مناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (2)

حجم الخط
1

مناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (2)

في شارع المتنبي رفع الشيوعيون لافتة يعزون فيها صاحب الزمان باستشهاد الحسين ودبابات اليانكي تحوم في بغدادالديمقراطية كانت أكثر الكلمات بعثاً علي النفور والكراهية في نفوس المرجعيات الشيعية واليوم صاروا يتشدقون بهامناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (2) فاضل الربيعيهل يمكن لنا أن ننظر إلي الغزو الأمريكي للعراق من منظور ثقافي؟ ما أهمية البعد الثقافي لما حدث في التاسع من نيسان/ أبريل 2003؟ في هذه الدراسة الجديدة يعود الباحث والمفكر العراقي فاضل الربيعي إلي تحليل نتائج وتداعيات الغزو الأمريكي للعراق، وهذه المرة من منظور ثقافي من أجل رؤية العلاقة بين السياسة والأساطير.. يلاحظ الربيعي أن الغزو الأمريكي الذي قام في الأصل علي سلسلة من الأساطير، هو نموذج فريد في الاستعمار الجديد حيث تتلازم السياسة مع الأسطورة، ويصبح كل شيء خاضعا لمنطق شاذ لا سبيل إلي تفكيك مقولاته.. القدس العربي حواسم ورجال دين ودباباتتستخدم كلمة حواسم التي شاع تداولها في العراق الجديد، في توصيف طبقة من الأثرياء الرعاع (أو الرعاع الأثرياء) الذين نهبوا كل ممتلكات الدولة العراقية صبيحة التاسع من نيسان/ أبريل. وهذه الكلمة لا تزال متداولة علي نطاق واسع في وصف هؤلاء. إنها أبلغ وصف شعبي لنوعية شاذة من المواطنين الذين فكوّا كل ارتباط لهم بمواطنيتهم، وهربوا إلي خارج العراق مع مسروقاتهم ليعيشوا حياة بذخ في دمشق وعمان وبيروت واستانبول. بعد أيام قليلة فقط من احتلال بغداد في التاسع من نيسان/ أبريل 2003، تدفقت جماعات عدة من المنفيين العراقيين عائدة إلي وطنها وسط عاصفة من المشاعر المتناقضة التي عمت الوطن العربي والعالم بأسره. كانت لحظات الاستيلاء السريع والمفاجئ علي العاصمة العراقية، لحظات نموذجية علي مستوي التعبير عن مشاعر متناقضة بالنسبة لكثيرين كانوا، حتي وقت قريب من هذا الحدث الهلعي الضخم، يعتقدون ويؤمنون إيماناً راسخاً إلي حد بعيد، بأن ثمة مساراً آخر للغزو، أي مساراً آخر مغايراً للاختبار العنيف للأساطير الجديدة، قد لا ينتهي بالضرورة بهزيمة المدافعين وانهيار تحصيناتهم؛ بل بصمودهم ومواصلتهم للصراع، خصوصاً بعد معارك أم قصر البطولية. ثم تعاظم هذا الإيمان خلال أيام من القتال البطولي والمجيد للقوات المسلحة العراقية وتزايد أعداد القتلي في صفوف الأمريكيين علي الطرقات السريعة المؤدية إلي بغداد. لم تكن هناك في الواقع دلائل قوية علي أن الغزو سيؤدي بالضرورة إلي انهيار ومحو الدولة أو تلاشيها عن المسرح، ولا إلي انفجار خزّان الأساطير القديمة في المجتمع. بيد أن الغزو سرعان ما اتخذ مساراً دراماتيكيا مخيفاً، وسقطت العاصمة في قبضة الأمريكيين بسرعة غير متوقعة. كانت تلك لحظات نادرة مشحونة بالمفارقات الساخرة والمحيّرة للوجدان بالنسبة لمعظم العراقيين، في الخارج وفي العراق نفسه، ذلك أن وسائل الإعلام الأمريكية التي فرضت سيطرة مطلقة علي الفضاء، واحتكرت بث الأخبار والصور، كما تحكمت في طريقة تلقي العالم للحدث علي نحوٍ غير مسبوق في أي حرب، تولت بنفسها وفي عملية منظمة ومنسقة كما لو أنها فرقة عسكرية شديدة الانضباط جري إلحاق رجالاتها بالحرب؛ تشكيل مشاعر الملايين من البشر والتلاعب بهم، وتصوير الغزو وكأنه نوع من العسل سوف ينسكب من الجرّة، وليس نوعاً جديداً من فائض الدم الذي يراد له أن ينسكب من أجساد العراقيين. أكثر من هذا جري تصوير الحرب علي أنها حرب مقدسة وضرورية، ولأجل أهداف مقدسة وضرورية كالديمقراطية والحداثة والتقدم والمدنية وليس من أجل إعادة العراق إلي عصر الأساطير، مثلما توعد جيمس بيكر. هذه الأهداف أي الديمقراطية والتقدم والمدنية والحداثة، كما سيلاحظ المراقبون للحدث، سرعان ما تحولت شيئاً فشيئاً ومن دون تمويه، إلي سلسلة لا تكاد تنقطع من الأساطير الجديدة والمعاصرة. وعندئذ انقلب العسل إلي دم. كان العراقيون آنذاك يعيشون بالفعل، في قلب لحظة الصدمة والذهول حائرين ومشوشين بصورة لا توصف، لا من الحرب كعمل عنيف؛ بل من النتائج المباشرة والمتوقعة لولادة جيل من القادة السياسيين، هم خليط من الحواسم (لصوص البنوك) ومن رجال الدين غير المتعلمين في الغالب (وبعضهم لا يعرف أي شيء اسمه النحو ويخطئون في قراءة القرآن) ومن أثرياء جدد لم يُعرف عن أي واحد منهم وفي أي وقت سابق علي الغزو، أنه يملك قميصاً نظيفاً غير القميص الذي يرتديه. كما أن العراقيين لم يتعرّفوا علي هؤلاء من قبل ولم يتسن لهم اختبار كفاءاتهم أو جدارتهم، أو حتي أن يكونوا علي استعداد لإبداء الثقة بهم. ثم تبيّن بعد وقت قصير فقط، أن محو الدولة الوطنية قد أدي بالفعل إلي سطوة طراز جديد من منتجي الأساطير؛ هؤلاء الذين سوف يعتمدون منذ الآن في تحريك الجموع وبصورة مطلقة، علي الأفكار والمعتقدات والتصورات الأمريكية والغربية للعراق وللعرب وللمنطقة وثقافتها علي حد سواء. كان العراقيون علي حق في مخاوفهم هذه؛ فبعد نحو شهر من احتلال بغداد كان شارع المتنبي الذي تباع فيه الكتب القديمة، مسرحاً تجسدت وتجلت فيه واحدة من أكثر نتائج الاختبار خطورة، من حيث درجة تعبيرها عن مغزي إعادة بلد شرقي إلي ما وراء التاريخ، كما تجلت فيه أشد مفارقات الحرب سخرية؛ إذ ارتفعت لافتة عملاقة قطعت الشارع القديم عرضياً. في الواقع نُصبت اللافتة العملاقة علي عجل حيث تواري الفاعلون عن الأنظار بسرعة. في تلك اللحظة اختلط الحواسم برجال الدين واليساريون بالليبراليين. ومن رحم هذا الزواج الشاذ ولد جيل من البكائين الذين سوف يجوبون الشوارع عراة الصدور. وفي شارع المتنبي القديم والمزدحم والذي بدت علي جدران بناياته بعض آثار الحرب العنيفة، من الشظايا والطلقات النارية والدماء، توقف الكثيرون مندهشين أمام كلمات اللافتة، وربما ظن بعضهم أن الذين قاموا بتعليقها يريدون إبلاغ المواطنين المصدومين، بالحقيقة المروعة الشاخصة أمام أبصارهم كالكابوس؛ وخصوصا أولئك الذين ظلوا معارضين للحرب كسبيل مزعوم لنشر الديمقراطية، بأنهم أصبحوا منذ الآن مواطني دولة محتلة وأن عليهم أن يتصرفوا منذ الآن، كرعايا لدولة أخري كبري أخضعت بلادهم لسلطتها المطلقة بقوة الأساطير الجديدة (أي بقوة الغش والخداع والسطو اللصوصي التي يمتاز بها السارد الجديد للنصوص). لكن هؤلاء سرعان ما شعروا بصدمةٍ من نوعٍ آخر غير مألوف، عندما راحوا يتأملون في الكلمات التالية التي كتبها شيوعيون عراقيون عادوا مع قوات الاحتلال. تقول كلمات اللافتة العملاقة حرفياً ما يأتي (الحزب الشيوعي العراقي يعزي صاحب العصر والزمان الإمام المهدي الغائب عجل الله فرَجه باستشهاد الإمام الحسين ـ ع). عبر هذه اللافتة شخص ماركس القديم من جديد أمام أبصار الكثير من العراقيين، ولكن في هيئة غريبة ومثيرة للحيرة ومن دون مهابة. ها هو ماركس شيعي يطل برأسه في شارع المتنبي ليشارك العراقيين النواح. تلخص هذه اللافتة بأقل وأبلغ الكلمات، النتائج الثقافية الأولي والمبكرة التي أسفر عنها احتلال العراق صباح التاسع من نيسان/ أبريل. ولكنها بالقدر ذاته، تلخص علي نحو مدهش، ذلك النمط الجديد من التشابك في مجتمعاتنا المعاصرة بين الأسطورة والسياسة، وبين الواقع والواقع المتخيل، وبين العسل والدم. لقد تبدلت اللغة وتشابكت المفاهيم وتداعت الإيديولوجيات؛ فالشيوعي ـ العراقي العلماني الذي قدم نفسه ـ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ـ ومن دون خوف أو تردد أمام مجتمعه المسلم، كمحارب من أجل قيم الحداثة والمدنية والتقدم العلمي، صار يرطن الآن فجأة، بلغة رجل الدين الورع؛ بينما راح رجل الدين الورع نفسه، الزاهد في الحياة والمتمنطق بمسوح الرهبان اليسوعيين، يرطن بلغة العلمانيين الجدد المسحورين بكلمة الديمقراطية؛ بل ويري إلي نفسه في صورة جنرال منتصر تداعت أمامه معاقل الخصوم السياسيين، وأنه بات منذ الآن بطل المسرح المتفرّد بالحدث. الوقوع في غرام الديمقراطيةكانت الديمقراطية واحدة من أكثر الكلمات بعثاً للكراهية في النفوس بالنسبة لرجال الدين الشيعة، وحتي وقت قريب من هذا الحدث، تبدت الكلمة في الخطاب الديني كتجسيد لدلالة الهيمنة الثقافية الغربية، وذلك عندما نُظر إليها علي أنها تعبير مستقي من عالم الشيوعيين الملحدين . وبالفعل، فقد تميز خطاب العلمانيين العراقيين من قبل، عن سائر أنساق الخطاب الفكري والفقهي والسياسي السائد، باستخدام اصطلاحات ذات طابع سجالي، تم إدراجها في سياق معارضة استعمارية الغرب بديمقراطيته؛ أي من خلال تذكيره بالمبادئ الكبري التي كان يرّوج لها، وبالتالي الإلحاح عليه علي مدّ ديمقراطيته لتشمل شعوب المستعمرات الواقعة تحت سيطرته ـ علي ما ارتأي أحد الكتاب. كانت الديمقراطية كلمة محتقرة بالنسبة لرجل الدين الشيعي، وهي دليل استعمارية الغرب. وطوال عقود لم تحظ كلمة أو اصطلاح سياسي بالنقد والتحقير مثلما حدث مع كلمة ديمقراطية وكانت ـ هذه الكلمة دون سواها ـ تبدو في أنظار رجال الدين الشيعة كما لو أنها محتكرة من جانب العلمانيين؛ سلاحا من أسلحة عدًة قاتلوا بها الغرب تارة، أو تساجلوا معه تارة أخري بواسطتها؛ وذلك من خلال التركيز علي الفكرة القائلة، إن من واجبنا مطالبة الغرب بتطبيق الديمقراطية التي يملكها علي مجتمعاتنا المستعمرة. علي الطرف الآخر كان رجال الدين الشيعة يبدون ما يكفي من التذمر والامتعاض من مطلب تطبيق الديمقراطية، ويكتفون بشعار الاستقلال والحرية، ولم يحدث قط أن كان هناك رجل دين واحد في النجف أو كربلاء، طوال مرحلة الصراع ضد البريطانيين من عام 1917 حتي 1920 يجاهر علناً باستخدام لغة (لسان) العلمانيين. وحتي وقتٍ قريب من احتلال بغداد عام 2003، كانت كلمتا ليبرالية و ديمقراطية أقرب ما تكونان إلي كلمتين مذمومتين في الخطاب الديني التقليدي. هاتان الكلمتان الشيطانيتان نضح فيهما، من قبل، إناء الماركسيين والعلمانيين والبعثيين والقوميين، وكل من نظر بتحفظ إلي أدوار رجال الدين. فجأة غدت واحدة من هاتين الكلمتين ـ وعلي لسان رجل الدين العراقي ـ هي الكلمة الأكثر تفضيلاً في خطابه بعد عقودٍ عدة، كانت فيها مجرد كلمة مريعة مثلها مثل الشيوعية. لقد كانت ذات دلالة واحدة فقط تشير إلي هيمنة الغرب الكافر وفسقه وفجوره. وبالكاد كان يمكن للمرء صباح التاسع من نيسان / إبريل، ووسط ازدحام المشهد واحتدامه أن يري رجل دين واحدا أو سياسيا علمانيا ليبراليا واحدا، لا يرطن باللغة الجديدة التي كانت مزيجاً مخيفاً من البارود والديمقراطية. جنون الحريةبعيداً عن اللافتة العملاقة ثمة تفاصيل ملتبسة أخري جديرة بالتأمل:لقد ُصورَ سقوط بغداد واحتلالها ومنذ اليوم الأول، كعملية تحرير للعراقيين من هيمنة الدولة المطلقة علي الحياة العامة، وكنموذج للحرية الجديدة الموعودة. ليس ثمة أسطورة معاصرة تملك من سطوة ونفوذ الرموز، ومن ذلك النوع المعتاد الذي يقوم الإعلام بضخه ونشره دون توقف؛ يمكن أن تضاهي من حيث القوة والجاذبية أسطورة التحرير هذه. لقد انتصرت الأسطورة الجديدة في الثقافة المحلية العراقية علي نحو ما، حين بدت للوهلة الأولي أكثر إغراء وجاذبية (وحين صور الغزو بوصفه عسلا). وأكثر من ذلك حين بدت وبخلاف أي فكرة أخري، نمطاً من السرد السلس والمشوق القادر علي اختزال وتلخيص أحلام المعذّبين في جملة خلاصيّة واحدة: الديمقراطية. كانت الكلمة تتحول إلي نوع من عسل، يصبح معه الاحتلال واختراق السيادة وحتي تدمير الدولة، مجرد فائض ضروري من الدم، وتغدو معه عملية محق البلاد وتحطيمها مجرد عملية تحرير لمجتمعات وأفراد ضاقوا ذرعاً بجمود أوضاع مجتمعاتهم وسئموا من انتظار المسيح أو المهدي المنتظر. بيد أن هذه الصور البرّاقة سرعان ما تلاشت كفقاعات هواء، وذلك حين عمت الفوضي وأعمال النهب اللصوصية في طول البلاد وعرضها. بعد وقت قصير فقط، وبينما كانت الجموع المليونية للشيعة العراقيين تخرج إلي الشوارع في مواكب مهيبة من البكاء الجماعي والدموع والآهات، وحيث الألوف من الشبان عراة الصدور يلطمون بقسوة علي صدورهم، مستذكرين الحسين والمهدي المنتظر ومأساة آل البيت، وفيما أعمال النهب تتواصل في البنوك والمؤسسات ومراكز حزب البعث والدولة وحتي في المستشفيات، وأمام الحرج البالغ الذي تسببت به هذه الأعمال للإدارة الأمريكية، وقف دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي ليقول وبطريقة مثيرة للسخرية، إن من الممكن تفسير وتبرير عمليات النهب والفوضي هذه. لم يجد الوزير الأمريكي من وصفٍ مناسب سوي القول أن هذه الأحداث تمثل نوعاً من ممارسة جماعية للحرية: (لقد كان النظام السابق يضطهد كل العراقيين ويحرمهم من ابسط حقوقهم. إنهم لا يمارسون النهب إلا تعبيرا عن هذه الحرية). هكذا قال دونالد. وعلي هذا النحو تبدت مواكب الدموع والمناحات الجماعية الجديدة هي الحرية الوحيدة التي سعي العراقيون إليها بأرجلهم، مثلها مثل النهب الجماعي المخزي الذي قاده الحواسم. بعد بضعة أسابيع فقط من الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني، تبين بجلاء أن العالم كله، وليس العراق وحده بات نهباً للمشاعر المختلطة نفسها، وتلاشي وسط الزحام معني الكلمة وتبددت دلالتها البسيطة. لقد تفشي فيروس المشاعر المتناقضة والمحيرة للوجدان وعمّ الوباء. ويبدو أن الترويج الصاخب للمفهوم المُلتبس والغامض للتحرير الأمريكي، هو الذي ساهم بفعالية في انتشار نوع من لغة مرائية تسمح لمن يتقنها، بمواصلة الخلط بين المفاهيم. اختلط مفهوم الحرية بالفوضي، والاحتلال بالتحرير، واختلط المسيح بالمهدي المنتظر، كما اختلطت أعمال النهب الإجرامية بمفاهيم الحرية الشخصية، وتماماً كما اختلطت التعريفات القانونية للحق الشخصي (في التعبير عن سنوات الكبت والحرمان) بحق المجتمع نفسه في الحفاظ علي الدولة كناظم للعلاقات الداخلية من الانهيار والتمزق الوجداني والتهتك الأخلاقي والفساد والجريمة. وآنئذ اختلطت الأساطير بالسياسة حيث ارتفعت في الهواء لافتة عملاقة خطتها، ويا للسخرية، أصابع تلاميذ ماركس العراقيين العلمانيين، في محاكاة هزلية يصعب وصفها. ولكن؛ بدلاً من المسيح كان هناك المهدي المنتظر، وبدلاً من القول بصراحة أن ثمة خداعا وتضليلا وأن المسيح لن يأتي؛ كان هناك تملق مكشوف للشيعة من خلال ترديد مزاعم يشكك فيها حتي مفكرو الشيعة أنفسهم. وكم تبيّن أن الحرية الموعودة لم تكن سوي الاسم الحركي لموجة عمياء من الفوضي والخراب؛ ومن التفجير المتعمد لخزّان الأساطير القديمة في مجتمعات كانت تتحرق لرؤية المدنية والتقدم والحضارة؟ المثير للاهتمام أن دونالد ظل يتشدق لأيام تالية ـ في خطبه الكثيرة والمملّة ـ بأن كل شيء في العالم والكون هو نوع من الفوضي. كان الحدث هلعياً يعطي المعاني، نوعاً جديداً ومثيراً ومأسوياً من الفوضي، يندر رؤية ما يماثله في التاريخ المعاصر لا من حيث قسوته الصادمة، ولا من حيث درجة وقوة الإفراط فيه علي مستوي استخدام العنف كأداة في تشكيل وعي المجتمع؛ وإنما أيضاً من حيث درجة وقوة التناقض الصارخ الذي يتضمنه. لقد كان حدثاً افتتاحياً مهيباً صاخباً وعنيفاً لعصرٍ جديد تغدو فيه الميثولوجيا (الأساطير) جزءاً عضوياً من السياسة. وهذا هو لبّ تفكير طبقة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية (الذين يتوالدون ويتناسلون كالأرانب في المؤسسات اليوم ويفرضون سطوتهم خارج العالم الأمريكي لا بوصفهم تياراً وإنما بوصفهم طبقة جديدة استحوذت علي المال والنفوذ والإيديولوجيا). ولئن أسفر الحدث علي مستوي المشاعر والأحاسيس والانفعالات الجماعية والآراء والتحليلات والأفكار والمواقف، عن تناقضات لا سبيل إلي التوفيق بينها حتي داخل العائلة الواحدة في العراق الممزّق، وذلك مع غرق البلاد في فوضي عارمة لا سابق لها؛ فإنه اتسم بتصاعد موجة من هستيريا النهب بين الجماعات الفقيرة والمحرومة في أطراف المدن. كان النهب المنظم أحياناً، والعشوائي في غالب الأحيان، يمتزج ويا للمفارقة بتصاعد موجة موازية من هستيريا دينية (مذهبية) تختلط بدورها بمشاعر طقوسية يلعب فيها البكاء الجماعي والنواح علي الأبطال دوراً مؤججاً للمشاعر. وبينما كان جمهور من البكاّئين يتسع ويكبر مثل كرات الثلج في الشوارع والأزقة، جارفاً في طريقه جماعات أخري من السكان في مناحة جماهيرية كبري؛ كان هناك جمهور آخر من الحواسم يقوم بنهب كل شي؛ وأحياناً يقتل كل من يصادفه أو من يحاول منعه من النهب (كما في حادثة سرقة البنك المركزي في بغداد والتي سقط فيها صبيحة يوم احتلال بغداد عدد كبير من الضحايا، ظلت جثثهم تطفو لايام فوق سطح بركة مياه كانت قد تشكلت أثناء تحطم مواسير الماء المدفونة داخل بعض الجدران في قبو البنك نتيجة أعمال الهدم بحثاً عن الأموال المخبأة). في ذلك الصباح الدافئ من نيسان/ إبريل استنشق المجتمع بأسره ذلك المزيج المتصاعد من الدخان في قلب العاصمة التاريخية، حيث اختلط البارود بكلمات الحرية والديمقراطية والليبرالية وتصاعد مع ألسنة اللهب في البنايات الحكومية. وبالكاد ُسمع صوت العراقيين المختنقين المذعورين الذين بحت أصواتهم، وهم يتوسلون لجنود الاحتلال أن يوقفوا أعمال النهب والتدمير. كان جنود الاحتلال وعلي العكس مما وعدوا، ينظمون بأنفسهم أعمال السرقة ونهب الممتلكات العامة؛ كما لو أن ذلك هو واجبهم الأخلاقي الوحيد الذي جاؤوا من أجله. كانوا يقومون بحماية اللصوص ويمازحونهم قائلين:هيا علي بابا. هيا اسرق. احرق. سنبدأ من الصفر. وكانت السنة صفر هي العنوان الحقيقي لغزو العراق. وتلك أسطورة أخري من أساطير السياسة. ذباب وعسلقبيل غزو العراق وأفغانستان بقليل قرر المحافظون الجدد (رامسفيلد، دوغلاس فاث، ريتشارد بيرل، بول وولفوفييتز) استخدام كل مواهبهم في البرهنة علي أن التقويم في الشرق الأوسط الكبير يمكن أن يبدأ من السنة صفر، وأن جرّة العسل العراقية إذا ما كُسرت واندلق السائل الأصفر اللزج فوق الأرض، فإن الذباب سوف يتجمع بكثافة من حولها ـ كما ارتأت نعومي كلاين في مقالتها الرائعة في النيويورك تايمز . ولأن العراق هو جرّة العسل بالنسبة للمحافظين الجدد، فقد تبدي رجال الأعمال والشركات الكبري في صورة ذباب؛ بينما غدا تحطيم الجرة مهمة مقدسة من مهمات الخالق الجديد لفرص العمل. إنها الصورة الميثولوجية الجديدة والمشوقة للآخر. علي هذا النحو، تكون الأساطير الجديدة قد أنشأت منظومة رموز خاصة؛ فالعراق جرة عسل، والذباب شركات الأعمال، والفوضي هي الخلق. هذه الرموز التي يؤسسها السرد الجديد، مماثلة من حيث مدلولاتها المباشرة للرموز التي أنشأها السارد القديم لأساطير العسل. يلاحظ شتراوس في تحليله لأساطير العسل أن ثمة شبها بين العسل والدم (يأخذ شتراوس الدلالة النفسية لدم الحيض، أي دم الولادة والخلق). كلاهما مادتان محولتان؛ الأولي مادة محًولة من الزهور أي من النبات والثانية مادة محًولة من البشر أو الحيوان (أي حيوانية في النهاية) ولكنهما تتصفان بالميزة ذاتها: إما أن تكون مادة مقوية للصحة (العسل ) أو مدمرة (الحيض). بكلام آخر، يمكن للعسل أن يكون مفيداً للجسم أو ساماً تماما كما هو الحال مع دم الحيض؛ فالمرأة المعتلة الصحة سوف تفرز الدم وتتخلص منه بوصفه سماً، بينما تفرزه المرأة الطبيعية أو تتخلص منه بوصفه عسلاً لأنه يؤدي إلي الخلق والولادة. هذا الجذب الإيروتيكي من حيز المذاق إلي حيز الثقافة يفرض منطقه الصارم، فالمجتمع برأي شتراوس، قد لا يسمح بإطالة شهر العسل بالنسبة للعروس؛ لأن هذه الإطالة غير المبررة يمكن أن تفضي إلي نمط من انقلاب في اللعبة: من العسل إلي الدم. جرة العسل العراقية التي اندلقت في التاسع من نيسان/ ابريل اختلطت بالدم. أو انقلبت إلي دم . في هذه الأجواء ارتفعت اللافتة العملاقة التي نصبها الشيوعيون العراقيون وسط شارع المتنبي؛ وفي هذه اللحظات أيضاً انقلب العسل (أو تحوّل) إلي مادة مماثلة وشبيهة بدم الحيض ولكن ليولد كائن مسخ، مخلوق شيطاني مرّوع. إذا ما جربنا النظر إلي الغزو الأمريكي للعراق من خلال العلاقة الرمزية الصافية والمتبادلة بين العسل والدم؛ فسوف نكون أمام التناظر الفريد ذاته لنمط التحوّل. من الأساطير إلي السياسةلا يبدو أن ثمة سؤالا مؤرقا في العالم العربي اليوم، وفي مجتمعات الغرب قاطبة كذلك، أكثر إلحاحاً من السؤال التالي الذي طرحته التظاهرات المليونية للعراقيين الشيعة: لماذا خرج العراقيون في مواكب الدموع والبكاء واللطم علي الحسين، بينما بلادهم تقع في قبضة الأمريكيين؟ وعلي إثر الصور التي بثتها معظم وسائل الإعلام في العالم بعد سقوط بغداد، وحيث تفجرت الطوفانات البشرية المتعاقبة والمتواصلة دون توقف وراحت تملأ الشوارع في بغداد وكربلاء والنجف والكوفة وهي تنزف الدم (أي تفرز دمها أو سمها) جراء الضرب المبرح للأجساد، تساءل الجميع: ُتري لماذا خرج العراقيون إلي الشوارع وهم يمارسون طقس المناحة الجماعية علي الإمام الحسين في ذكري عاشوراء، حيث يندبون ويلطمون ويبكون جماعياً، بينما دبابات إبرامز الأمريكية العملاقة تقطع مداخل المدن الشيعية المقدسة؟ هذا السؤال الذي بزغ من قلب تظاهرات عقاب الجسد الجماعية والمليونية الهائجة هذه؛ الفالتة تقريباً من أي سيطرة فعلية علي المشاعر، لا يزال يشخص أمام أبصارنا بالرغم من مرور وقت طويل علي تحوله إلي طقس سياسي، وهو لا يزال قائماً كما كان منذ وقت طويل أيضاً مزيجاً مفارقاً واستثنائياً من الدين والسياسة. إن قصة مصرع الحسين (حفيد الرسول ـ ص) كما رواها المؤرخون (الطبري مثلا) تتصف بالنسبة لرجال الدين الشيعة المعاصرين، بكونها مزيجاً فريداً من المطالبات السياسية غير المنقطعة بحق الخلافة لآل البيت، حتي مع زوال الخلافة نفسها عن المسرح التاريخي؛ ومن الشعور المذهبي الخاص لجماعة بعينها رأت إلي نفسها عبر التاريخ كرمز للاضطهاد وبأنها وهي تمارس هذا الطقس؛ إنما تسترد داخل حقل السياسة حقها كطرف تم إقصاؤه مع أنه يستند إلي ادعاءات دينية. وهو طرف لم يكف يوماً عن التباهي بجدارته التاريخية كطرف ديني من أطراف الإسلام. هذا المزيج من عقاب الجسد كما مارسته عقائد سابقة علي الإسلام، والذي لا يزال مستمراً بقوة زخم المطالبات السياسية للشيعة، يتضمن في بعض مظاهره الدّالة علي الحزن الجماعي، شعائر من طقس ديني آخر هو طقس الشعور بالخطيئة الموغل في القدم ونموذجه المسيحي ـ اليهودي، حيث يتلازم شعور الإنسان بالإثم مع شعوره بأنه ولد من رحم الخطيئة، أو انه نتاج خطيئة.فما هي الدوافع التي تقف علي وجه الدقة، خلف المسيرات الضخمة في العراق، حيث الموجة العارمة من الحزن ومظاهر البكاء واللطم وضرب الأجساد ونزف الدم ؟ أية خطيئة يشعر بها هؤلاء حتي يشاركهم العلمانيون (وشيوعيو التاسع من نيسان)؟ هل من المألوف في تاريخ المناحة الشيعيّة علي آل البيت ما يفيد بوجود مثل هذه الظاهرة ؟ وهل لعبت السياسة (المناورات الحزبية، والتكتيكات الانتهازية ومصالح القوي المسلحة) أي دور فعلي في تضخيم حجم المناحة التقليدية اليوم ومع وقوع الاحتلال، وإلي الحد الذي غدت فيه ظاهرة استثنائية غير مسبوقة؟ المثير أن الجماهير الشيعية المطالبة بالثأر لدم الحسين عليه السلام، حتي بعد مضي قرون عدّة علي حادث قتله الشنيع، لا تزال تنظر إلي دمه علي أن له مزّية تطهرّية. إنه دم شبيه ومماثل للعسل. ولأنه سيًد شهداء شباب أهل الجنة؛ فإن دمه ليس تماماً دماً بشرياً، وإنما هو من مادة محوّلة تنتج شيئاً شبيهاً بالعسل. وفي المعتقدات الدينية فإن الاستشهاد له طعم حلو. يمكن النظر إلي الاحتلال الأمريكي للعراق من هذه الزاوية؛ وعبر إعادة قراءة الحملة الاستعمارية الجديدة علي أنها تتضمن التحويل ذاته، حيث ينقلب العسل إلي دم في النهاية. إن السياسيين والمثقفين العراقيين الذين روجوا للغزو الأمريكي بوصفه عسلا قد لا يدركون بقدر من الحصافة اللازمة، أنهم كانوا يمارسون نوعاً من التضليل علي مستوي الثقافة، حين ظلوا يمتنّعون بدوافع أنانية فظيعة عن رؤية اللون الحقيقي. لم يكن ثمة عسل قط. كان هناك منذ البداية دم وحســب. وكان الخداع علي مستوي البصر فاضحاً. قصة لافتة ماركس في شارع المتنبيفي مطلع أيار (مايو) 2003 تزامن مرور شهر واحد علي احتلال بغداد (هذا هو شهر العسل الأمريكي الذي ظل المجتمع العراقي يرفض بقوة أو يتمنّع إزاء إطالته تماماً كما تتمنّع العروس) مع بداية موسم ديني من مواسم الدم شديد الخصوصية بالنسبة للمسلمين الشيعة، حيث يختلط دم المشاركين في طقوس البكاء رمزياً، مع دم الشهيد الإمام الحسين (ع) ليشكلا في البعد الرمزي للاختلاط، شيئاً شبيهاً ومماثلاً باختلاط الدم بالعسل. في هذه المناسبة التي تستمر عادة نحواً من عشرة أيام متواصلة، يمارس معظم أبناء المذهب الجعفري من الجمهور الشعبي والمتدين طقوس المناحة الجماعية؛ بكل ما يتخللها من مشاعر حزن وضرب للأجساد والبكاء. منذ اليوم الأول من محرم وهو اليوم الأول من الأيام العشرة المسماة أيام عاشوراء، اكتشف العراقيون أن موسم المناحة الجماعية (السنوية ) لن يعود، بعد الآن مجرد موسم ديني تتخلله طقوس خاصة تبدأ بزيارة المراقد المقدسة ثم بالولائم الدينية الجماعية ومجالس العزاء ؛ وإنما أضحي، بفضل عوامل جديدة ومفاجئة، موسماً سياسياً للإعلان وبكل ما يلزم من القوة والزهو، عن انتصار ثقافة خاصة بعينها داخل المجتمع العراقي، علي سائر الثقافات المحلية الأخري. هذا الانتصار الرمزي الزائف، كان إلي النهاية واحداً من أكثر نتائج الغزو المباشرة بروزاً. بكلامٍ آخر؛ كان الغزو الأمريكي للعراق في بعض أوجهه غير المنظورة، تعبيراً وتجسيداً لنمط من العنف، أي نمطاً من إنتاج الدم ونزفه والتخلص منه كما لو كان سمّاً؛أَدي من بين ما أدًي إليه في خاتمة المطاف، لا إلي انتصار ثقافة الآخر الغربي علي الثقافة الوطنية وحسب؛ بل وإلي انتصار ثقافة محلية بعينها علي ثقافات محلية أخري. وفي نطاق هذا الانتصار وما أسفر عنه من اصطفاف سياسي جديد، سوف تقوم هذه الثقافة المحلية بإزاحة وتقليص وحتي تهميش الثقافات المحلية والتاريخية الأخري، وربما إرغامها علي الإذعان لمتطلبات وشروط الموسم الديني التقليدي نفسه بكل ما يستلزمه من مشاركة صريحة من جانب الآخرين في المناحة الجماعية. وقد تبيًن، بعد وقت قصير فقط من تفجر الظاهرة، أن النظام السياسي الذي نصبه المحتلون، كان يقدم كل التسهيلات بما في ذلك اعتبار بعض أعياد الشيعة عطلاً رسمية؛ من أجل ضمان سهولة أكبر لجعل الإذعان والخضوع لسطوة هذه الثقافة جماعياً وشاملاً. في هذا السياق، كان من شبه المؤكد أن الأمريكيين رغبوا، بأشكال مختلفة من التعبير، في وجود قوي بديلة قادرة بوسائل ثقافية-وبدلاً من العنف المنتج للدم-علي تحقيق نمط من الإذعان الجماعي للعراقيين. ولم يكن ممكناً تخيّل وجود قوي من هذا النوع خارج إطار المؤســــسة الدينية الشيعية التي سارعت إلي استــــغلال فراغ السلطة، وتشجيع كل تعبيرات ورموز الشيـــعة السياسية علي تنظيم تظاهرات البكاء هذه. وذلك ما يفسر لنا السبب الحقيقي لقيام الجنود الأمريكيين بحراسة المسيرات الشيعية في كربلاء والنجف وبغداد، قبل أن تنتبه الأحزاب والمليشــــيات إلي الحرج الأخلاقي والديني الذي تتسبب به هذه التدابير. إن حراسة الأمريكيين لمواكب الدموع والمناحات الجماعية كانت تثير الحرج بالفعل؟ في هذا الإطار ارتفعت لافتة شارع المتنـــبي العملاقة وراحت تغطي الجزء الأكبر من شارع الكــــتب القديمة في بغداد. آلهة وأبطال وقذائفيطل الشارع الذي يحمل اسم الشاعر العربي الأكثر شهرة أبو الطيب المتنبي، علي شارع رئيسي آخر في قلب بغداد هو شارع الرشيد. وهذا بدوره يحمل اسم الخليفة العراقي الأكثر أبهة وأسطورية وثراء في التاريخ:هارون الرشيد. ها هما رجلان أسطوريان يمتلكان كل المواصفات الضرورية من حيث رمزية مكانتهما في الذاكرة الشعبية، ليصبحا متماثلين في الأسطورة وفي الواقع. لقد أصبحا متجاورين وسط جو مشحون بالمفارقات الساخرة، فالشاعر الفارس يطل برمزيته العالية علي مخدع السلطان الثري، وفي المنظر الخلفي دبابات إبرامز الأمريكية وهي تقطع الشارعين اللذين يحملان اسمي الشاعر والسلطان، فيما ترتفع لافتة سوداء عملاقة وحزينة علقها أنصار الحزب الشيوعي العراقي، تعزي كلماتها الإمام الغائب المهدي المنتظر بوفاة جده البعيد الحسين بن علي. فكيف يمكن للمرء تفادي النظر في هذا الفضاء المشحــــون بالأساطير وبالرمزيات العالية والمتفجرة، وأن يتجاهل المغزي الهام فيها وهو أن المجتمع بأســـــره أضحي، في تلك الساعات العصيبة من التاريخ، في قلب عالم الأساطير دفعة واحدة ومن غير توقع أو رغبة أو إرادة. يقول شتراوس: إن التاريخ يصبح جزءا من حاضر المفكر فيه وليس من ماضيه. فماذا لو أننا فكرنا بالفعل، في الماضي،أي في التاريخ الاجتماعي والسياسي الذي يعج بالأساطير في هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية،وحيث يحتشد البشر من حول اللافتة وهم يتأملون بما يشبه الصدمة والذهول في كلماتها، فيما غير بعيد عن شارع المتنبي تمر دبابات ابرامز العملاقة لتجوب شارع الرشيد ؟ هل يغدو التاريخ في هذه الحالة، جزءاً غير منظور من الحاضر الراهن والحي ولا يعود جزءاً من الماضي؟ تعني كلمة ابرامز الإنكليزية: إبراهيم، حيث ُيرسم الاسم العربي في صيغته العبرية الواردة في التوراة علي النحو الآنف: إبرام. في هذه الصيغة من اسم الدبابة العملاقة تكمن رمزية من الطراز الرفيع والعالي؛ فها هنا اسم الجد الأعلي للعرب واليهود وقد دوي في الشارع الذي يحمل اسم هارون الرشيد،حيث أزيز جنازير الدبابات الأمريكية ينزل الروع في قلوب الأبرياء. علي هذا النحو يشكل الحاضر الراهن كما لو كان هو نفسه الماضي: ها هنا إبراهيم النبي جد العرب واليهود الأعلي والبعيد وإلي جواره المتنبي وهارون الرشيد والرصافي والأمين والمهدي المنتظر والحسين وماركس. لقد احتشدوا جميعاً في مشهد مهيب تمتزج فيه السياسة بالميثولوجيا، والدم بالعسل، وليصبحوا هم الحاضر وليس الماضي بمجرد أن نمعن النظر في المنظر الخلفي. إن ما يجمع هذه الشخصيات، إذا شئنا الدقة والحيادية، ليس التاريخ القديم الذي بزغوا من قلب برهة ضائعة ومنسية فيه، وليس أيضاً ُبني الأساطير القديمة ولا المتاحف وكتب التراث أو الكتب المقدسة؛ بل الواقع الواقعي المُعاش والمُفكر فيه. هكذا تسني لمجتمع التاسع من نيسان / أبريل في العراق أن يعيش داخل لحظة نادرة في التاريخ: دبابات إبراهيم تقطع شارع الخليفة هارون الرشيد فيما الشيوعيون يرفعون في شارع المتنبي لافتة عزاء للإمام الغائب المخلص المنتظر باستشهاد الحسين بن علي. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية