حاورها: عبد الحميد صيام
فرجينيا غامبا من مواليد الأرجنتين عام 1954. درست في بوليفيا وسويسرا وإسبانيا، وتحمل شهادة الماجستير في الدراسات الاستراتيجية من الكلية الجامعية في ويلز. في 15 آب/أغسطس 2015 عين الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، غامبا على رأس مجموعة الخبراء التي كلفها مجلس الأمن التحقيق لكشف المسؤولين عن شن هجمات كيميائية في سوريا تحت اسم “لجنة التحقيق المشتركة”. وعملت غامبا قبل ذلك مديرة مكتب شؤون نزع السلاح في الأمم المتحدة. وفي عام 2017 قام المندوب الروسي باستخدام الفيتو لإنهاء عمل “لجنة التحقيق المشتركة” في سوريا.
في 12 نيسان/أبريل 2017، عيّن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فرجينيا غامبا ممثلةً خاصة له، معنية بالأطفال والنزاعات المسلحة برتبة وكيلة أمين عام، خلفا للجزائرية ليلى زروقي، التي أثارت حنق إسرائيل لأنها أدرجتها ضمن قائمة العار للدول والجماعات التي تنتهك حقوق الأطفال. وقد أضيفت لها في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مسؤولية مؤقتة وهي “مستشارة الأمم المتحدة لمعاهدة منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها” بعد إقالة أليس أندريتو الكينية التي اتهمت بالانحياز للرواية الإسرائيلية تماما.
وستغادر غامبا الأمم المتحدة بتاريخ 31 تموز/يوليو الحالي. وتستعد للترشح لمنصب الأمين العام العاشر والذي سيكون من نصيب دول أمريكا اللاتينية بعد انتهاء ولاية الأمين العام الحالي، أنطونيو غوتيريش، بتاريخ 31 كانون الأول/ديسمبر 2026.
أُنشئت ولاية الممثل الخاص المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة من قِبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 1996 لتعزيز حماية الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة، ورفع مستوى الوعي العام بمعاناة الأطفال في مناطق الصراع، وتشجيع جمع المعلومات حول محنة الأطفال المتضررين من الحروب، وتوطيد التعاون الدولي لتحسين سبل حمايتهم.
وتابعت الجمعية العامة تجديد ولاية الممثل الخاص المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة باعتماد قرارات لتوسيع الولاية لتشمل رصد الانتهاكات ومراقبتها وإضافة قائمة بأكثر المنتهكين من الدول والجيوش والجماعات المسلحة التابعة للدولة أو التي تعمل خارج إطار الدولة وهو ما اصطلح على تسميتها “قائمة العار”.
اعتمد مجلس الأمن القرار 1612 (2005) الذي أضاف خانة جديدة لمجموعة الانتهاكات وهي”منع وصول المساعدات الإنسانية إلى الأطفال” ضمن الانتهاكات الجسيمة الستة.
في 20 حزيران/يونيو 2025 صدر التقرير الأخير الذي يغطي الفترة من كانون الأول/ديسمبر 2023 إلى نهاية كانون الأول/ديسمبر 2024. ويذكر التقرير أن هذا العام شهد زيادة في الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال بنسبة 25 في المئة، حيث ارتفعت من 32990 حالة انتهاك عام 2023 إلى 41370 حالة عام 2024. ويُعد هذا الحجم من الانتهاكات أعلى عدد من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال في النزاعات المسلحة منذ بدء ولاية الأطفال والنزاعات المسلحة قبل نحو 30 عاما. وتشمل هذه الأرقام 25 دولة أو منطقة. وتشمل الانتهاكات التي يدرجها التقرير تجنيد الأطفال واستخدامهم، والقتل والتشويه، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والاختطاف، بالإضافة إلى الهجمات على المدارس والمستشفيات، ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى الأطفال، وهي الانتهاكات الستة الجسيمة ضد الأطفال في النزاعات المسلحة كما حددها مجلس الأمن الدولي.
لقد أثيرت عدة انتقادات للتقرير الحالي وخاصة ما جاء في الجزء المخصص عن الأراضي الفلسطينية المحتلة وبالتحديد ما يجري في غزة من استهداف للأطفال. وفي جلسة مجلس الأمن التي خصصت لمناقشة التقرير وامتدت ليومين (25 و 26 حزيران/يونيو) وشارك فيها 95 متحدثا، تعرض التقرير لانتقادات حادة خاصة من السفير الجزائري عمار بن جامع، ما دفع بغامبا لمغادرة الجلسة.
ولكثرة ما أثير من نقد وتعليقات حول التقرير أجرينا الحوار التالي مع غامبا، وفي ما يأتي نصه.
■ نبدأ بالأرقام الذي تضمنها التقرير حول عدد الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا خلال 2024 في غزة والضفة الغربية والقدس. كيف يمكن أن يقبل أحد مثل هذا الرقم 1259 وقد يكون هذا الرقم أقل مما يقتل في شهر واحد. توم فليتشر (منسق الشؤون الإنسانية) ذكر الرقم 17000 وغيره ذكر الرقم 13000 والرقم الحقيقي قد يكون أكثر. كيف تفسرين هذه الأرقام؟
■ جميع المعلومات المذكورة في تقرير الأطفال والنزاعات المسلحة تتحقق منها الأمم المتحدة وفقًا لمعايير الرصد والإبلاغ التي تشارك فيها وكالات الأمم المتحدة معًا، بعد تدريبها كمراقبين لآلية الرصد والإبلاغ، وفقًا لقرارات مجلس الأمن. إنه نظام تحقق لتقييم صحة ودقة الانتهاكات المبلغ عنها، وتحديد مرتكبيها. الأرقام الواردة في تقرير الأطفال والنزاعات المسلحة متحقق منها من قبل الأمم المتحدة، وبالتالي لا تمثل سوى غيض من فيض أو الحد الأدنى، وغالبًا ما يكون ذلك بسبب قيود الوصول إلى المعلومات الدقيقة والقيود الأمنية. من المرجح أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بكثير، وتواصل الأمم المتحدة العمل على عدد كبير من الحالات المبلغ عنها للتحقق منها، بما في ذلك الحالات التي وقعت في فترات إعداد التقارير السابقة. على سبيل المثال، تخضع حالات مقتل 4470 طفلًا في قطاع غزة عام 2024 للتحقق من قبل فرق الأمم المتحدة. أنا لا أخترع الأرقام ولا أخفيها أو أغيرها. وظيفتي أن أجمع المعلومات من الميدان. والمعلومات التي أضعها في التقرير هي المعلومات التي تأتي من الجهات الرسمية للأمم المتحدة، ولكننا نتبع منهجية دقيقة قد لا ترضيني شخصيا.
■ ألا ترين أن إسرائيل قد تستخدم هذه الأرقام للادعاء بأنها لا تقتل عددًا كبيرًا من الأطفال كما تؤكد وكالات الأمم المتحدة الأخرى؟
■ هذا سؤال موجه لإسرائيل. كما ذُكر، فإن المعلومات الواردة في تقرير الأطفال والنزاع المسلح مُتحقق منها من قِبل الأمم المتحدة، وبالتالي فهي لا تُمثل سوى الحد الأدنى، وغالبًا ما يُعزى ذلك إلى قيود الوصول والأمن. ومع استمرار التحقق، يزداد العدد. بالإضافة إلى ذلك، تم التحقق من 2789 انتهاكًا جسيمًا وقعت في عام 2023 في قطاع غزة (2788) وفي إسرائيل (انتهاك واحد). تُدرج القوات المسلحة وقوات الأمن الإسرائيلية في قائمة قتل وتشويه الأطفال بناءً على المعلومات التي تحققت منها ونسبتها الأمم المتحدة.
■ لماذا لم تقبلوا عمليات التحقق من وكالات الأمم المتحدة الأخرى، مثل اليونيسف، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وبرنامج الأغذية العالمي، ووكالة إغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (أونروا) إلخ. يُوثّق كل طفل مقتول بالاسم الكامل والصورة وبطاقة الهوية الصادرة عن إسرائيل فقط مع رقم تسلسلي؟
■ لا نستطيع أن ندخل مكاتب ومنظمات الأمم المتحدة العديدة في عمل مكتب الأطفال والنزاعات المسلحة. هذا مكتب له صيغة سياسية. معلوماتنا تأتي من الميدان فقط. طلبنا التعاون مع المنظمات الأخرى العاملة على الأرض لكن كل مكتب له أولوياته وخاصة إيصال المواد الغذائية لإبقاء الناس على قيد الحياة، فعمل مكتبنا لا يهمهم. الجواب السريع على السؤال هو أن تتصل بمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية ويونسيف وأونروا فهم يحدثون أرقامهم بشكل دوري، فبدل أن تقارننا بهم، يجب أن تهتم بولايتنا. إننا نتبع ولاية موضوعة قبل 30 سنة ونحن مضطرون أن نتبع سياسة التحقق هذه. ونحن نتبع ما يتحقق منه موظفونا في الميدان، ونحن فخورون بهم لأنهم تمكنوا من التحقق من حالات القتل في السنتين الماضيتين أكثر من أي وقت مضى، وخاصة في غزة. كل مكتب يعمل حسب الولاية التي منحت له سواء من مجلس الأمن أو من غيره. نحن نتبع الولايات التي أقرها مجلس الأمن، ونريد أن تتعاون معنا إسرائيل لتسهيل عملية التحقق. نحن لا نعني أن هذه الأرقام نهائية، إننا نعمل على التحقق من أرقام سابقة وسيكون هناك تحقق من أرقام نهاية عام 2024. نعم أوافق أن غزة من أسوا الأماكن فيما يتعلق بانتهاك حقوق الأطفال في السنوات الأخيرة، وأن الـ 41179 انتهاكا التي تضمنها التقرير لعام 2024 منها 20 في المئة حدثت في غزة.
■ لماذا لم تشمل قائمة مُرتكبي الانتهاكات من الجهات الحكومية مثل الشاباك وفرق المستعربين (الذين يدّعون أنهم عرب ويتسللون إلى المخيمات الفلسطينية)؟ لقد تسسلوا إلى داخل مستشفى في جنين وارتكبوا جرائم فظيعة ومن بين ضحاياهم الأطفال.
■ يتخذ الأمين العام قرارات الإدراج بناءً على الأنماط والاتجاهات والظروف الخاصة بكل حالة. لم تُنسب أي حوادث مُتحقق منها إلى الشاباك الإسرائيليين أو المستعربين وفقًا لمعايير آلية الرصد والإبلاغ.
■ لماذا لم تشمل القائمة المستوطنين الإسرائيليين؟
■ يتخذ الأمين العام قرارات الإدراج بناءً على الأنماط والاتجاهات والظروف الخاصة بكل حالة. مع ذلك، فإن تزايد الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال التي يرتكبها المستوطنون أمرٌ مثيرٌ للقلق. وقد وُثِّقت معلوماتٌ عن حوادث ارتكبها المستوطنون في التقرير السنوي الأخير للأمين العام بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة، وأعرب الأمين العام كذلك عن قلقه إزاء الهجمات التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون على الأطفال الفلسطينيين، بما في ذلك بالقرب من قوات الأمن الإسرائيلية وبدعم منها. كما كرر قلقه البالغ إزاء استمرار الاستخدام المفرط للقوة خلال عمليات إنفاذ القانون، بما في ذلك العمليات العسكرية المتزايدة، في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وكرر التأكيد على أن قوات الأمن يجب أن تمارس أقصى درجات ضبط النفس وأن تستخدم القوة المميتة عمدًا فقط عندما يكون ذلك لا مفر منه تمامًا كملاذ أخير. كثير من هذه الجماعات التي ترتكب الانتهاكات مثبتة في التقرير من بينها المستوطنون وجماعات أخرى، أما من يتم وضعه في القائمة الملحقة بالتقرير لأكثر الجهات انتهاكا لحقوق الأطفال فهو أمر متروك للأمين العام فقط.
■ هل حاولت زيارة غزة خلال الفترة الماضية، علما أن العديد من المسؤولين الأمميين قاموا بمثل هذه الزيارة للاطلاع على الأحوال من الميدان؟
■ نعم، حاولت عدة مرات. لكن يجب أن تعرف أن هناك نظاما واحدا للأمم المتحدة. أنا، كما تعرف، أعمل برتبة وكيل أمين عام، وهذا منصب يتطلب ترتيبات وبروتوكولات خاصة بأمن أي وكيل عام أثناء السفر. وفي حالة غزة ففي السنتين الأخيرتين كل أجهزة الأمم المتحدة أصبحت منشغلة في أوضاع غزة خاصة الإنسانية، وعلى المسؤولين في الأمم المتحدة وخاصة من الناحية الأمنية أن ينظموا هذه الزيارات بشكل منسق كي لا يكون هناك أكثر من مسؤول في الميدان في نفس الوقت. في حالتي طلبت أربع مرات زيارة غزة وقد رُفضت التأشيرة أحيانا وفي حالات أخرى فضلت أن يقوم أحد مساعدي بزيارة غزة بدلا مني. ربما كان عليّ ألا أقبل ذلك وأقوم بالزيارة بنفسي، لكن نحن دائما نقدم الإنساني على السياسي لأسباب تعرفها، وهذا ما اقترحه كبير منسقي الشؤون الإنسانية وتقبلت الاقتراح.
■ أصدرت بيانا يوم 22 أيار/مايو بصفتك المستشارة الخاصة بالنيابة المعنية بمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، يدين بأقسى العبارات مقتل إثنين من دبلوماسيي السفارة الإسرائيلية في واشنطن العاصمة مساء 21 أيار/مايو، علما أن الأمين العام وممثله لموضوع معاداة السامية والإسلاموفوبيا، أنخل ميغيل أموراتينوس، أصدرا بيانين يدينان هذه الجريمة. اعتقد أن تلك الجريمة ليست من اختصاصك. ثم بعد يومين أصدرت بيانا خفيفا يخلو من أي إدانة حول أطفال غزة ومنع وصول المساعدات بصفتك ممثلة الأمين العام للأطفال والنزاعات المسلحة. بيان شديد حول جريمة قتل دبلوماسيين إثنين، وبيان يخلو من أي إدانة لمقتل آلاف الأطفال في غزة. كيف تفسرين هذا الموقف؟
■ دعني أذكر أن الأمين العام كلفني بشكل مؤقت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بمنصب مستشارة الأمم المتحدة حول اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وهذه الوظيفة تشمل مسألة معاداة السامية ومعاداة الإسلام “إسلاموفوبيا”. كما أنني أترأس لجنة مكافحة جريمة الكراهية. وقد شاركت مؤخرا في أكثر من 15 نشاطا يتعلق بجريمة الكراهية. أشكرك لأنك تابعت دوري الآخر وهو أمر صعب أن يقوم مسؤول واحد بالدورين معا. لقد استطعت أن أتحمل المسؤولية في الولايتين. وكما تعرف أن الولايتين مختلفتان. آسف أنك قمت بالمقارنة بينهما علما أن الموضوعين مختلفان ولا مقارنة بينهما. وآمل أن يكون سؤالك التالي متعلقا فقط بتقرير الأطفال والنزاعات المسلحة.
■ لماذا لم تدرج الهند في التقرير ضمن الدول التي تنتهك حقوق الأطفال؟ مع العلم أن الأطفال في منطقة جامو وكشمير المحتلة تعرضوا ويتعرضون للعديد من الفظائع؟ وكانت الهند عادة من بين الدول التي يتضمنها التقرير لغاية السنتين الماضيتين، كيف تفسرين ذلك؟
■ لم تدرج الهند في التقرير السنوي للأمين العام بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة للسنتين السابقتين. يجوز للأمين العام أن يُقرر إدراج حالة في تقريره السنوي بالنظر إلى خطورة الوضع، وبناءً على عدد الانتهاكات الجسيمة المُتحقق منها والمُبلغ عنها ضد الأطفال. تقوم الهند الآن بتدريبات قوية لحماية الأطفال، ولذلك رأى الأمين العام أن هناك تقدما في الهند ولم ير ضرورة لإدراجها في التقرير. ولكننا نراقب وقد نعود لإدراج الهند في المستقبل إذا تحققنا من عمليات انتهاك منظمة للأطفال.