تلك الجرائم والموبقات وهو كاذب على الله وقرآنه ورسله وشرائع الإنسانية.
ينتظر الإنسان خروج الملايين في الشوارع وهي تندد وترفض كما تفعل لأسباب أقل أهمية بكثير. لكن ذلك لا يحدث لأن ممارسة القسوة بكل أشكالها ماعادت تعتبر رذيلة ممقوته يكرهها البارئ الأعلى وبالتالي تستحق الإجتثاث من عقولنا ونفوسنا ومجتمعاتنا، بل العكس: إننا نؤسِّس فلسفات إيديولوجية واجتهادات فقهية ومدارس إعلامية لتبرير وزرع تلك الرذيلة في عقل الإنسان العربي.
ما يحدث الآن في العراق وسورية ولبنان واليمن ومصر وتونس وغيرهم من بلدان العرب سيرسِّخ التعوُّد على القسوة وتحجُّر القلب طيلة قرون قادمة. نحن أمام مصيبة كبرى جديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية