نهى المصري ‘شعورنا بالأمان’ كشعوب عربية وإن كان في الأساس منتهكا بفعل خروقات تاريخية وسياسية، لازمتنا لعقود،غير أن عملية القضاء التام على هذا المعطى بعد تقويضه باتت اليوم مفضوحة بشكل مؤلم، ربما لأن الهوة التي صنعها اغتصاب فلسطين في كيان أمتنا والتي عمقــتها ممارسات أنظمة دكتاتورية داست على رقابنا، باسم المقاومة والممانعة، تزداد اليوم اتساعا مع كل قطرة دم تراق من جسد سوري، على أيدي ممانع مقاوم وهنا تكمن قمة المأساة، ليس فقط لأن اللعبة تضع خواتمها بل لأن نهاية المسلسل تكشف أن بطل الملحمة مجرد أخرق وان العدو وإن كان واحدا لكنه ليس الأوحد، فالأقنعة سقطت وبالرغم من ذلك فالعرب منقسمون ما بين مستلب بمنـــتج المقاومة، وفاقد للأمان بعد سقوط اليقين الذي قوضته الاصطفافات التي احدثتها الأزمة السورية، في حين ان المشهد على المستوى السياسي يتوزع باقل تقدير بين محورين، في المحور الأول هناك منظومة المقاومة التي تقف اليوم ضد نفسها بعد ان داست على شعاراتها التي تمحورت يوما حولها أحلام الملايين ولعقود قبل أن يسقطها وبسرعة البرق دعمها لوحش دمشق بل تعدى الأمر الدعم الى وصم كل من لا يحذو حذوها بربقة الخيانة والعمالة، وكأن للطريدة مأمن بين فكي مفترس. بفعل هذه الهلوسات تزعزع عرش المقاومة وتمزقت مصداقيتها والخسارة بفعل هذا الانهيار كبيرة ليس فقط على المقاومة واتباعها بل ايضا على عشرات آلاف البشر ممن اعتمدوا على مقياس ‘حسن نصرالله’ ليسترجعوا معنى الكرامة يوم هزم العدو الصهيوني شر هزيمة، هؤلاء اليوم يشعرون بالعري لأنهم تلحفوا لعقود بشعارات المقاومة التي حشدت الملايين لمناهضة العدو الاسرائيلي وها هي اليوم ترفع الشعارات نفسها وهي تظن بأنها قادرة بتلك العصا السحرية على توجيه شوارعنا وفق غاياتها كأن يتغاضى على سبيل التأكيد الشارع العربي عن جرائم سفاح دمشق وشبيحته وهم الذين ينحرون الاطفال ويغتصبون النساء ويقومون بتصفية الشباب والشيوخ وهدم البيوت فوق رؤوس قاطنيها بدم اسود لماذا لأن كل هؤلاء تجرأوا على النطق بشهادة الحرية أمام من أضاع من عمرنا حقبة بعد أن صدقنا وهم أنه محرر فلسطين من الرجز الصهيوني اذا نحن أمام من ينادي بكل صلف ‘لا حرية لكم الا وفق معاييري’ دون أن يعي انها العبارة المقبرة التي ستدفن كل هرطقاته المعيارية التي غزت قلوبنا لعقود كى نكتشف اليوم أن شوارعنا العربية تخدرت بفعلها لكنها لم تتراصف ولم تتحد يوما عبرها، لذا من يخشى الانسحاب من تلك المنظومة المتهاوية بعد أن تبين أن صلاح الدين لا يسكن الضاحية بعد اليوم ،أقول له أن لا مساحة للمفاضلة بين شرين سيما ان الحلال بين والحرام بين، ناهيكم عن أن فهم الآلية التي يعمل وفقها العدو وإدراك اهدافه أمر ليس متعثرا مادام عالمنا اليوم يترنح بين عدوين، الأول ناصب العداء لنفسه يوم داس على ما تبقى من مبادئه والآخر يقف على الضفة الأخرى متسلحا بخطط تنتظر احتراق منظومة المقاومة بعد زلزال حزبها علما أن رصد الأضرار ما زال متعثرا على حزب الله نفسه ربما لأن معركة الوجود ليست مقتصره عليه وحده فهي تشمل إيران وإسرائيل يتخللها تداخل مصالح كل من روسيا والصين من جهة وامريكا وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى اذا حرب قد تصبح إقليمية بأقل تقدير على أرض سورية قد لا يتبقى بعدها الكثير لقوله او للدفاع عنه أوحتى لتبريره، لذا مهما كانت نتائج هذه الحرب ووساطتها سواء أكانت بالمدافع المباشرة ام بالوكالة فالمحصلة واحدة سيما أن شعوبنا العربية مستلبة الوجدان والكينونة، بسبب تحولها الى شاهد زور على مايشبه التطهير المذهبي الذي مازال يرتكب بحق الشعب السوري هذا من جهة، ومن جهة أخرى بسبب سقوط القدوة الذي أفقدته حجم المأساة السورية براعته ومصداقيته على الأقل لدى الكثير من بعض حيث تبين أن صورة العملاق ماهي سوى خطأ تقني في اختيار الزاوية المضاءة التي سلطت عليه لفترة، اذا الخسارة واقعة مهما فعلنا حتى وإن استخدمنا النوايا كمبرر لأنها لن تخدم لا ايران ولا حزب الله الذي اعلن أمينه العام مرات عدة أنه يتصرف وفق ‘موانعه الشرعية’ والتي لن يتم النظر إلينا الا وفقها، ولن نعرف كنهها مهما تجمع لدينا من معلومات، بسبب الخلط وضياع الحدود لديهما بين ماهو ديني وماهو سياسي بأقل تقدير، في المقابل هناك الغرب الذي ينظر إلينا من خلال مقياس رأسمالية الكـــوارث القائم على المبدأ القائل بأن ‘الأزمة فقط هي التي تنتج تغييرا حقيقيا’ وهو الأمر الذي تناولته نعومي كلاين في كتابها ‘العقيدة الصدمة’ حيث قامت بتعرية التاريخ السري للسوق الحرة الذي يعتبر أن أي أزمة أو كارثة هي بمثابة فرصة كى يقوم السياسيون بتسويق كل أجندات سياساتهم المؤلمة، قبل أن يتمكن الناس من استعادة وعيهم، وذلك من خلال التمسك بأفضل الطرق والتوقيت لترويج أفكار السوق الحرة الراديكالية ،انطلاقا من فكرة أن الصدمات تلين مجتمعا بأكملة وتشوشه، اذا استغلال الكارثة سواء أكانت طبيعية أو من صنع البشر هو عقيدة صانعي سياسات السوق الحرة وصبيتهم. من الواضح أننا أمام معركة تسعى لخلق نفوس نكرة، تقبل بأي خلاص بفعل يأسها وعلى مايبدو هذا هو حالنا اليوم، ولكن هل هذا يعني أننا جاهزون للدخول الى سوق النخاسة من خلال لوحة معلقة حول رقابنا تقول ‘إشترى العبد والعصا مجانية؟ أم ان الوقت قد حان لإحداث تغيير ما بالرغم من براعة عدونا؟. علينا ان نعي وحسب رصد نعومي كلاين أن هناك أشكال مختلفة لممارسة الصدمة التي يستخدمها السياسيون لتطويعنا ‘كالصدمة الاقتصادية’ عملا بالمثل القائل ‘جوع كلبك بيلحقك’ أو ‘صدمة الجسم’ عن طريق الصعقة الكهربائية والتي قد تؤدي الى فقدان االذاكرة، وهناك ايضا استعمال العقاقير الذي مورس في مختبرات جامعة ماكغيل الكندية بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية الامريكية وذلك لفهم وإحداث طرق التعذيب الجسدية والنفسية التي تؤدي الى تدمير الشخصيات وارتدادها الكلي ،حيث يتحول الهدف من شخصية رجل بالغ الى شخصية طفل أي غسل ادمغتهم وجعلها ناصعة البياض لكى تكون قابلة لكل أضافة ،بهدف السيطرة ،اذا من الواضح أن سياسة الأوراق البيضاء هي حاجة لأصحاب الياقات البيضاء كى يمرروا مشاريعهم بأي ثمن، لهذه الغاية وضع دليل طرق التعذيب التي مورست ضد معتقلي سجن غوانتنمو وسجن أبو غريب ولعل الأمر المقزز هــــو ما ذكـــرته تسريبات ويكيليكس حول أن الرئيس الامريكي السابق بوش الابن كان يستعين بالسجون السورية عبر أرسال السجناء المهمين اليها كونها قادرة على سحب الاعترافات بسبب فعالية طرق تعذيبها، قد لا نعرف من المستفيد الاكبر من هذا التعاون ولكن لا يهم بعد ان تبين ان الطرفين يعرفان جيدا أن ‘صدمة التعذيب’ هي آلية مساندة للعاجز عن ارتقاء أجندته ديمقراطيا من خلال إحداث صدمة، ولعل المبكي في الأمر أننا قبلنا أن نتحول بين أيدي تلك الأنظمة المنافقة الى أكياس رمل لا يستفاد منا الا كعوائق في أفضل الأحوال لذا و في ظل هذا التماهي بين من ناصب العداء لنفسه وهو يهذي بفقه المقاومة، وبين الغرب الذي لا يسبح الا بحمد مصالحه لن يتبقى لنا الا هذا الاصرار الجبار للمواطن السوري على حريته الذي خرج آلاف المرات بصدر عاري ليصرخ ‘ماالنا غيرك يا الله’ كمرجعية، ربما لأن تجربة فلسطين على مرارتها لم تتمكـــن من لعــب هذا الدور لأن قـــادتها تحولوا بفعل السمسرة من مقاومين الى مقاولين قـــبل أن ينـــتهي بهم الأمر كمزارعين في حقول الكوارث يزرعون الرياح ويحصدون العواصف في حين أن القضية مرهونة بثمن بخس ولا تجد من يفك رهنــــها، لذا وكى لا تدخـــل الثـورة السورية ذاك الدرك وكى لا تتفرق قوانا بين شتاتين علينا أن نعي متطلبات المرحلة المقبلة. قد لا نعرف كم حرب سنخوض كى تصبح علاقتنا بالحرية كعلاقة الروح بالجسد علاقة مصيرية غير قابلة للتجزئة وقد لا نعرف كم من مرة سندفن رؤوسنا بالرمال خوفا من مواجهة حقائق تتطلب منا مواقف ومراجعات نحن أضعف من الاقرار بها، لكن علينا اليوم أكثر مما مضى معرفة أي نعم نريد، ووفق أي ‘لا’ تكمن مصالحنا، كيف نصبح رقيبا على من يفترض به رعاية حرياتنا عندها فقط لن تكون تضحياتنا مجانية، حينها فقط تستحق فلسطين ان تكون أرضنا لأننا سنكون قادرين على حمايتها ،عندها فقط لن نقبل ظلم أحد كى لا نصبح ضحايا بتاريخ مؤجل، لأن المحافظة على الدول كما بتنا نعرف وكما يقول ميكافيللي أمرلا يتم بالكلام فقط فهل شعوبنا جاهزة لتحدي كهذا؟ إعتقد أن من لم يفهم اليوم ويعي سيكون غده دون ملامح ومن لم يلحق بقطار الرحلة الأخيرة كان الله في عون براغيثه.’ كاتبة من فلسطين