ممدوح عدوان في ديوانه الأخير وعليك تتكئ الحياة : نبش في الجرح القديم

حجم الخط
0

خالد زغريت

قبل أن يرحل قال الشاعر ممدوح عدوان كلمته الأخيرة في ديوانه الأخير (وعليك تتكئ الحياة)، وكانت عطفاً علي بدايته الشعرية التي عرفت أنها صورة شغبه الفني والفكري ولغته الخاصة في تعرية الواقع والهزائم الذاتية والموضوعية للإنسان العربي دون خجل أو تقنيع بالحلم والأمل إنه يعاين مسيرة نضال ثقافي وسياسي وحضاري في ظلال أشخاص عاثوا به فساداً شعارياً ضاعف الشعور بالهزيمة الوجدانية أمام الحياة وتلك بؤرة فريدة للشعر الذي ينفجر متدفقاً حاراً جارحاً في ضفاف الفجيعة فيعينه ممدوح عدوان بشغب ووجع حتي أصبح شعره بحة ناي يطيح الأنين بالصوت ولايبقي في الصدي إلا رنينه الموجع، يصطدم بجدار الروح الزجاجي ويرتد سؤلاً يقطر حزناً، إن ممدوح عدوان لا ينعطف في ديوانه الجديد عن ماضيه الشعري ويجترح ضفافاً أخري بقدر ما يرتد إليه ليعمق نبشه في الجرح القديم، جرح تقهقر الإنسان العربي وحلكة وجوده، إنه يعلن حتي عن إفلاس الحلم:

ترافقنا علي لعبٍ فخبأنا الطفولة تحت أحجار ورحنا كي نصيد صباوكنا نمتطي حلماً يخب كريح صبا فتنا باحتمالات المعاني فافترعنا أوجهاً للحلم عبأنا الدني شغبا وعدنا لا الصبا معنا ولا تلك الطفولة أشبعت لعبا) لا يستحضر ممدوح عدوان نكسة الحلم وانهزامه بصورة مباشرة. إنه يقنع صورته في لوحة درامية تعمق بحكائيتها واقعية الهزيمة وإن كان الشاعر يدعو شعرياً إلي محاكمة المرحلة فإنه يبدأ بالبناء الشعوري في اكتشاف مسري الذات في الخديعة والوهم ولم يكن الوهم هنا إلا وليد تداني الذات عن حلمها وعبثها في خلق حلم أكبر من ضفافها لا لعجزها وقصورها بل للعجز عن تفجير طاقاتها في الأفق الملائم:

طال الطريق وقل زاد الطالبين لخيبر بابوللفردوس باب نفقت خيول وارتمت قدامنا الصحراء بحراً من يعلمنا السباحة في الرمال ومن سيرشدنا لنعرف أين تتجه الصعاب يصر ممدوح عدوان علي استنتاج رؤيته من وقائعية درامية تساهم في بناء موضوعية لها خروجاً بها عن الانفعال والشعاراتية اللذين أديا إلي خريطة الفجيعة الشعورية المتولدة من المرحلة، فالشاعر يبني فكرته عبر شعرية السرد الدرامي ويومض رؤيته الموضوعية في تفنيد الانكسار واستقراء مقدماته، فقد كان الطريق أطول من قدرة الخيل وعبر هذه الومضة فإن الفرسان الذين سقطوا في الرمال لم يعد يفيدهم فن الرماية لأنهم بحاجة إلي تعلم السباحة في الرمال وهو فن لم يألفوه. بهذه الصورة يحاكم ممدوح عدوان آلية مجابهة الحضارة والقضايا العربية المتخلفة عن الأسس العلمية التي يحتاجها العصر ويتعامل معها مما يجعل الانفعال أوجع فتكاً علي صاحبه من صراع العدو، إن ممدوح عدوان مشدود إلي فكرته التي يكتشف عبرها اغترابنا المر عن زماننا نتيجة فساد فهم المرحلة والتعامل معها:(رعف الزمان بنافكنا فيه أيتاماًوأنت أب يغيب وأنت أسي لا بد من طفح يفيض إليك)إنه جلد موجع للذات وتغن رثائي مر بهذا الجلد. إنه الندم علي المحايدة في اختزال حضارة أمة تمتد إلي ما قبل التاريخ بأمجادها وإنجازاتها أن تكون رعفاً ويصبح أبناء هذه الأمة أيتاماً، فقصيدة ممدوح عدوان تمسرح الواقع العربي المتردي بشغب ناقد: إن ثبتوا علي الكرسي قد لذ في أفواههم طعم الخنوع فقصقصوا أخلاقهم ليوائموا ضيف المقاس نشف الزمانفباض شيطان النفاق ودب بين جحورهم.. هم أصبحوا نصبا من الثلج ثم جئت إلي ظلامة جهلهم شمساً فذابوا قد أطلقوا غيم الخديعةيسترون به سنا النور الذي أترعت وهج النور للأعشي حجاب) يعمل المقتطع السابق علي إعلاء نبرة الإدانة والنقد للواقع السياسي إلي حد يصل معه النص إلي التعري من الفنية والتصفية الشعرية والرؤية ليصبح النص خطاباً نقدياً شعبياً بعيداً عن البلاغة الشعرية الجديدة التي لا نقصد بها تلك الغيومية الفنية التي تغمض القول وتشتت مقاصده إنما النص يدفعنا إلي التساؤل عن فحوي تبديد الشعرية في نص شعري، فمهما تكن الغاية نحن إزاء جنس إبداعي اسمه شعر، لا شك أن ممدوح عدوان ينقل الانفعال الذي يدينه إلي ذاته فيتساوق معه، إن الفن الشعري لدي ممدوح عدوان غير منسجم بوضوح مع فضاءات القصائد فهو تارة يصفو في دراما مسبوكة بفنية عالية وتارة أغنية تتردد بنقاء إيقاعي مصفي الشعرية وأخري هجاء سياسي فاقع وأحيانا ترميز يخالط الواقع فتتداخل حدود الرمز والواقع في صورة تربك مسري النص وإيقاعه الشعري:(أم عبد الكريم تجيء بسطل إلي فيجة نشفت لتساهر جيرانها حيث لا يقفلون عندهم في البيوت الصنابير لكنها تتوكأ مرتاحة حانية كيف تنسي الصنابير مفتوحة تتحدث حتي تكلفتسند مرفقيها بالجدار تروح بوقفتها غافية)هكذا تتوزع فنية شعر ممدوح عدوان علي صور متعددة كما يتوزع إبداعه علي أجناس متعددة وهو يحرر نصه للشعر في مزاوجة بين حدود الفنية وحدود الأجناس الأخري فلا يضيره أن يكون روائياً أو مسرحياً أو حتي ناقداً ناقماً سياسياً تلك هي سمات تجربة ممدوح عدوان الشعرية التي تمتد إلي ديوانه الجديد وعليك تتكئ الحياة دون أن ينتصر للحياة فيه. كاتب من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية