انشغلت القنوات والصحف العربية مؤخراً بمملكة جديدة سقطت على غفلة بين مصر والسودان في منطقة “بئر طويل” المعروفة أيضاً باسم “مثلث بارتازوجا”.
إنها مملكة الجبل الأصفر!
مملكة يتربع على عرشها ملك لا أحد يعرف عنه معلومة واحدة!
ولكن نادرة نصيف، رئيسة وزراء المملكة هي الوحيدة في العالم التي تعرفه وتعرف وزراءه جيداً!
لقد ظهرت هذه السيدة المجهولة، التي قُدّر أنها لبنانية الأصل من لهجتها في فيديو مدته قصيرة تداولته الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، ألقت من خلاله خطاباً “ركيكاً” أعلنت فيه قيام المملكة في خمسة سبتمبر/أيلول.
لا معلومات جدية لنا عن هذه السيدة سوى ما جاء في الفيديو الشهير.
هكذا تضاربت الآراء حولها وحول نواياها من لحظة إعلان المملكة المزعومة.
كثيرون استهزأوا بالأمر، معتبرين أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها إعلان مملكة على هذه الأرض. فكل من لديه حلم أن يصبح ملكاً تنتظره هذه الأرض الخالية ليقف فوقها ويرفع رأسه عالياً معلناً قيام مملكته. حدثت هذه الظاهرة مرتين سابقاً. المرة الأولى كان بطلها رجل هندي حالم يدعى سوياش ديكسيت، والثانية أمريكي اسمه جيرمي هيتون أراد أن يحقق حلم ابنته في أن تصبح أميرة.
وستقوم مجدداً طالما “القانون الدولي لا يعاقب أي شخص يعلن إقامة دولة إن توفرت فيها أركان الدولة الأربعة: الإقليم وشعب يسكنه وحكومة ذات سيادة واعتراف دولي في مرحلة لاحقة”، كما أفصح خبير القانون الدولي أيمن سلامة في حوار مباشر مع الإعلامي عمرو أديب في برنامجه “الحكاية” على قناة “أم بي سي”.
ولم يحدد القانون الدولي عدد سكان معين لقيام المملكة. إذاً لا عائق أن يسكنها الملك وعائلته فقط أو الملك وأصدقاؤه أو ربما كبداية الملك بمفرده بانتظار شعب قد ينضم إليه يوماً.
إنها مملكة كطير الفينيق تتجدد مع كل مغامر. وكل ما طاح حلم أحد المغامرين وأصبح رماداً يظهر حالم جديد فترتفع المملكة مرة أخرى.
لكن الملفت هذه المرة لم يكن قيام المملكة من جديد أو ذاك الملك المتخفي، الذي يذكرنا بجبلاوي نجيب محفوظ.
إنما أهداف قيام المملكة.
فحسب بيان نشرته نصيف، رئيسة وزراء الجبل الأصفر على صفحتها غير المعروفة على “تويتر” فإن المملكة مشروع لـ”وضع حد لأزمة المهاجرين العرب والمسلمين وتوفير العيش الكريم لهم”.
إذاً، هل نحن أمام مملكة فاضلة تذكرنا بمدينة أفلاطون الأسطورية؟
يبدو أن الإنسان هو هو على مر الزمن. لا يتوقف عن الأحلام ويركض جاهداً وراءها محاولاً التقاطها بيديه الاثنتين إلى أن يكتشف بأنها كالنسائم راحلة فتسقط مرة واحدة ويقع هو أسيراً لضعفه. نعم الأحلام تنعشنا ولكن غالباً ما لا يمكن تجسيدها على أرض الواقع!
هل نوايا نصيف وملكها وزملائها صادقة، وهل يرغبون فعلاً بتأسيس مملكة عادلة يعيش فيها الناس مع بعضهم البعض في سلام ووئام؟ هل هي فعلاً تشبه تلك المدينة التي تحدث عنها الفارابي وأفلاطون؟
أو أنه ملعوب بائس، كما حلل كثيرون، و”خطوة جديدة تمهيداً لصفقة القرن وإنشاء دولة للمهجرين الفلسطينيين واللاجئين في العالم العربي”؟
وإن كانت المملكة مصيدة، فمن قال إن الفلسطينيين أصلاً مهتمون بالعيش في أرض سوى أرضهم، حتى وإن كانت تربتها معجونة بالذهب والألماس؟
هناك مشهد من رواية الياس خوري “أولاد الغيتو” لا يمكن أن يغيب عن ذهني. وهو مشهد الفلاح المتمسك بقوة ببرتقالة من أرضه، رغم حذاء الجندي الإسرائيلي، الذي كان يدوس على يده ويعصرها. من لا يتخلى عن برتقالة في حقله ويزهق حياته وحياة أبنائه لأجلها لا يمكن لأحد أن يساومه على الحقل!
لا فرق بين طفل وآخر!
فتاة صغيرة تحدت المستحيل بإرادتها وبحبها للحياة فحققت حلمها الجميل وغلبت ضعف جسدها لتصبح عارضة محترفة للأزياء على الرغم من رجليها المبتورتين.
إنها الطفلة الجميلة ديزي ماي ديميتر من برمنغهام في بريطانيا، صاحبة السنوات التسع، التي شغلت قصتها لما تحمله من أمل وعزيمة قنوات عالمية مثل “سي أن أن” الأمريكية، و”بي بي سي” البريطانية، وتصدرت عناوين أكبر الصحف كـ”الإنديبندت” وغيرها.
لقد ولدت الطفلة ديزي مصابة بـ”الهيميليا الليفية”، التي أدت إلى فقدان جزء من العظم الليفي في ساقيها فاضطر الأطباء إلى بترهما، ولكنها لم تستسلم لقدرها بل أضاءت حياتها وحياة من حولها بابتسامتها الدائمة.
وها هي الحياة تكافئها بدورها، فتحقق حلمها لتكون أول طفلة مبتورة الساقين تمشي في أسبوع الموضة في مدينة نيويورك. لقد اختارتها “لولو ايه جيجي كوتور”، الماركة العالمية الشهيرة، لتعرض مجموعة من أزيائها.
وقد استغربت جداً المصممة العالمية السيدة بايرون حين سئلت قبل العرض إن كانت توافق أن تمشي طفلة مبتورة الساقين في عرض أزيائها. فردت قائلة: “الطفل هو الطفل… إذاً هو جميل وكامل مهما كانت عوائقه الجسدية.. فبالطبع أقبل!”.
أما والد الطفلة، أليكس ديميتر، فلم يستطع إخفاء فرحته بها وهي تمشي بثقة وجدية واحتراف على المنصة وكل الكاميرات تتبعها بدقة وكأنها أميرة تخرج من قصص الأطفال لتفرض وهجها وسط حضور من المعجبين.
إنها بداية التغيير الإيجابي في عالم الموضة فديزي تمهد الطريق لأطفال مبتوري الأطراف آخرين سيلتحقون بخطواتها في المستقبل القريب.
وهكذا كرّمت ديزي بجائزة “الطفل الشجاع ” في حفل فاخر أقيم في برمنغهام لتمنح بقوتها وعزيمتها الأمل لأطفال يعانون من مرضها نفسه.
لن تتوقف مسيرة نجاح ديزي الصغيرة وستشارك قريباً بعرض أزياء يقام في برج إيفل، ضمن فعاليات أسبوع الموضة في باريس.
إن ديزي وأمثالها هم سنابل القمح، التي ترتفع لتمنح الشمس شعاعها فتنسكب على الأرض برقة.
*كاتبة لبنانية