فيلم شوقي الماجري مشغول من لحم ودم ومقاومة وايمانبيروت ـ من زهرة مرعي: قدم المخرج شوقي الماجري فيلم مملكة النمل الطويل بكل الحب والإخلاص والإلتزام الذي يكتنزه للقضية الفلسطينية وناسها، تماماً كما سبق له وقدم مسلسل الإجتياح الذي حصد أرفع جائزة عالمية. فيلم طويل من حوالى ساعتين ونصف حافظ خلاله الممثلون على وتيرة عالية ومتناسقة من الأداء الرفيع المستوى، وعالي الإحساس مع جودة ليست لغير الماجري في إدارة الممثل. كذلك هو فيلم مشغول بحب الممثلين لما قاموا به، وأظنه سيشكل ضغطاً عاطفياً ملحوظاً جداً على فئة من المشاهدين يبلغ حد ذرف الدموع. فهو فيلم مشغول من لحم ودم ومقاومة وإيمان، تماماً كما هو الصراع اليومي الفلسطيني الصهيوني. إنها المواجهة غير المتكافئة على مر الأيام، آلة عسكرية ضخمة في طليعتها الطائرة والدبابة، وفي المقابل حجر وعزيمة لا تلين، وتمسك بالحق الأبدي.اختار الماجري جدار الفصل العنصري مكاناً يكتب عليه الجنيريك بدل ذاك الصقيع المرتبط بفراغ الذي تعتمده الكثير من الأفلام. ويبدأ طريق الجلجلة الفلسطيني المتواصل فصولاً منذ جاء شعب من أوروبا لينفذ أسطورة مخترعة بأرض ميعاد، في وطن له شعب هو فلسطين. إنها القضية تجسدها عائلة فلسطينية تسير على درب المقاومة جد، إبن، حفيد وإبن حفيد، ونسوة تمارسن فعل المقاومة بكافة الوسائل المتاحة. في مملكة النمل حيث يحتفل طارق وجليلة بفرحهما ويمضيا شهر العسل، يعيش الجد حارساً للشهداء والتاريخ. وفي هذا المكان يبلغ الفرح قمته. وفي هذا المكان الذي شكل ملجأ للمقاومين وللحلم، تؤكد الجدة إيمانها بالنضال والأسطورة معاً، وتؤكد أنها عصية على الإستسلام أو الإنكسار.مملكة النمل شريط سينمائي مشغول بشغف الإنتماء للقضية. ربما هذا ما ترك الغلبة لكفة المبالغات ومخاطبة العاطفة على ضرورات مخاطبة العقل. وإن كانت القضية الفلسطينية تحتاج لأن نقدمها في كل لحظة إلى الآخر غير العربي، فمملكة النمل لن يتيح لهذا الآخر أن يصمد متابعاً هذا الكم من الخطابة المباشرة. ومن المؤكد أن الفيلم سيحصد تصفيق الجمهور الذي يبحث عن مشاهدة القضية العربية المركزية في شريط سينمائي وفق منطق ليس فيه كثير من الفلسفة. إذاً مملكة النمل يورث المقاومة. فالقضية الفلسطينية الحية منذ ستين عاماً قلبت معادلات الحياة والموت، فصار الآباء يدفنون أبناءهم حتى وإن كانوا أطفالاً بعمر سالم ومحمد. ومن خلال سالم وقبل رحيله يسلم الجد الرسالة للحفيد ‘تل أبيب تمددت وما قتلت يافا ولا حيفا ولا فلسطين’. إنها الحياة في فلسطين تظهر حتى التلامذة الصغار في المدارس يتعرضون لقصف الطائرات ويستشهدون. حياة الناس مقاومة مستمرة مع العدو وآلياته وجنوده المتغطرسين. فلا حياة خارج المقاومة اليومية. الإحتلال يقتحم البيوت، المدارس، الفرح والسوق وكل مكان. لم نر مشهداً لحياة عادية. فيما أظهرت الجدة خضرا صلابة تذكرنا بكل الصور المشرفة المزروعة في الأذهان عن المرأة الفلسطينية التي نبذت كلمة إستسلام من قاموسها. كذلك كان حال خضرا عندما استشهد طفلها الوحيد.غلب على فيلم مملكة النمل نفس الدراما التلفزيونية على النفس السينمائي الذي يفترض به إعتماد الإختصار وتكثيف الأفكار والمشاهد. فشوقي الماجري الناجح جداً في حرفته على الشاشة الصغيرة، لم يتحرر تماماً من آليات المسلسل. إنما يشهد له أنه قدم شخصياته وفق وتيرة راقية جداً من المشاعر، الإنتماء، الصدق والإحساس وحالة التصاعد بدل العكس. كما قدم صورة جميلة جداً عن فلسطين. وإن كانت صبا مبارك قد تفوقت على نفسها في دور جليلة، فكذلك فعل منذر رياحنة. أما جميل وجوليات عواد فشكلا الضمير الحي الذي يحمل القضية بكل تفاصيلها. وشكلا ذلك الإمتداد المقاوم من جيل لآخر في الوطن الفلسطيني السليب. الموسيقى التصويرية التي وضعها وليد الهشيم شكلت تلك الشخصية الخفية التي عزفت بقوة أحياناً وبصمت في أحيان أخرى، وهي ضاعفت من وقع المشاهدة التي خلت من لحظة فرح كما سبق القول. فهل البحث عن لحظة فرح ولو كاذب في فلسطين من المحرمات؟تميز فيلم مملكة النمل بالإنتاج السخي، لذلك لم نر مشهداً ضعيفاً. لكنه في المقابل غرق بالإطالات. وإختصار بعض مشاهدها لاسيما تلك المباشرة سيكون لصالحه في عرضة الجماهيري الذي سيبدأ في 20 الجاري في بيروت وفي سلسلة سينما أمبير.