ممتلئ بالحنين للماضي ويريد مفاجأة الناس بفرقة من ايام زمان

حجم الخط
0

حنا شباط: فنانو هذه الايام محظوظون يعيشون في نعيم لم نعشهناجي ظاهريرى ان لكل من الازمان طعمه رائحته ومذاقه الخاص به، هو لا يرفض الحديث لمصلحة القديم، وانما ينظر للواقع بموضوعية وحيادية، يمكن غبطه عليها، ويقول انه يوجد في قلبه مكان للقديم، الا ان هذا لا يعني انه ينبذ الجديد، فالدنيا تتطور وتتجدد، ومع هذا هو يحن الى ايامه الخاصة به، ايام زمان، ولا يخفي شوقه اليها، بل انه يسعى حاليا لجمع شملها ضمن عقد يريد ان ينظمه من خرز تلك الايام.

المرة الاولى التي التقيت بحنا حبيب شباط، من الناصرة، بعد انقطاع تواصل فترة مديدة من الزمن، كانت مصادفة طيبة، وتمت في احد مطاعم الناصرة، اللقاء لم يكن ناشفا، وانما تخللته اغنيات ايام زمان، الاغاني النصراوية، اغاني وديع الصافي صباح فخري وغيرهما، ممن قضى شطرا من عمره يغني لهم ويشدو باغانيهم في الحفلات والاعراس النصراوية. هذا اللقاء الحافل بالاغاني، افضى لتحديد موعد لاجراء لقاء معه، كانت المبادرة الى ترتيبه وتنضيده الصديقة الفنانة نهاي ابراهيم البيم- داموني، من شفاعمرو، في الساعة المحددة انطلقت باتجاه بيته في نزلة الخانوق في الناصرة، لم تمض سوى لحظات حتى وجدتني اجلس اليه، وكأنما نحن افترقنا للتو ‘هذا هو بيت ابي وجدي ايضا. كل ما فعلته هو انني اضفت اليه ليصبح بيتا عصريا صالحا للاستعمال في هذه الايام’ قال وهو يرحب بي. بعد ان اتخذ كل منا مجلسه في غرفة الاستقبال، انتصب حنا في مقعده، ‘انا من مواليد عام 1952، تأثرت بسيري في طريق الغناء بوالدي. ابي حبيب شباط كان محبا مغرما بالغناء، واذكر انه كان يحب الغناء الشعبي الطربي الاصيل، اما والدتي وهي في الاصل من بلدة معلول المهجرة حاليا، فقد كانت تفيض رقة وعذوبة، لا سيما حينما كنت استمع اليها وهي تهدل بكلمات اغنية احبتها وطالما رددتها هي اغنية يا حنينة يا حنينة’. تلقى حنا دراسته في مدرسة تيراسانطة في مدينته الناصرة، واضاف يقول، من بيتي اخذت معي الاغاني الى المدرسة، ما لفت انظار الجميع الي، وكان من بين هؤلاء الاستاذ الموسيقي يوسف الخل. في الصف الثامن ايام كان في الثالثة عشرة من عمره انضم حنا لجوقة الترتيل في المدرسة، وهو يعتبر هذا الانضمام انطلاقته الاولى في عالم الفن والغناء. حتى الصف الثاني عشر كان يغني في حفلات التخرج، وبرز فنانا مغنيا في المدرسة وبين اترابه الطلاب، حتى ان البعض اطلق عليه لقب فنان المدرسة.

اجابة عن سؤال قال حنا، انه لم يتابع دراسته العليا، بسبب مرض ألم بوالده، ودفعه دفعا للعمل في حانوته الواقع في سوق البلدة القديمة من الناصرة، في هذا الحانوت لبيع الاكسسوارات والنوفوتيه، تعرف حنا على البيئة الشعبية اكثر فاكثر، وكان ان سعى مع صديق له يعزف على آلة الكمان هو موسى غطاس، لتأسيس فرقة موسيقية، اعتمدت في احيائها للحفلات والاعراس، على عدد وفير من الفنانين والعازفين، يذكر منهم كلا من: ضارب الايقاع المعروف رمزي بشارات، اضافة الى عدد اخر من ضاربي الايقاع منهم: سمير دانيال، منير عباس، منى صايغ وايليا غطاس، ويتذكر حنا ان عازف الكمان المعروف نبيل عزام الذي سيحصل فيما بعد على شهادة الدكتوراه في الموسيقى، تعاون معه ابان تلك الفترة، كما ان عازف القيثارة عادل زكريا تعاون معه ايضا.

هل تتذكر اسم تلك الفرقة؟ اسأله فيضع يده على جبينه وعبثا يتذكر، فيعدني بان يطلعني على اسم فرقته تلك، حين تذكره له.

هكذا ترافق عمل حنا في محل تفرع الى عدد من المحلات، يقول حنا في تلك الفترة كان الفنان المغني هو العازف ايضا، كنا حينها نقوم بكل ما يطلب منا، كي نتمكن من احياء حفل العرس، سواء كان صمدة او زيانة، او حمام عريس، لم نكن مرفهين مثل فناني هذه الايام، بل ان الواحد منا كان يعمل في كثير من الاحيان عتالا وعازفا وفنانا مغنيا. فنانو هذه الايام محظوظون، فهم يعيشون في نعيم مقارنة بما عشناه، يبتسم حنا ويضيف قائلا تلك الايام لا تعوض فعلا.

ردا على سؤال اخر قال حنا، انه لا يميز بين فترة واخرى، فلكل زمان فنانوه ورجاله، وانا لا يمكن ان اطلب بان يكون اليوم ما كان في الامس، علما بأن الحنين لتلك الايام يبقى مرافقا لي رغم مضي السنوات بلياليها ونهاراتها.

اطلب منه ان يقارن بين الامس واليوم فيطلب مني ان اعفيه من مثل مقارنة كهذه، تلك كانت ايام وهذه ايام اخرى لا يوجد يوم ينسخ يوما اخر، اما اذا كنت تسأل عن السلبيات والايجابيات، فان هذه كانت موجودة مثلما هي موجودة اليوم، لكن في الحقيقة بصورة اقل. حنا يعرب عن بعض الضيق في ما يتعلق بما صارت اليه الامور من صرعات شديدة بين الفنانين ومنافسات تتجاوز كل الحدود. اطلب منه ان يسترسل في كلامه هذا، فيطلب مني ان اعفيه، اعتقد ان ما قلته يكفي، لست معنيا بخلاف مع احد.

في السنوات العشرين الماضية الاخيرة، توقف حنا عن احياء الاعراس والحفلات، واكتفى بالغناء في مساحة ضيقة، لا تتجاوز الاحباء والاصدقاء، وهو يفرح كثيرا، كما يقول، حينما يهرع نجله البكر حبيب ابن الرابعة والعشرين ليحضر الدربكة التي يتقن الضرب عليها، وبيده الاخرى العود ليقدمه له ليعزف عليه وليصدح بعد قليل باغان احبها قلبه، اما سبب توقفه فقد كان جراء الانغماس الكلي في العمل، فالنجاح لا يأتي بسهولة، انما هو يحتاج للمثابرة والاصرار.. عندما ابتدأ حنا يشعر بأن مواصلته للعمل في مجال الموسيقى ستؤثر عليه سلبا، اتخذ قراره الاصعب في حياته، وقرر التفرغ للعمل في محل النوفوتيه، يقول ويضيف، ان ما لحق بسوق الناصرة ـ البلدة القديمة، من اضرار تمثلت في انصراف المشترين والمتسوقين عنه، بعد مشروع الناصرة الفين، دفعه للتركيز على العمل في النوفوتيه، بل انه جعله يبحث عن حانوت اخر يقع على الشارع الرئيسي في المدينة، في منطقة العين تحديدا، فافتتح هذا المحل لبيع ملابس العرائس، ‘لم ابتعد كثيرا عن مجال الاعراس، بقيت فيه، لكن بطريقة اخرى’. محبة حنا للاغنية لازمته طوال ايام عمره وهو لا يتذكر يوما مضى من عمره، ولم يفكر فيه في الاغنية واهلها، وهو يعتز اليوم بانه بحث عمن احبهم من فنانين امثال وديع الصافي، وصباح فخري، حتى التقى بهم في هذا الحفل او ذاك في هذه الدولة او تلك. دفتر حنا حافل باسماء الفنانين الذين التقى بهم ويتذكر منهم جيدا كلا من: نوال الزغبي، عاصي الحلاني وصابر الرباعي.

يقول حنا اجابة عن سؤال اخر، اننا من اجل ان تتقدم حياتنا الفنية في هذه البلاد، نحتاج للعديد من الامور، في طليعتها فضائية تنقل اصوات فنانينا الى ربوع اخرى من الوطن العربي، ونقابة للفنانين، وهو ما لم يتوفر حتى الان.

اما بالنسبة للاغنية العربية في بلادنا، فانه يرى انها موجودة في الاغاني النصراوية سورية الاصل، كما تبين له بعد صداحه بها فترة تزيد عن العشرين عاما، هي عمره الفني، مع فرقته، ‘ربما كنا بحاجة لبذل المزيد من الجهد في انتاج اغنية خاصة بنا، غير انه علينا ان نعرف جيدا ان هذه الاغنية موجودة في الاغاني النصراوية بهذا الشكل او ذاك’. حنا يفكر حاليا بجدية، بمفاجأة الحياة الفنية، بتكوينه فرقة من فناني ايام زمان، فرقة تغني الاغاني الشعبية، ويطلق عليها اسم’ فرقة ايام زمان للفلكلور والغناء الشعبي’، يقول ويتابع انه قطع شوطا واسعا في تشكيله لهذه الفرقة، وانه لم يتبق عليه سوى القليل من الاجراءات حتى يخرج بها الى النور، ليعيد ما هو جميل في ايامه الماضية، مازجا اياه بما هو جميل في هذه الايام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية