مناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (3)

حجم الخط
0

مناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (3)

يوم سقط تمثال صدام 2003 ولد جيل من القادة هو خليط من رجال دين غير متعلمين وأثرياء ويساريين متأمركينرجال الدين روجوا لفكرة المخلص المنتظر الذي جاء لتحريرهم وهذه المرة كان جنديا امريكيا قابعا في دبابة ابرامزمناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (3)فاضل الربيعيهل يمكن لنا أن ننظر إلي الغزو الأمريكي للعراق من منظور ثقافي؟ ما أهمية البعد الثقافي لما حدث في التاسع من نيسان/ أبريل 2003؟ في هذه الدراسة الجديدة يعود الباحث والمفكر العراقي فاضل الربيعي إلي تحليل نتائج وتداعيات الغزو الأمريكي للعراق، وهذه المرة من منظور ثقافي من أجل رؤية العلاقة بين السياسة والأساطير.. يلاحظ الربيعي أن الغزو الأمريكي الذي قام في الأصل علي سلسلة من الأساطير، هو نموذج فريد في الاستعمار الجديد حيث تتلازم السياسة مع الأسطورة، ويصبح كل شيء خاضعا لمنطق شاذ لا سبيل إلي تفكيك مقولاته.. القدس العربي في نقده لماركسيًة ماركس (الأولي) عندما كان ماركس الشاب المبهور بهيغل ومن حوله الشباب اليساري يعمل المستحيل من اجل إرغام الديالكتيك الهيغلي علي أن يمشي علي رجليه بدلا من المشي علي رأسه )لاحظ شتراوس أن ماركس وضع مقابل المجتمعات التاريخية، ما دعاه بمجتمعات نمط الإنتاج الآسيوي أي كامل المجتمعات غير التاريخية، أو تلك التي لا تملك التاريخ ولكنها تملك في المقابل، مفهومها الخاص للتاريخ بوصفه أساطير بحسب ما ارتأي فريزر في أبحاثه، وأن ماركس ضمَ إلي هذه المجتمعات كل العشائر والقبائل والجماعات المسماة بدائية (جاهلية حسب التعبير العربي الإسلامي)لأنه كان يري أن كل المجتمعات غير التاريخية توجهها علاقات القرابة لا علاقات الإنتاج. طبقاً لهذا التخطيط الماركسي الأولي، المبني علي تصورات ذات طابع استشراقي ـ إلي حد ما ـ فإن التاريخ لم يكن ليؤثر قيد شعرة في مصير هذه المجتمعات أو في مسار تطورها؛ فإذا ما أصابها الدمار والخراب، مثلاً، نتيجة الحرب والفناء الجماعي أو الغزو، كما هو الحال مع النموذج العراقي الذي ندرسه؛ فإنها سوف تنهض في المكان نفسه وبالاسم نفسه من دون أي تغير يذكر. إنها المجتمعات غير التاريخية التي تتصف بكونها مجتمعات ثبات (سكون). بيد أن انثروبولوجيا ما قبل ماركس، وفي حالات أخري الأنثروبولوجيا المعاصرة له، ارتأت وبشيء من إمعان النظر والتدقيق الحصيف في النتائج الدراسية، أن هذه المجتمعات تملك قابلية مذهلة علي التكيّف مع أوضاع وظروف خطيرة، وأنها تستطيع انجاز فكرتها الخاصة عن المدنية والاستقرار والتقدم، ولذا أولت شطراً من اهتمامها صوب العناية الخاصة والقصوي وبشكل متواصل، بحالة مجتمعات ما دون التاريخ، أي بحالة المجتمعات التي ظلت من دون ملفات ووثائق مكتوبة؛ ولكنها امتلكت تاريخاً شفهياً ثراً وغنياً بالمثل الإنسانية والقيم التي تمكنها من مواصلة تطوير منظومتها الأخلاقية والخاصة للمدنية. بيد أن الأنثروبولوجيا المعاصرة ارتطمت، مع هذا كله، بمعضلة العلاقة بين الأسطورة والتاريخ في هذه المجتمعات.ثقافة الانتهاكإن التاريخ لا يعني بالنسبة لهذه المجتمعات سوي الأساطير، بينما الأساطير التي يتشوًق الغرب إلي معرفة أسرارها، تبدو وكأنها هي التاريخ عينه.ما يمكن ـ ويجب ـ رؤيته بوضوح في هذا النطاق من المسألة، أن ثقافتنا العربية المعاصرة لا تزال تنظر بقدر غير مقبول من التجاهل وأحياناً الازدراء، للفروق المفهومية بين الأسطورة والخرافة، مع أنها تلاحظ، في الآن ذاته، ان غالبية السكان وبوجه العموم الغالبية شبه المتدينة، تعتقد اعتقاداً راسخاً بتاريخيّة الكثير من الوقائع والأحداث والشخصيات الأسطورية، وتؤمن بمعجزات الأبطال والقديسين وباستمرار تأثيرهم علي الأحياء من البشر، بل ان درجة إيمان الغالبية في المجتمع العربي بأن للأموات سلطة شبه مطلقة علي الأحياء ، هي عقيدة راسخة لا مجرد معتقدات سطحية. هذا الإيمان غير القابل للزحزحة في مجتمعاتنا العربية المعاصرة؛ بأن للأبطال الأسطوريين (والقديسين والأئمة والصالحين والأولياء) سلطة تفوق سلطة الأحياء من الأبطال الحقيقيين يصب في الفكرة الجوهرية التي أثارها الاحتلال الأمريكي للعراق: اختلاط الميثولوجيا بالسياسة. إن من بين أكثر النتائج الفعلية لهذا الاحتلال سطوعاً،علي مستوي الحضور الرمزي الكثيف للمعتقدات القديمة والأساطير في مجتمع الاحتلال، أن الجنود الأمريكيين كانوا وبعد وقتٍ قصير فقط من سقوط العاصمة العراقية، يمارسون نوعاً من انتهاك شبه مدروس ومنظم إلي حد بعيد، لكل القواعد والأسس الأخلاقية التي حافظت عليها الثقافة القديمة المستمرة في المجتمع العراقي، ومن ذلك انتهاك إحساس المرأة العراقية (وخصوصا في مناطق غرب العراق البدوية) بأن انكشافها علي الغريب أو تعرضها للتفتيش علي يد جنود (لا مجندات) وما يتطلبه ذلك، تقنياً من تحسّس شاذ أو شبه شهواني لجسدها. لم يكن ذلك مجرد انتهاك للإحساس بالعيب والعار الناجم عن تعرض الجسد إلي مهانة التفتيش، وإنما بدرجة أبعد من ذلك، انتهاكا للمنظومة الثقافية للسكان بما هي منظومة معقدة من الأفكار والتصورات الدينية والتراث والتقاليد الخاصة بالبيئة المشحونة بكل ما يبدو، من وجهة نظر الغرب، مجرد أساطير و ترهات شرقية . إن الجنود الأمريكيين الذين انتهكوا أعراض النساء العراقيات وقاموا بشكل وحشي بالاعتداء الجنسي عليهن داخل مساجد الفلوجة المدمرة، وفي وضح النهار، لم يكونوا مجرد أولاد طائشين سلكوا سلوكاً مشيناً أو مجرد أفراد لم يلتزموا بقواعد الاشتباك مع العدو؛ بل كانوا يقومون بالضبط بانتهاك الجزء الشفاف من الثقافة المحلية وبتمزيقها بقصد فاضح، لأن هذا الجزء من الثقافة هو الذي يتضمن أسرار الأساطير السحرية والغرائبية في الشرق، أي أنهم كانوا يقومون بالعمل الاستعماري القديم نفسه الذي امتازت به التجربة الكولونيالية البيضاء.وهذا هو مغزي قيام الأمريكيين بحراسة مواكب الدموع. لقد كانوا ينتهكون ذلك الجزء الشفاف من إحساس العراقيين بالعار. وبينما يفضي شارع المتنبي إلي شارع الرشيد؛ فإن الأخير يؤدي مباشرة إلي شارع آخر يحمل اسم شاعر عراقي ارتبط اسمه بالكثير من الجدل حول الاحتلال البريطاني للعراق مطلع القرن الماضي، يوم وجد نفسه يرحب بالغزاة، ثم ينقلب عليهم كما ارتمي بأحضانهم، ذلك هو معروف الرصافي الشاعر الذي مات فقيراً وحزيناً وهو يري التحرير البريطاني للعراقيين من الاستبداد العثماني وقد انقلب إلي احتلال شرس؛ ومع ذلك كرّمه العراقيون تالياً وتصالحوا معه علي قاعدة من التسامح الشعبي وأقاموا له تمثالاً شامخاً. يفضي شارع الرشيد بالنسبة للسائر من شارع المتنبي مباشرة، إلي تمثال الرصافي الذي ينتصب وسط شارع يدعي شارع الأمين (الابن البكر لهارون الرشيد). وإذا ما مضي السائر متبختراً في هذا الشارع متطلعاً نحو التمثال الذي سيبدو آنئذٍ، كما لو أنه يخرج من وسط النيران مختنقاً بسحب الدخان والغبار؛ أو يسير محدقاً في عيني التمثال الحجريتين المصوُبتين إلي الأفق؛ أو يمشي وهو يرًدد متحسراً بعضاً من أشعار الرصافي، فلا بد أنه سيردد البيت الساخر التالي الذي قاله في هجاء حكومات الإنكليز: َعلمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍكلٌ عن المعني الصحيح محرًفُأسماء ليس لنا سوي ألفاظهاأما معانيها فليست تُعرَفُوأخيراً سينعطف السائر نحو شارع فرعي يضم أهم أثر عباسي ُمتبقٍ من بغداد القديمة: المدرسة المستنصرية.لكل ذلك تبدو اللافتة العملاقة التي نصبها الشيوعيون العراقيون وقطعت شارع المتنبي عرْضياً، وكأنها تنتسب إلي فضاء ثقافي (ميثولوجي ـ أسطوري) متكامل بفضل مصادفة معمارية نادرة.ولكن لينتسب أيضاً ـ في لحظة نادرة من تاريخ الهندسة المعمارية العراقية الحديثة ـ إلي فضاء ثقافي جديد هو المزيج عينه من المفاهيم والقناعات والأفكار المتشابكة والمشحونة بالمفارقات. وأكثر من ذلك، ينتسب إلي فضاء مشحون بأساطير العسل والدم الجديدة وبالحكايات والأبطال. ها هنا ظلال المتنبي الوارفة وقصائده التي تضوع بنكهة الفروسية والاعتداد بالنفس، وها هنا رفوف الكتب القديمة والأرصفة التي تزدحم بأقدام الباحثين عن الكنوز الثقافية الغابرة (بعض هذه الكنوز كان ما يزال لحظة سقوط بغداد في قبضة الأمريكيين بلفافاته من الورق الأنيق محفوظاً بعناية تامة، طازجاً كالخبز الطالع من التنور. لقد ُأنزلت الكتب للتو من رفوف المكتبات في بيوت الكتاب والعلماء والباحثين الذين أفقرهم الحصار الطويل وأنهك أرواحهم وعظامهم وعرضت للبيع بأثمانٍ بخسة) وها هنا أيضاً ما هو أكثر ندرة وغرابة؛ فالبشر أنفسهم باتوا يرطنون الآن بلغة جديدة وغير مفهومة:رجل الدين الشيعي المتزمت، المذعور من كلمة الديمقراطية بات يتشدق بالكلمة نفسها التي ظل يمقتها طوال حياته، بينما يقود في الآن ذاته تظاهرات حزن ولطم جماعية في الشوارع داعياً الجماهير إلي العويل والنحيب والتضرع للمهدي المنتظر؛ فيما في الإطار نفسه يُري رجل الأيديولوجيا الشيوعي الأرثوذكسي يتشدق هو الآخر، بالكلمة نفسها التي نذر نفسه للصراع ضدها وقاومها بضراوة بما هي منتج رأسمالي. أما الليبرالي العلماني الذي راح يتشدق بالمزيج نفسه من العسل والدم (وقد سال من أفواه الشيوعيين ورجال الدين علي حدً سواء) فقد وجد نفسه وقد عاد إلي بيت الطاعة الطائفي (البيت الشيعي).مصالحة زائفة مع جمهور معادكانت اللافتة تتضمن، بالقدر نفسه من المفاجأة الصاعقة، شيئاً محدداً من طرق التفكير الجديدة في مجتمع الاحتلال الذي بزغ صباح التاسع من نيسان (ابريل)؛ وربما تقوم بتلخيصها في جملة واحدة يفيد منطوقها المباشر بأن كل شيء قد تبدّل، وأن علي العراقيين أن يتكلموا لغة جديدة. فهل أثار الناطقون باللغة الجديدة في الشوارع التي تحمل أسماء القادة والشعراء الأسطوريين في بغداد، الحيرة في المجتمع الذي لم يكن قد استيقظ بعد من هول الصدمة؟ هل هم ليبراليون حقيقيون جاؤوا لتحرير المجتمع والأفراد من أسر الماضي والأخذ بيد الضحايا نحو المستقبل؟ أم هم علمانيون ارتبكوا واضطربوا أمام أسئلة العصر المحيّرة؟ أم هم متنكرّون أرغمتهم الأحداث والظروف علي ارتداء الأقنعة الزائفة؟ شيوعيون، مثلاً، تنكرّوا بأردية رجال دين ورجال دين منافقون تواروا خلف أيديولوجية يمقتونها، ولكنهم يجدون فيها سلاحاً جديداً للسيطرة علي الجماهير؟ أم هم كل ذلك المزيج العجيب من الأفكار والمصالح المتناقضة الشبيهة بمزيج العسل والدم؟ كل شيء كان في تلك اللحظات مثيراً للحيرة مع تشابك الرموز التاريخية بالمعاصرة، والماضي بالحاضر، والحقيقة بالخداع. لقد امتزجت الأساطير بالسياسة وإلي الحد الذي راح فيه الأفراد في مجتمع الاحتلال يتصوّرون الواقع كما لو كان كابوساً.وكانت لافتة شارع المتنبي واحدة من أكثر الدلائل سطوعاً علي الطابع المعقد للعلاقة بين السياسة والأسطورة في الثقافة العربية المعاصرة.ليس من المُعتاد في المناسبات العامة، وخصوصاً الدينية منها، رؤية هذا النمط من الدخول السياسي المكشوف والجارح من جانب النخب الثقافية والسياسية في المجتمع علي خط المُعتقدات الخاصة بالطوائف والمذاهب. وعلي نحو أخص، تلك التي تتسم بطابع ميثولوجي (أسطوري) هو في نهاية المطاف موضوع نزاع فقهي وتاريخي بين المفكرين والفقهاء، كما هو الحال مع عقيدة المهدي المنتظر التي تحظي،عند كثرة منهم باهتمام من نوع آخر (بعضهم يحصر المسألة في إطارها العقائدي ولا يحبذ وضعها في إطار سياسي من أي نوع). إن صاحب العصر والزمان الذي يتوجه إليه الحزب العلماني الماركسي ـ اللينيني بالعزاء كما لو كان حزباً دينياً، ليخاطب من خلاله كل رعاياه المؤمنين بظهوره المحتوم، هو الإمام الشيعي الثاني عشر في المرويات الدينية والمعروف باسم المهدي أو (الغائب) أو (صاحب الزمان ). تكمن المفارقة، بالنسبة لجمهور المارة وعابري السبيل والفضوليين في الفكرة التالية: هاهم العلمانيون التقليديون العائدون من المنفي، من الشيوعيين القدامي والماركسيين والديمقراطيين والليبراليين الجدد، يحاولون بعد زهاء ربع قرن من القطيعة الثقافية مع الجمهور الشعبي، الفضولي والعابر، استمالة هذا الجمهور إلي جانبهم ومصالحته، ولكن داخل حيز الميثولوجيا الضيق والخاص بطائفة بعينها وداخل معتقدات مذهب بعينه، وذلك عبر استخدام ذخيرة الأساطير في الصراع السياسي والتنافسات الانتهازية المصاحبة له. هذه الأساطير كانت طوال الوقت ويا للعجب، موضع سخرية من جانب نخب لم تشأ أو ترغب في أي وقت، بقبول إمكانية التمييز بين الخرافة والأسطورة حتي علي مستوي المفاهيم الدراسية، بينما يقومون اليوم ومع الاحتلال بالتظاهر أمام الجمهور نفسه بأنهم يؤمنون بعقيدة المهدي المنتظر؟ ومع ذلك وجدت هذه النخب وبعد سنوات من القطيعة مع معتقدات المجتمع و خرافاته و ترهات أوساطه الشعبية الفقيرة والأمية والساذجة، وكأنها تكتشف للتو مخزن الأسلحة الأكثر فعالية: المخزن الثقافي الذي ترك فيه الأفراد والجماعات،علي مرً التاريخ، ذخيرة فعالة وقذائف تصلح للقتال في كل العصور.إنه مخزن أساطير المجتمع.احتكار الأساطيربيد أن فكرة استمالة الجمهور وفي هذا الوقت العصيب، كانت ُتعرض في الواقع علي قطاع محدود منه، بوصفها بديلاً من المصالحة علي أساس المهام الراهنة والعاجلة والواقعية. بكلام آخر؛ بينما يفرض الواقع علي النخب التقدم ببرنامج لمصالحة حقيقية مع المجتمع، تقوم بالضد من رغبة المجتمع باستمالة وتملق قطاع واحد منه هو قطاع الذين حولوا العقيدة الدينية إلي ممارسة سياسية.ولأن هذا النوع من الذخيرة قابل بطبيعته للتفجر والتطاير، وهو في الجوهر نوع من مواد دعائية ذات طابع جماهيري، مفضل عادة عند رجال الدين (الملالي) لأجل فرض النفوذ الروحي علي المعذّبين والمهمشين في المجتمع؛ أو أولئك الذين تشبعوا ثقافياً بفكرة وجود المخلص وحتي انتظار ظهوره الحتمي بارتعاش وجداني حار وصادق خالٍ من أي نفاق أو تلاعب؛ فقد تبدت لافتة شارع المتنبي العملاقة خروجاً عن النسق التقليدي والمألوف في التنافس السياسي. وبدرجة أكبر من ذلك، كأول محاولة علنية من جانب العلمانيين لكسر احتكار الأساطير، عبر سرقة شعارات وكلمات خصومهم رجال الدين، وتجربة إمكانية الاستيلاء عليها أو التنافس معهم من أجل امتلاكها. ولأول مرة بعد سنوات طويلة من حكم الحزب الواحد وسيطرة إيديولوجيا قومية، يلعب فيها الإسلام دوراً ثانوياً أو مُسيطرا عليه داخل حقل السياسة؛ أصبح الدين (الميثولوجي) الشعبي، أي دين العامة من الناس، وليس الدين التاريخي (الإيديولوجي) موضوعاً سياسياً في متناول جماعات وأفراد متنافسين داخل حقل السياسة. جاء سقوط العاصمة التاريخية للعرب والإسلام في يد الأمريكيين، ليدفع بأفراد وجماعات عراقية متنافسة، صوب استخدام الدين كذخيرة في القتال العنيف علي مصادر المال والنفوذ والسلطة، وفي بلدٍ انعدمت فيه كل أشكال الرقابة من جانب الدولة؛ تماماً كما تلاشت فيه كل أشكال الردع الأخلاقي من جانب المجتمع، فقد أصبح الجميع في حالة مواجهة دامية ليس فيها أي قانون أو قاعدة قانونية يمكن أن تنظم القتال بين المتنافسين.فهل ينطوي الأمر علي تنافس سياسي أم علي نمط من التزاحم الثقافي علي احتكار الأساطير داخل مجتمع أصبح تحت الاحتلال؟ وهل بات المجتمع العراقي في قلب نمط من التجاذب والنزاع بين النخب والجماهير علي شكل ودرجة استخدام الأساطير؟ أم أن الأمر برمته ينطوي علي نوع من التناهب شبيه ومماثل بالنهب الذي جري للبنوك والمتاحف والمؤسسات في العراق، ولكن بوسائل وأدوات ثقافية ؟ أي أن النخب السياسية والفكرية كانت تلعب الدور نفسه الذي لعبه الرعاع (الحواسم) ؟ فإذا كان الحواسم يسرقون البنوك والمؤسسات؛ فإن النخب كانت تمارس نوعاً آخر من السرقة باستيلائهم العلني علي أساطير المجتمع. وهذا هو المغزي الحقيقي للافتة التي علقها الشيوعيون العراقيون في شارع المتنبي. المثير للدهشة أن ثمة مقاربة ساخرة أخري، كانت تنبثق من خلال كلمات اللافتة؛ فالشيوعيون القدامي كانوا بالنسبة لجزء من الجمهور العام، أصحاب حتمية أيديولوجية مماثلة عن الخلاص والمخلص شبيهة بحتمية رجال الدين الشيعة؟ كلاهما كانت لديه حتميته السحرية. وعند تخوم هذه العقيدة المخادعة تلاقي الحزب العلماني والجمهور الشيعي . لقد افترقا طويلاً،ولكن ليلتقيا أخيراً داخل عقيدة انتظار المخلص التي لطالما نقدها بعض كتاب الشيعة، كما نقدها ماركس نفسه في مؤلفه الضخم رأس المال. نعت ماركس، استناداً إلي بيت شعر لشاعر إنكليزي كلاسيكي، طبقة رجال الدين في الكنيسة، ووصفهم بأنهم كانوا يحولون الدين إلي ما يشبه الأفيون، بدعوتهم للمُسَتغلين والمهمشين والمحرومين والجياع، إلي الصبر وانتظار الخلاص بدلاً من مقاومة الظالمين.من سوء حظ ماركس، ومن سوء طالع الشيوعيين العرب بكل تأكيد، أن الجمهور الشعبي في العالم العربي وبسبب رواج طبعات مترجمة غالباً بصورة رديئة من الكتب الماركسية الأولي، نسي أو تجاهل أن ينسب ـ كما فعل ماركس بوضوح في مؤلفه- هذا الوصف اللاذع للشاعر الإنكليزي. وبدل ذلك راح ينسبها خطأ وجيلاً إثر جيل لماركس وللشيوعيين. في الواقع لم ينطق ماركس بحرف واحد حول الدين كأفيون للشعوب . وهذه العبارة الشهيرة لم تكن من ابتكاره قط. كل ما فعله هو أنه أورد بيتاً من الشعر الإنكليزي ترد فيه العبارة التي يسجل فيها الشاعر نقداً لاذعاً لطبقة رجال الدين المسيحيين في إنكلترا وأوروبا؛ كانوا يستغلون أوضاع الفقراء والمحرومين والمستغلين لصالح الرأسماليين،وذلك من خلال استخدام الدين لتهدئة مشاعر هؤلاء في اللحظة نفسها التي بزغ فيها عصر الرأسمالية بكل توحشه. إن نقد ماركس لدور الكنيسة، والمُستلهم من الشعر الإنكليزي، موجه لطبقة رجال الدين لا إلي الدين المسيحي. ويبدو أن الشعور الدفين عند الشيوعيين العراقيين، بالضيق والانزعاج من النعت الذي أصبح تهمة تلاحقهم في كل مكان، كان موضوع استغلال من جانب حلفائهم الجدد رجال الدين الشيعة بشكل خاص (في عهد المرجع الأعلي محسن الحكيم صدرت الفتوي الشهيرة بتحريم الشيوعية). كانت التهمة أثناء احتلال بغداد، لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة علي سلوك الشيوعيين وكثرة من المثقفين اليساريين (الذين اكتشفوا ويا للغرابة أن لهم جذوراً طائفية) وتبين بجلاء، أن رجال الدين والأحزاب والمليشيات الشيعية التي دخلت مع قوات الاحتلال، هم الرابحون الحقيقيون من معركة إسقاط النظام عندما فرضوا سيطرتهم بسرعة علي الشارع، جارفين من خلفهم جمهوراً خائفاً روّعته الأحداث المتلاحقة. ولم يكن بمقدور الشيوعيين آنئذٍ عمل أي شيء له قيمة في سياق تغيير الطابع الحقيقي لحركة الجمهور في الشارع. ذلك ما يفسر جزئياً، علي الأقل، مغزي استعادة الشيوعيين لتقاليد مشاركتهم في مجالس ومواكب العزاء في الخمسينات من القرن الماضي. بكلام ثانٍ؛ كان الشيوعيون العراقيون يشعرون مع احتلال بغداد، بأنهم سوف يُطالبون عاجلاً أم آجلاً بتبرير أو توضيح، أو حتي الاعتذار نيابة عن ماركس عن عبارته الفاحشة تلك التي تفوه بها ذات يوم، أو أن يبرهنوا علي أنهم لم يعودوا يؤمنون بها. ولم يكن ثمة من سبيل آخر سوي تقديم مثل هذا الاعتذار علناً في شكل لافتة عملاقة تقطع شارع المتنبي.اعتذار عن الماضي أم تملق للجمهور؟كانت اللافتة العملاقة نوعاً من اعتذار عملاق قدمه الشيوعيون باسم كل العلمانيين في المجتمع العراقي، لحفنة من رجال الدين الطائفيين (بشكل مقيت ومزعج حتي لبعض البسطاء) ممن فتنهم الانتصار اللامع والسريع للأمريكيين لمصلحتهم وبالنيابة عنهم. في تلك اللحظات وحين توقف الجمهور الشعبي أمام اللافتة وراح يمعن النظر بكلماتها،تلاقت حتميتان ميثولوجيتان (أسطوريتان) كانتا تعبّران عن العقيدة نفسها، عقيدة انتظار المخلص. ولسوء الحظ؛ فإن كثيراً من الشيوعيين العائدين من المنافي، كانوا وهم يروجون وسط عائلاتهم وأصدقائهم وفي الصحف والفضائيات كذلك، لفكرة أن الاحتلال الأمريكي ليس احتلالاً، بل هو خلاص وتحرير من الديكتاتورية؛ إنما كانوا، ومن حيث لا يريدون ربما، يروجون للعقيدة ذاتها ولكن بلغة السياسة لا بلغة الدين. كان المُخلص المنتظر بالنسبة لهؤلاء يتراءي في صورة جندي مارينز أبيض، أكثر شبها بصورة داود الملك. (هذه الصورة شاعت إبان الحروب المعروفة في التاريخ العربي بحروب الفرنجة أو الحروب الصليبية فقد صور رجال الدين المسيحيون ملك التتار أثناء زحفه لاحتلال بغداد في صورة الملك ـ النبي التوراتي داود. أي في صورة مخلص منتظر. وهي صورة تراءت في مرآة الخيال الاستشراقي بقوة) . ولكن داود الجديد كان يقبع ـ هذه المرة ـ داخل دبابة عملاقة من نوع إبرامز، طالب الهائجون سائقها بسحب تمثال صدام حسين من قاعدته في ساحة الفردوس، لتسقطه أرضاً وسط هياج فريق صغير من المنفيين تراكضوا صوب الساحة. وكان مثيراً للانتباه وسط هذه الأجواء المشحونة بالتناقض، أن الأحزاب والمليشيات (الشيعية) الطائفية التي يقودها رجال الدين، كانت من بين أكثر مروجي هذه الصورة عن المخلص والمنتظر. لقد أصبح الجندي الأمريكي في أنظارهم مخلصاً منتظراً جاء لتحريرهم، أي شخصاً بعينه من دم ولحم ولم يعد مجرد أسطورة. وهذه عينها الصورة التي عمل الشيوعيون العائدون مع الاحتلال علي الترويج لها. ها قد غدا المخلص المنتظر كائناً بشرياً منذ الآن ولم يعد أسطورة، وتلاقت داخل هذا الفضاء من الرموز عقائد وأفكار ومفاهيم وتصورات،مكنت وعلي نحو شديد الوضوح، كل مَنْ كانوا خصوماً بالأمس لأن يصبحوا حلفاء اليوم.وهكذا؛ ازدحم المشهد بكل ما يلزم من عناصر أسطورية.ها هنا دبابات ابرامز (إبراهيم ) تسحب خطاها العملاقة في شارع هارون الرشيد، بينما ترتفع يافطة عملاقة في شارع المتنبي الذي ارتبط لقبه بأسطورة مريعة عن ادعائه النبوًة. علي الطرف الآخر من الشارع، حيث تباع فوق الأرصفة كتب الشعر وقصص السحر ومجلدات ألف ليلة وليلة، كان أزيز الرصاص يُسمع مختلطاً بصليل السيوف والدفوف. وفي تلك اللحظات ازدحمت شوارع بغداد بالأنبياء والمخلصين والملوك والشعراء وعبقت في الأجواء رائحة الموت. إن طبقة رجال الدين في المجتمع، والجمهور الشعبي المتدين كذلك؛ يحتكران علي حد سواء شطراً من التاريخ الديني الشفهي الذي يستخدمه سائر أفراد المجتمع في حياتهم اليومية، كما لو كان تاريخاً مستمراً وغير قابل للانقطاع؛ ويقومان بوسائل متماثلة ومتقاربة إلي حدً بعيد، بصياغة المخيلة الجماعية من خلال استخدام لغة مُنمقة وشفافة. وهما، رجل الدين والجمهور الشعبي، يتبادلان السلطة علي الأفراد في إطار علاقة هيمنة ثقافية من نوع معقد، يصبح فيها رجل الدين تارة خاضعاً للجمهور ومنقاداً خلفه، وتارة أخري يغدو فيها الجمهور العام خاضعاً كلية لسحر رجل الدين ونفوذه.وإلي هذا كله فهما يتبادلان مهمة توظيف الرواية الشعبية عن الأبطال والأحداث الهلعية، توظيفاً نفعياً شديد الإتقان. ولذلك يكتسب التوظيف السياسي لشخصية المهدي المنتظر في العقيدة الشيعية، مع كل احتلال للعراق (البريطاني من قبل ثم الأمريكي وكما يبيًن التاريخ الاجتماعي ـ السياسي الحديث) بُعده التام كتوظيف براغماتي صارخ في دلالاته يقوم من بين ما يقوم، علي تحويل الأسطورة إلي واقع وبتحويل الواقع إلي أسطورة.إن أسطْرَة الواقع تأخذ في هذا المنحي، دلالتها التامة كعملٍ منظم من أجل إحداث تغيير هائل في تفكير الأفراد وفي نظرتهم إلي مجتمعهم؛ فهو مجتمع أساطير حيّة ومستمرة ومتواصلة دون توقف، تلعب فيه الرموز ـ كما يلعب الأبطال ـ دورهم كقوة هيمنة لا حدود لتأثيرها وطاقتها علي تحريك وتهييج الحشود، وهو مجتمع أفراد تعاقدوا من دون وثيقة؛ ولنقل من دون أن يضطروا إلي إبرام ميثاق مكتوب أو عهد، علي أن يجعلوا من أساطير المجتمع أكثر قابلية علي الحياة والتواصل، وأن يخلقوا، في كل وقت، كل ما يلزم من ظروف ووسائل، من أجل أن يحيا الأبطال الأسطوريون في المجتمع بوصفهم كائنات بشرية حيّة لا تعرف الموت. بهذا المعني تبدو لافتة الشيوعيين في شارع المتنبي؛ وكأنها إعلان عن ولادة راوٍ جديد ومنافس من خارج الطبقة الدينية الفولكلورية التي ظلت تروي وتقصً علي جمهورها، قصة الاستشهاد البطولي للحسين (عليه السلام) طوال أكثر من ألف عام، أي ولادة راوٍ جديد يعلن بكل وضوح أن الأبطال لا يموتون أبداً، وأنهم أحياء وأن من واجب الأفراد في مجتمع الاحتلال، أن يقوموا بتقديم العزاء لهم شخصياً، وذلك في مناسبة هي في الصميم من معتقد يقول بأن أبطالاً آخرين واقعيين سقطوا صرعي في نزاعٍ دام مع السلطة، ولكنهم لم يسقطوا في الواقع لأنهم تنافسوا علي السلطة الدنيوية؛ بل لأنهم كانوا يصارعون من أجل رفعة وسمو الأفكار والمبادئ. ولم تكن هذه المبادئ علي أي حال لتعني بالنسبة للكثيرين، شيئاً آخر غير الإسلام وانتصاره. وتلك هي صورة الحسين بن علي بن أبي طالب عند الشيعة، وهي ذاتها صورة الشهيد وكل شهيد يمكن أو يجب أن ينظر إليه علي أنه سقط في معركة عظيمة مع السلطة، لا من أجل انتزاعها من الخصوم؛ بل من أجل انتصار المبادئ والأفكار والقيم الرفيعة. وبهذا المعني فسوف يتم تجريد الأبطال من أي مسوغ لبطولتهم خارج فكرة الإيمان بالعقيدة المتسامية، وتصبح هذه هي الباعث الوحيد، الصافي والخالي من أي بواعث دنيوية.وهذه الفكرة هي في صميم المغزي الذي حملته كلمات اللافتة العملاقة في شارع المتنبي. لقد رغب شيوعيو التاسع من نيسان (ابريل)، وتحت ضغط إحساس مفاده ومؤداه النهائي، أنهم يمكن أن يكونوا بقليل من الفطنة وحسن التبصر بالواقع، منافسين أقوياء لرجال الدين شرط أن يستغلوا،عبر عمل سياسي محنّك، شعاراتهم وأفعالهم وأفكارهم. وبالفعل، فقد صور هؤلاء أنفسهم من خلال اللافتة، في صورة جماعة تصارع مثل رجال الدين من أجل أفكار سامية نادرة ولا مثيل لها، ومتطابقة فوق ذلك وحرفياً مع أفكار خصومهم، فيما هم يعيدون إنتاج أفكار وصور ومعتقدات ورموز؛ لطالما واجهوها بالنقد اللاذع وكافحوا ضدها بوصفها دليل رجعية وتخلف قطاعات واسعة من الجمهور الشعبي. هذا الراوي الجديد، المنافق والمرائي والمشكوك فيه بالنسبة للجمهور (الشعبي، المتدين) لا يتردد أبداً في الكشف عن شخصيته الحقيقية وهويته إنْ لزم الأمر: إنه الحزب العلماني العائد إلي البلاد من المنفي، والطامع في بناء شراكة من نوعٍ ما داخل فضاء الأساطير وليس داخل الواقع، مع سائر الشركاء المحتملين الذين باتوا يرطنون اليوم باللغة الجديدة التي لم تكن، وليست، في الأصل ، سوي المزيج عينه من البارود والديمقراطية.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية