مناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (الاخيرة)
عند تخوم العناق بين الاله تموز والحسين الشهيد يلتقي النائحون: الشيوعيون ورجال الدين والليبراليون والعلمانيونالاحتلال فجر ثقافة بكائية تنوح علي قتلي الماضي والمجتهدون المعادون للاجتهاد تبنوها تحقيقا لمصالح آنيةمناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (الاخيرة)فاضل الربيعيهل يمكن لنا أن ننظر إلي الغزو الأمريكي للعراق من منظور ثقافي؟ ما أهمية البعد الثقافي لما حدث في التاسع من نيسان/ أبريل 2003؟ في هذه الدراسة الجديدة يعود الباحث والمفكر العراقي فاضل الربيعي إلي تحليل نتائج وتداعيات الغزو الأمريكي للعراق، وهذه المرة من منظور ثقافي من أجل رؤية العلاقة بين السياسة والأساطير.. يلاحظ الربيعي أن الغزو الأمريكي الذي قام في الأصل علي سلسلة من الأساطير، هو نموذج فريد في الاستعمار الجديد حيث تتلازم السياسة مع الأسطورة، ويصبح كل شيء خاضعا لمنطق شاذ لا سبيل إلي تفكيك مقولاته.. القدس العربي من تموز إلي الحسينلم يحدث، قبل التاسع من نيسان (ابريل) 2003، وعلي امتداد التاريخ السياسي والاجتماعي الحديث في العراق، أن شاهد العراقيون قط، مثل هذه اللافتة العملاقة أو عرفوا هذا الأسلوب في المخاطبة.وبالطبع لم يحدث في تاريخهم أن بزغ مثل هذا الخلط المريع في الأفكار والمعتقدات. لقد امحت الحدود بين الأسطورة والواقع داخل المجتمع العراقي في اللحظة التي امحت فيها الدولة أو تلاشت. ونشأت بدلا من الحدود الطبيعية والتاريخية للدولة، حدود وتخوم أخري بديلة، مذهبية وعرقية ودينية مقيتة، ولكن داخل المجتمع نفسه الذي غدا منذ الآن، مجموعة من الطوائف و المذاهب و الدويلات المسلحة الفالتة عن كل سيطرة.غير أن العراقيين مع ذلك، ألفوا في تاريخهم الحديث بكل تأكيد، أشكالا من تداعي قوة السلطة أو تراخي قبضة الدولة، أو حتي تمزق هويتهم الوطنية الجامعة. وفي كل الأحوال؛ كان تمجيد ذكري استشهاد الحسين (ع) وخلال الاحتلالات المتعاقبة للعراق منذ استيلاء الصفويين عام 1513 عندما تم إلحاق العراق بالعرش الإيراني رسميا، يجري كطقس ديني وحسب، وكانت الاحتفالات تفوق الوصف في أبهتها وفي حجم المشاركة الشعبية التي تجتذبها.بكلام آخر،كان الطقس الديني يجري بمعزل عن الحدث السياسي كليا. ولم يحدث أن خلط المحتفلون بهذه المناسبة، بين مصرع البطل التاريخي وسقوط العاصمة في يد الأجنبي. كانت مسألة تحييد صورة البطل الشهيد والحفاظ علي طابعها الديني المقدس، تتمثّل سلسلة متراكبة من تقاليد الرواية في المجالــس الشعبية (مجالس العزاء ).وفي هذا التمثل المطرد جرت وعلي امتداد عقود وعقود، ما يمكن اعتبارها أكبر عملية إعاقة داخل السرد الديني لقصة موت البطل، أمام كل وأي راوٍ، يريد أو يرغب لأسباب مختلفة، باستثمار معاداته المبطنة للسلطة عبر استغلال هذه المناسبة الدينية. لم تكن تقاليد السرد الديني للرواية لتسمح في سائر الأحوال، بدمج السياسة بالدين بهذا الشكل المكشوف.إن المجتمع العراقي بما هو مجتمع تاريخي، يختزن طاقة قديمة ومذهلة علي مستوي السرد الديني تمنع تلقائيا وبفضل قوة التقاليد المستمرة أي نوع من التلاعب بقدسية النصوص أو الوقائع، وإلي الدرجة التي يصبح معها من شبه المتعذر أو المستحيل السماح بأي خلط في دلالات ومضامين المناسبة الدينية؛ فإنه رسخ قناعة تامة عند العراقيين من كل الطوائف بأن الأبطال التاريخيين هم أبطال كل المجتمع وليسوا أبطال طائفة بعينها دون أخري، فأهل السنة والجماعة ـ مثلا ـ يتصرفون مثل الشيعة في عاشوراء، فيقومون بزيارة المراقد المقدسة ويولمون الولائم ويقدمون النذور للأئمة ومن دون أي شعور بأن الأئمة يخصون الشيعة دون السنة. ولعل أسماء كثرة هائلة من أهل السنة تشير إلي هذا الجانب بقوة ، فهم يتسمون بأسماء (حسين وعلي وحسن ـ ع ـ). وحتي العصر العثماني المبكر، كانت تقاليد العزاء لا تزال قوية، وإنْ بدت مظاهر الاحتفالات الدينية العلنية علي نطاق ضيق وتكاد تقتصر علي المدارس والبيوتات الدينية في النجف وكربلاء والحلة والكاظمية في بغداد. التحول الأهم في هذا النطاق حدث ابتداء من الخمسينات من القرن الماضي مع صعود أدوار نخب سياسية جديدة سعت، تحت إغراء الموجات الجماهيرية الكبري في العالم الرأسمالي وثورات العالم الثالث الاستقلالية، إلي الاقتراب من التقاليد الشيعية وربما التماهي مع رموزها. في الخمسينات من القرن الماضي مثلا، كان الشيوعيون العراقيون يقودون بعض مواكب العزاء في أيام عاشوراء في النجف وكربلاء؛ وكان أكبر هذه المواكب هو الموكب المعروف بموكب طويريج (وهذا اسم مدينة صغيرة من مدن الفرات الأوسط عرفت بمواكبها الحسينية الشهيرة) ولكنهم لم يكونوا قادرين أبدا علي استخدام أو استعارة لغة رجال الدين الشيعة. علي الضد من ذلك كانوا يعرضون خطابا سياسيا مُصاغا بلغتهم ولسانهم الخاص؛ ولكن بمفردات شعبية ثورية ذات ظلال دينية فلكلورية مقبولة من المجتمع بوجه العموم. إن جزءا من الاستثمار السياسي للمعتقدات الطائفية يقع في حيز الثقافة القديمة داخل المجتمع التاريخي. وبكل تأكيد؛ فإن المجتمعات التاريخية (العراق، سورية، مصر) تظل أكثر قابلية من سائر المجتمعات الأخري الأقل تاريخية، أي الأضعف من حيث درجة هيمنة التاريخ القديم فيها، علي تقبل محاولات الاستغلال السياسي للمعتقدات. بيد أن ما يجعل المجتمع التاريخي في العراق متفردا في هذا الجانب وفي هذه الحالة الفريدة التي أفرزها الاحتلال الأمريكي، أنه لا يزال يختزن بخلاف سائر المجتمعات الأخري ثقافة بكائية كبري، لا تزال بدورها مستمرة ومتواصلة.هذه الثقافة هي التي تبني الإطار لكل سردية عن موت البطل، وتزوده بما يلزم من رموز وطقوسيات وشعائر لأجل الاحتفاء بموته الاستثنائي مهما اختلف العصر وتغيرت الظروف. بهذا المعني يصبح استشهاد الحسين، وداخل الثقافة القديمة المتواصلة، استطرادا لموت تموز ـ الإله الشهيد في المعتقدات السومرية. ويصبح النواح الجماعي علي الحسين امتدادا ثقافيا ولكن بأدوات أخري، للنواح علي تموز. إن ثقافة البكاء العراقية القديمة المتواصلة في الشعر والغناء وطقوس المناحة علي الميت، ثقافة قوية تستمد قوتها وسطوتها في المجتمع وربما طغيانها، لا من وقائع حقيقية جرت بالضرورة في أرض الواقع؛ بل من الأساطير أيضا. يرتبط هذا التقدير لقيمة الثقافة البكائية القديمة ودرجة تأثيرها وقوة زخم استمرارها،وبشكل جلي،بتقدير أهمية ما تطرحه من قيم وأفكار ومعتقدات تتصل بتراث جمعي أعم لا يزال فاعلا في المجتمع التاريخي.من بين هذه القيم والأفكار والمعتقدات التي تعبر عنها ثقافة البكاء، التصور القائل إن البطل يموت لكي يولد من جديد؛ ليبزغ من ظلام الموت إلي نور الحياة تماما كما ينهض تموز من موته، وأن النواح عليه هو نوع من الرجاء الذي يتقدم به المجتمع إلي بطله، من أجل أن ينهض ويهب ثانية ويواصل معركة الخلاص. لقد أصبح استشهاد الحسين، ومن ثم النواح عليه جماعيا، نوعا من طقوسية تتجاوز القصة التاريخية لصراعه ضد الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، ولتبلغ هدفها القديم والمتواصل: التعبير عن عقيدة انتظار المخلص. وعند تخوم هذه النقطة أيضا سوف يلتقي النائحون: شيوعيو التاسع من نيسان (ابريل) ورجال الدين الشيعة والليبراليون والعلمانيون.ومن دون شك؛ فإن المصالحة التي عرضتها لافتة شارع المتنبي بعد سقوط بغداد في قبضة الاحتلال الأمريكي، بين العلمانيين وجمهور المتدينين الشعبيين، بدت وعلي الفور وكأنها مُصممة لغرض آخر ومختلف لا صلة له بالمصالحة أصلا، بمقدار ما له صلة بنمط انتهازي ومفضوح من تكتيكات التقرب والتزلف للجمهور العام. وعلي الأرجح؛ فإن الجمهور الذي توقف وأمعن النظر في كلمات اللافتة أدرك بذكاء فطري لا تعوزه الفطنة طابعها الوظيفي الانتهازي، فالمصالحة المعروضة عليه يُراد لها أن تتم داخل حيزه الخاص والميثولوجي، وليس داخل الواقع المعقد والمركّب الذي ضاعفت الفوضي العارمة من مأسوّيته. وربما خامر الجمهور إحساس مفعم بالإحباط أن هذا الحيز لم يعد بعد الآن صافيا وحُرّا؛ بل لن يعود كذلك بعد اليوم وذلك مع تزايد أعداد المستغلين من رجال دين وليبراليين وعلمانيين متأمركين.لقد تحول الواقع إلي أسطورة بينما تحولت الأسطورة إلي واقع. علي هذا النحو يبدو الواقع الذي تم تجريده أي تحريف عناصره، وكأنه أصبح مادة من المواد المنهوبة أو التي تعرضت للسرقة في وضح النهار. وكان علي الجمهور العام أن يخوض قتالا ضاريا لكي لا تنتزع الأساطير من بين يديه.وهذا ما عكسته بدقة سلسلة ردود الأفعال التي صدرت في مواجهة هذه المحاولات المخادعة. كانت الأساطير في تلك اللحظات العصيبة والساخرة، تتلوث بفايروس السياسة وتتلطخ بشعاراتها وصورها ولافتاتها العملاقة.إنها الحيز الذي بات مُتداخلا مع حيز السياسة وامتدادا لها وعلي نحو يصعب أو يستحيل فك الترابط بينهما. ومع هذا كله، لا تخلو عبارات اللافتة من البراعة والذكاء اللذين يدلان علي التصميم المُتقن لمضمون وأسلوب المخاطبة. فبفضل هذا النوع من التملق الدعائي للجمهور الشعبي، يمكن للسياسيين الانتهازيين في فترات السلم والهدوء،كما في الأحداث ذات الطابع الهلعي،أن يقوموا بمُماهاة ماكرة للغتهم (لسانهم) مع لسان المُخَاطبين.وفي هذه الحالة فقط، ستبدو لغة اليساريين المزيفين والعلمانيين المتأمركين، وكأنها مادة لزجة ولكن قابلة لأن تذوب، في النهاية، أو تتحلل وتنصهر داخل خطاب شديد الحرارة يفور كالمرجل داخل لغة نارية، صاخبة وخلاصية؛ هي كل عدّة رجال الدين الشعبيين وذخيرتهم الثقافية. وفي هذه الحالة كذلك سيتحول الإيديولوجي الشيوعي، المبتهج والسعيد بالحرية والخلاص من الديكتاتورية (حتي وإن أدي ذلك إلي قتل مليون مواطن) إلي شيخ طريقة أو (ملا) شيعي أو روزخون ـ كلمة فارسية تعني راوي روايات شعبية ، مثله مثل رجل الدين الذي كان يهرول إلي الشوارع لقيادة تظاهرات البكاء والندب الجماعية في ذكري استشهاد الحسين. بيد أن هذا التحول الزائف في الشخصية الجديدة لشيوعيي التاسع من نيسان (ابريل)، والذين خطوا بأيديهم وأفكارهم وسلوكهم لافتة شارع المتنبي؛ سوف يتكشّف في المقابل عن وهم فظيع، هو نتاج انتهازية فكرية بالدرجة الأولي لا مجرد خطأ سياسي. صحيح أن شيوعيي التاسع من نيسان (ابريل) سيتمكنون بسرعة من تقمص الدور الوظيفي الجديد لهم، بوصفهم من منتجي الأساطير الشعبية، لا مجرد رواة أو مروجين شعبيين لها وحسب، وصحيح كذلك أنهم سيتمكنون من لعب هذا الدور بشيء من البراعة والإتقان، وقد يتمكنون بالفعل من التقرب لأوساط جماهيرية بعينها؛ ولكنهم سرعان ما سيكتشفون ـ كما بينت انتخابات 30 كانون الثاني (يناير) 2005 بجلاء لا نظير له ـ أن حصتهم من هذه الجماهير التي تملقوا معتقداتها التقليدية وأساطيرها، وبالرغم من كل أساليب النفاق والتزلف، لن تتجاوز في ظل التنافس المحموم مع أحزاب الطائفة الشيعية ـ سوي أقل من 1 بالمئة (في هذه الانتخابات لم يحصل الشيوعيون إلا علي أقل من70 ألف صوت).كانت الجماهير الشعبية تستعد مثل النخب العلمانية المنفية والعائدة إلي بلادها مع الاحتلال، للعودة إلي حقل السياسة بعد أن أقصيت عنها لوقت طويل وها قد حان موعد عودتها الظافرة. وعندئذٍ حدث ما يمكن اعتباره بداية كبري ومذهلة وذات ُبعدٍ انعطافي غير مسبوق من أجل استثمار مزدوج للميثولوجيا داخل حقل السياسة، من جانب النخب العلمانية والجمهور الشعبي ورجال الدين علي حد سواء. وفي حين كان هناك ـ من بين المنفيين ـ علمانيون يعودون إلي السياسة ولكن من خلال تملق الجماعات الدينية وذلك عبر الإيحاء بأنهم يقبلون اليوم وبعد تمنع طويل، اعتبار المناسبة الدينية القديمة والتراثية ـ استشهاد الإمام الحسين ـ مناسبة سياسية معاصرة وراهنة ومستمرة، ويوافقونهم فوق ذلك علي أن ظلالها الأسطورية التي أنشأها الرواة علي مر العصور، إنما هي ظلال واقعية وتاريخية صادقة وصحيحة وواقعية، فقد كان هناك علي الطرف الآخر رجال دين يخترقون حقل السياسة بأدوات ووسائل ومواضيع دينية من نوع جديد وغير مألوف. كان هناك استغلال مثير للسطوح الميثولوجية التي تطفح بها رواية استشهاد الحسين، مثل فكرة العطش والحصار والعذاب الذي طاول الأسري أثناء اقتيادهم من العراق إلي بلاط الخليفة الأموي في الشام.ومن بين أكثر هذه السطوح جاذبية، استغلال المنطلقات الفقهية لعقيدة انتظار المخلص وذلك عبر الربط و المماثلة- داخل فضاء الاحتفال الطقوسي بين صور الضحايا. كان الضحايا الجدد يظهرون كامتداد لضحايا تلك الواقعة التاريخية القديمة. ولذا ظهر فجأة آلاف الشبان وهم يرتدون قمصانا سوداء وراحوا يملأون الشوارع بالنواح فيما السلاسل الحديدية تلسع ظهورهم .ارتبطت عقيدة المهدي المُنتظر (المخلص) في هذه الآونة، وأكثر فأكثر بفكرة وجود استطراد ثقافي حقيقي للضحايا داخل المجتمع: إنهم متماثلون ومتشابهون. مأساتهم واحدة وقمصانهم ذات لون واحد. لقد تجسدت هذه المماثلة بكل بلاغة مع إعلان مقتدي الصدر عن تأسيس جيش شعبي باسم جيش المهدي، وذلك في أعقاب إعلان بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي عن حل الجيش العراقي الرسمي. وعندئذٍ بلغ الاستغلال ذروته. (سوف يلعب جيش المهدي دورا بارزا ومثيرا للجدل في الصراع المسلح ضد الاحتلال طوال الأشهر التالية) .علي الطرف الآخر كان التملق يبرز في أفظع صوره وأشكاله من خلال الطريقة التي تصرف فيها العلمانيون والليبراليون العائدون مع الاحتلال، إزاء اكتشافهم المتأخر لفعالية الأساطير في الوسط الشعبي، وهو اكتشاف سخيف ـ في الواقع ـ لأن الميثولوجيا كانت تلعب علي الدوام دورا مذهلا في فعاليته داخل الأوساط الشعبية. إنها المحرك الجبار للمشاعر والأفكار والرؤي والتصورات.إن المرء لتنتابه الحيرة، حقا، حين يلاحظ في هذا السياق، كيف أن العلماني (الشيوعي) العائد من المنفي بمساعدة الأمريكيين، وفي إطار محاولته إغراء الجماهير بجاذبيته الشعبية، قد وجد نفسه مثله مثل الليبرالي والعلماني الحداثي، مُضطرا للاستسلام دون تحفظ لإغراء معكوس ومُضاد:إغراء الأساطير. وبالفعل؛ فإن لافتة شارع المتنبي تعبر بدقة بالغة عن مغزي ودلالات هذا الإغراء المعكوس للميثولوجيا، فهو إغراء موجه من الجمهور الشعبي صوب النخب، وليس العكس؛ وهو يجذب النخب العلمانية لا الجمهور الشعبي وحده. كما يعبر بدقة بالغة عن درجة وشدة التبدل في النظرات التقليدية للنخب إزاء الميثولوجيا؛ بل وفعاليتها المفاجئة وجاذبيتها في أوساط النخب العلمانية التقليدية والحداثية. ها قد وجدت النخب أن تصوراتها النمطية والسكونية القديمة إزاء الأسطورة والرواية الشعبية والدين، وخلطها الساذج بين الخرافة والأسطورة، وخلو خطابها الثقافي من أي تحليلات حصيفة للتاريخ المحلي،إنما هو خلل فاضح في ثقافة يسارية تأسست علي الادعاء بأكثر مما تأسست علي المعرفة.وبالطبع يمكن لمثل هذا الخلل الفاضح في بني الثقافة، أن يكون من بين أسباب عدة متراكبة ومتشابكة أخري لعبت بالضد من تطلعات النخبة إلي دور حقيقي في المجتمع. وها هي تصبح جزءا من الجمهور الشعبي وتتماثل معه؛ بدلا من أن تلعب دورا رئيسا في قيادته. إن التصورات النمطية هي التي كانت تحدّ من قدرات هؤلاء علي إدراك الواقع. إن الطريقة التي باتت النخب العلمانية التقليدية والحداثية تكتشف من خلالها، ومع وقوع البلاد في قبضة الاحتلال الأمريكي، طاقة الميثولوجيا في السيطرة علي الجماهير؛ مجرد طريقة للتعبير عن استسلام النخب أمام إغراء سلاح يملكه الخصوم ، ولا يملكه هؤلاء العلمانيون،وأن محاولة انتزاعه من أيديهم لتبدو ضربا من الوهم والعبث.كان السؤال المحيّر الذي دار علي كل الألسن والشفاه هو:إذا كان الغزو قام أصلا علي دعاوي الحداثة والديمقراطية؛ فلماذا وكيف تحول العلماني والليبرالي والحداثي إلي رجل طائفة يؤمن بالأساطير مثله مثل رجل الدين؟ إن فكرة التضحية في الثقافة السياسية العراقية هي من بين أكثر الأبنية والأنساق الفكرية ذات القابلية علي التجديد؛ بل والأكثر مركزية في الثقافات الوطنية في المنطقة. بيد أن فكرة التضحية هذه تبدو في الفقه الشيعي ذات خصوصية مثيرة. إنها الفكرة الوحيدة المولدة لفكرة الامتياز. إن ما يميز الشيعي المعاصر ـ طبقا لنظام التأويل الشيعي السائد ـ هو امتلاكه لامتياز التضحية الذي يمكنه من أن يصبح مفارقا ومختلفا ومتفردا. تضحيته لا تشبهها تضحية، وشعوره بفداحة الظلم لا يضاهيه أي شعور آخر. ولم لا ؟ وتضحيته تبزغ في كل لحظة من لحظات حياته اليومية، من قلب الأمثولة الكبري والمركزية: استشهاد الحسين بن علي. وحسب هذا المعتقد، فليس ثمة مظلمة في الأرض والتاريخ تساوي مظلمة الحسين، وبالتالي ليس ثمة ما يضاهي مظلمة الشيعي، مقلده والسائر علي دربه. إن ما يجمع ـ داخل منظومات الفقه الشيعي القديم والمعاصر ـ بين أمثولة التضحية التاريخية التي تجسدها شخصية الحسين بن علي وبين كل تضحية أخري، واقعية أو أسطورية، إنما هو النسق نفسه القابل للتجدد. بيد أن الفقه الشيعي أقام في إطار هذه المقاربة تمييزات مذهلة في صرامتها؛ فكل تضحية أخري مهما كانت منزلة المضحي،عدا تضحية الحسين بن علي، تظل اقل قداسة وطهرانية ومأسوية. إنها التضحية الفريدة والمتميزة والاستثنائية التي لا ينبغي عبور منطقتها الخاصة من دون التطهّر بأمثولتها التاريخية. ليس ثمة تضحية مركزية ـ داخل النسق الفكري للتأويل الشيعي التقليدي ـ سوي تضحية الحسين.ولذا ستتماهي فيها كل تضحية أخري.ولذا تصبح لافتة شارع المتنبي استطرادا في محاولة إنشاء مرجعيات ثقافية محلية وجماعية جديدة، ذات طاقة علي تشكيل و إبراز الوحدة العضوية بين أفراد تفككت، أو تلاشت الروابط الاجتماعية والفكرية بينهم.إن العلاقة بين الجماهير بما هي كتلة هلامية تحللت من طبقات شتي، وبين السياسة بما هي مجال عام للنشاط الفردي والجماعي، لا تنبني دائما طبقا لنزوع أصيل عند الأفراد لتطوير أشكال اتصالهم ومشاركتهم في الحياة العامة،وإنما تنبني أيضا وفقا لحاجات ثقافية مباشرة؛ إذ غالبا ما يشعر هؤلاء بأن السياسة هي المجال الوحيد الذي يمكن فيه إعادة بناء الروابط التي تفككت مع الآخرين.الأساطير وصناديق الاقتراعمع الاحتلال الأمريكي أصبحت صناديق الاقتراع ـ في العراق الجديد ـ رهنا بالطريقة التي يمكن فيها استغلال المعتقدات الدينية الشعبية. من منظور العلاقة بين السياسة والميثولوجيا في عراق محتل؛ فإن احتلال بغداد كشف بصورة مذهلة كيف أن مجتمعاتنا المعاصرة لا تزال تعيش في قلب الماضي بالفعل، وأن التاريخ لا تصنعه العقائد والأهداف الكبري ولا الأفكار الجديدة فقط، وإنما تصنعه المعتقدات الشعبية القديمة والأساطير أيضا؛ وهذه لها طاقة مذهلة علي تحريك الحشود وفي توجيه المشاعر الجماعية إزاء الأحداث الهلعية والمأسوية. إن دراسة مثال الفتوي التي أصدرها مكتب آية الله السيستاني قبيل انتخابات 30 كانون الثاني (يناير) 2005 والتي ُزعم علي نطاق واسع في العراق أنها صادرة بالفعل عنه شخصيا، لا عن مكتبه ودعا فيها العراقيين إلي المشاركة بكثافة في الانتخابات وتحذيرهم بشكل صارم: من لا يذهب للتصويت سوف يرُمي في نار جهنم يوم القيامة ـ كما يقول النص المزعوم الذي تم الترويج له في صحف بعض الأحزاب الدينية ـ ؛ من شأنه أن يبين كيف أن هذا التحذير وبخلاف ما هو متوقع أو معتاد في المناورات والدسائس السياسية، لعب دورا مذهلا في حفز الجمهور الشعبي علي المشاركة، كما لعب دورا حاسما في السيطرة علي إرادته وتوجيهها. انتشرت فتوي آية الله السيستاني (أو المنسوبة إليه) والتي استغلها أنصار الحكيم بسرعة مذهلة (برغم كل المحاولات التي قام بها الكاتب لم يتمكن من الحصول علي نص رسمي بختم المرجع الأعلي كما هو مألوف في الفتاوي الشرعية وهو يستطيع أن يؤكد أن الفتوي ملفقة وأن محمد رضا ابن آية الله السيستاني قد تكون له صلة بالأمر ). وهذا يدلل علي أن النص الموزع لم يكن نصا رسميا وقد يكون من تدبير أحد أعوانه أو من العاملين في مكتبه، وربما من تلفيق المراجع الشيعية الأخري التي كانت تنسج خيوط علاقات ومصالح مالية وسياسية متشابكة مع جماعة الحكيم. ومع ذلك، وبصرف النظر عنه، فإن فكرة إدخال عنصر الترويع وتخويف الناخبين بسلاح الأساطير والخرافات، هو تطور مثير في شكل التنافس السياسي.ما علاقة الديمقراطية وصناديق الاقتراع بنار جهنم؟ ولماذا اضطرت أكبر قوة علمانية في التاريخ (الولايات المتحدة الأمريكية) إلي الاستخدام الخفي للميثولوجيا الشعبية، حتي في أدني مستوياتها الوظيفية وأكثرها ابتذالا، كأداة ضغط علي مجتمع أبدت فيه الكثير من الطوائف والجماعات السياسية الممثلة له، نوعا من التمنّع شبه الجماعي، إزاء فكرة قبول انتخابات تحت الاحتلال؟ما من احد يمكنه أن يجد أساسا لمواءمة فكرة الديمقراطية مع الضغط (أو التهديد) الديني للناخبين والتلويح لهم بعقاب سماوي إنْ هم لم يذهبوا إلي صناديق الاقتراع. ومع ذلك تغاضت الولايات المتحدة عن هذا الاستغلال وقامت بتشجيعه. وفي العديد من الحالات التي تم الكشف عنها، تبين أن رجال دين شيعة كانوا يحرسون صناديق الاقتراع في مناطق الجنوب ـ الشيعي ـ سوية مع جنود الاحتلال الأمريكي؛ وقاموا بتوجيه تحذيرات شفهية مباشرة إلي كل ناخب: إنْ لم تصوت لقائمة الائتلاف الموحدة ـ قائمة رجال الدين ـ فإن (زوجتك تحرّم عليك). يعني هذا أن كل ناخب قد يفكر في الامتناع عن التصويت للقائمة الدينية لأسباب شخصية أو دينية أو فكرية أو سياسية؛ سوف يجد نفسه بحكم الفتوي مضطرا إلي تطليق زوجته، أو الامتناع عن الاقتراب منها بعد الآن لأنها باتت محرّمة عليه دينيا ؟ كان للربط الماكر الذي قام به بعض رجال الدين في العراق؛ بين فكرة الدنس ـ الحرام ـ من جهة، والتصويت في الانتخابات من جهة أخري، أثره الفعال في إنشاء مقاربة جديدة داخل الفقه الديني لم يكن لها أي أساس إسلامي تشريعي أو سند ديني في الماضي، ولكنها ستجعل من الفقه الشيعي السياسي من الآن فصاعدا، أكثر عناية واهتماما بالمصالح الانتهازية لطبقة رجال الدين أنفسهم؛ الذين رأوا في الانتخابات ومن خلال غض البصر المتعمد عن الوقائع التي فرضها الاحتلال، أو حتي تجاهل وجوده المقيت، فرصة مثالية ونادرة لامتلاك المزيد من النفوذ الاجتماعي والسياسي علي حساب المصالح العليا للمجتمع. لقد ابتكر بعض رجال الدين من خلال فتوي السيستاني، أو من خلال استغلالها بكلام أدق، نوعا من الفقه السياسي هو في النهاية مزيج غريب من الميثولوجيا والسياسة. ومع ذلك فإن هذا الخليط الجديد هو الذي تراهن علي فعاليته طبقة رجال الدين، وبحيث يتيح لها باستمرار، إمكانية الاستحواذ علي المال والنفوذ والسلطة في المجتمع، وأن تصبح قوة لا يمكن التنازع معها. وفي الحالة العراقية، فقد صمم هؤلاء علي لعب أدوارهم في حقل السياسة كقادة دينيين لا كقادة سياسيين. أي كقوة دمج هائلة السطوة والجبروت، بوسعها مع كل حدث هلعي أو أزمة وطنية أن تدفع المجتمع بأسره ومن دون أدني تردد للسير خلف أساطيرها.إن هذا المعطي المأسوي هو من بين أكثر نتائج وتداعيات الاحتلال الأمريكي ـ علي المستوي الثقافي ـ خطورة وتأثيرا في وعي أجيال قادمة من العراقيين. خلق هذا الواقع ـ كما في الحالة العراقية الراهنة ـ سلسلة غير منقطعة من الأزمات، من بينها تلك التي تتصل بالطريقة التي يتوجب فيها رؤية الواقع نفسه. لن يعود الواقع واقعيا بعد الآن، كما لن تعود الأساطير أسطورية. ثمة شيء آخر سيبدو قابلا للحلول محلهما هو الخليط ذاته الذي ينتجه رجال دين لا حدود لجشعهم وحبهم للمال والنفوذ. ولأن كلا من الشؤون الدنيوية والدين في تاريخ المرجعية الشيعية بالنجف هما، في نهاية المطاف، موضوعان منفصلان لا يجوز الخلط بينهما أو دمجهما؛ فقد بدا الخلط المتعمد الذي أبرزه مثال الانتخابات، محاولة ماكرة للتلاعب لا بالفقه الديني؛ بل بالتاريخ الاجتماعي والسياسي في المجتمع كله. ونحن نعلم أن هذه المرجعية ظلت ولقرون عدة تحافظ علي تقاليد صارمة، جري من خلالها وبفضلها التركيز علي أن عمل طبقة رجال الدين الكبار في النجف وكربلاء والكاظمية ببغداد، وعمل رجال الدين الصغار المحيطين بهم (الوكلاء، الموزعين، الدعاة، طلاب المدارس الدينية) إنما هو العناية القصوي بأمور الدين والابتعاد عن أمور الدنيا. ذلك ما يكشف عن البُعد النموذجي لتداخل الميثولوجيا بالسياسة في العراق المحتل لقد غدتا منذ الآن حقلا واحدا مُدمجا ومتشابكا علي نحو يصعب تفكيكه. كان ترويع الناخبين العراقيين وأغلبهم من أبناء الشيعة الفقراء في الجنوب والوسط وأجزاء من بغداد، من عواقب عصيان فتاوي رجال الدين وعدم التصويت للقائمة الدينية الطائفية المدعومة بقوة من إيران؛ بما في ذلك التهديد بخطر جهنم وحرمانهم من الاقتراب من زوجاتهم؛ مجرد نموذج عن الطريقة التي سوف يتصرف فيها هؤلاء إذا ما وفرت لهم الظروف والأحداث كذلك، وبالطبع السياسات الانتهازية للطبقة السياسية وتنافساتها، وحتي مناوراتها الخسيسة التي أضحت من قواعد اللعبة؛ إمكانية لعب دور أكبر في حقل السياسة وفي حياة المجتمع. وهذا ما أراده الأمريكيون وسعوا إليه من خلال غزوهم للعراق.إن العودة إلي العلاقة بين العقيدة الإمامية في الفقه الشيعي، ودور المرجعية في النجف من جهة، وبين مسائل الديمقراطية والسلطة والسياسة من جهة أخري، يمكن أن تكشف عن إشكاليات جديدة تنجم عن الدمج العضوي للميثولوجيا بالسياسة؛ إذ بفضل هذه العلاقة تصبح للمرجع الديني صلاحيات مطلقة خارج نطاق الدين، ويغدو هو نفسه مرجعا سياسيا بديلا عن المؤسسات الديمقراطية، التي يُفترض أنها نتاج العقلانية الغربية والعلمانية.نهاية عصر النص واحدة من هذه الإشكاليات تتصل بمفهوم الديمقراطية. لقد عاشت أوساط المرجعية التقليدية في النجف (الحوزة) تاريخيا؛ ما يشبه حالة الذعر شبه الجماعي من كلمة الديمقراطية التي كانت في مناسبات وظروف مختلفة تجسيدا لهيمنة الآخر (الغرب ). ما من رجل دين في الخمسينات من القرن الماضي، حين أصبحت هذه الكلمة متداولة علي نطاق واسع في الشارع العراقي مع صعود أدوار الشيوعيين، أو ما ُعرف بحقبة المدّ الأحمر؛ إلا وكرّس جزءا هاما من خطبه ودعاواه لنقد الديمقراطية بوصفها كلمة شاذة وشيطانية مرادفة تماما لكلمة الشيوعية . كان عداء رجال الدين الشيعة لكلمة الديمقراطية والنفور منها، عداء شاملا يفوق التصّور وإلي الدرجة التي أضحت فيها موضوعا من موضوعات نقد الغرب وماديته؛ ولذا أرسي الخطاب الشيعي في الشطر الأهم منه سياسيا علي أساس نقد الديمقراطية، والعداء لها كرديف شاذ ومقيت للغرب وللشيوعية علي حد سواء. وهذا ما عبّر عنه ببلاغة الفيلسوف الشيعي الشهيد محمد باقر الصدر في كتابه الشهير (فلسفتنا). يقوم كتاب (فلسفتنا) الذي يأتي مكملا لكتاب آخر هو (اقتصادنا) علي فكرة ساذجة لا أساس لها لا في الفلسفة ولا في الاقتصاد، مفادها أن بالوسع استنباط قوانين فلسفية واقتصادية خاصة بالمسلمين المعاصرين، متفرّدة وعبقرية وذات خصوصية شديدة لا علاقة لها لا بتطور الفلسفة ولا بتطور الاقتصاد العالمي؛ وأن هذا الاستنباط ممكن وحقيقي إذا ما عدنا إلي الحلول والنظرات الفلسفية والمعالجات الاجتماعية في تاريخ الإسلام والدولة الإسلامية. وحين ربط الفيلسوف الشهيد بين نقد الفلسفة الماركسية ونقد الديمقراطية (نبذها ومقتها بكلمة أدق) فقد انتهي إلي تقرير حقيقة لا تزال حية وقوية في الخطاب الشيعي التقليدي، مفادها أن فلسفتنا واقتصادنا هما علي التوالي، شيئان متفرّدان وعبقريان وخاصان بنا، وأن ماركسية الغرب المادي وديمقراطيته الشاذة هما بالتعاقب نتاج حضارة مناوئة لنا. ثم نهض الخطاب الشيعي منذ كتابي الفيلسوف الصدر علي أساس مناهضة فكرة الديمقراطية بصورة سافرة، ومقاومتها من حيث هي فكرة ومبادئ عامة في الحكم. بكلامٍ ثانٍ نُظر إلي الديمقراطية علي أنها شيء مماثل لدم الحيض (نجاسة) أي مادة متحوّلة من مادة أخري بشرية، يمكن معارضتها دوما بمادة إلهية غير متحوّلة هي التشريع الإسلامي. وفي الواقع لم تحدث أي زحزحة ذات قيمة في منظومة الأفكار السكونية الكبري في الفكر الشيعي المعاصر، ومنها تلك المتصلة بشكل وأسلوب الحكم، الذي كان يرتبط أكثر فأكثر برفض فكرة الديمقراطية كمنتج ثقافي غربي. فما الذي حدث ؟ وما الدوافع الحقيقية للتبدل في هذا الخطاب الذي أصبح مفتونا بكلمة الديمقراطية؟ الأمر المثير في تطور الفكر الشيعي في العراق وتطور الرواية الميثولوجية في الخطاب الديني، ثم تبلور الصور الأولي لعلاقة الأساطير بالسياسة في إطار هذا الخطاب؛ أن من قاموا بالمحاولات الأولي والكبري لإرساء قواعد المذهب الشيعي (ما بعد الجعفري أي ما بعد نظرية الإمامة) استخدموا بشكل منظم مواد الخزان الأسطوري والتاريخي، وشرعوا بعملية تدوين هائلة للأحاديث المنسوبة إلي النبي ـ ص ـ والخاصة بأهل البيت، وعلي نحو أخص تلك التي ترفع من شأن علي بن أبي طالب عليه السلام ـ ورضي الله عنه ـ بين سائر الصحابة (ما يعرف بالأصول الأربعمئة) وأن هؤلاء كانوا ينتسبون إلي طبقة رجال الدين المجتهدين . وهؤلاء كانوا، ويا للمفارقة من الذين نبذوا أي شكل من أشكال الاجتهاد مع وجود رواية أو حديث مسند.أي أنهم قادوا تيارا مناهضا لكل تجديد أو اجتهاد في الفكر الشيعي حتي وهم يقومون بإرساء قواعد هذا المذهب.وهكذا، فالذين كانوا ينبذون كلمة الديمقراطية بالأمس القريب، كانوا هم أنفسهم الذين نبذوا في الماضي (نحو 850 ميلادية) فكرة الاجتهاد في الدين من أصلها. لقد كانوا يمثلون تيارا رجعيا معاديا للتجديد داخل المذهب الجعفري. ولكن، بعد عقود قليلة فقط، سوف يصبح أتباع هؤلاء وتلامذتهم ويا للمفارقة، من أنصار الاجتهاد ومن علمائه؛ بل وسوف يحملون ألقابا تقرّبهم من صور المجتهد المجدد والحريص علي تطوير الفقه الشيعي؛ وإلي الدرجة التي أصبحوا فيها يعرفون باسم المجتهدين.وكما أن هؤلاء تحولوا من رجعيين ومحافظين ومعادين للاجتهاد، إلي مناصرين لنظرياته ومن دعاته، فقد أصبح أعداء الديمقراطية من رجال الدين بالأمس من أخلص المدافعين عنها اليوم. وهكذا أيضا؛ فقد تلازم العداء للاجتهاد ومن ثم القبول به مع سلوك انتهازي فاضح وأصبح سمة بارزة لنمط من السلوك، سوف يطبع بطابعه شكل العلاقة بين الأسطورة والسياسة. إن الدوافع المحركة لهذا التبدل يمكن رؤيتها في نطاق السياسة لا في نطاق الفقه الديني؛إذ نهض هؤلاء بعبء عمل تنظيري مبكر للقطع مع أي اجتهاد خارج النص بوصفه عملا ظنيّا لا قطعيا؛ وكانوا فضلا عن ذلك، يعتبرون تواتر الأحاديث والروايات المادة الصلبة الوحيدة المقبولة في الأحكام الشرعية. وبذلك يكون الفقه الشيعي قد تأسس علي قواعد التمسك بالرواية المتداولة علي حساب الأدّلة العقلية، أي أنه تأسس علي قواعد محافظة وتقليدية وحتي معادية للاجتهاد، بينما علي الطرف الآخر من الإسلام، سنري مذاهب أهل السنة والجماعة، وقد تبلورت ويا للعجب، وبشكل معاكس للمذهب الجعفري بوصفها مذاهب تلجأ إلي الأصول العقلية في التوصل إلي الأحكام الشرعية مع انعدم أي دليل من نص قطعي، أي أنها تأسست كمذاهب تجديد منفتحة لا تعرف التزمت. (بالطبع انتهي الأمر إلي تحول الشيعة نحو تطوير الاجتهاد بينما انتهت مذاهب أهل السنة إلي ما يشبه الجمود والمحافظة). يعني كل هذا أن الاجتهاد الشيعي علي مستوي الفقه الديني كان نتاج تطور عرضي، يتصل بالأحداث والمصالح السياسية، وأنه انبثق من رحم التناقض مع أي محاولة للمقاربة العقلية للمسائل الشائكة، وبدلا من المغامرة والكشف والتجديد، جري الاكتفاء بالعودة إلي الأحاديث من دون معرفة درجة صحتها أو الظروف التي صدرت فيها؛ كما يعني أن الاجتهاد الشيعي اليوم وعلي مستوي فقه السياسة قد انتهي إلي تقرير مسألة التصالح مع فكرة الديمقراطية انطلاقا من المصالح الآنية، وأنه لم يكن نتاج تطور تلقائي في الفكر السياسي؛ بل نتيجة الخلط بين السياسة والدين، وذلك عندما رأي هؤلاء أن مصالحهم يمكن أن تتحقق إذا ما تقرّبوا من الغرب وأفكاره الليبرالية (المادية ). وهذا ما يفسر، علي أكمل وجه الجانب الإشكالي من التبريرات الفقهية بخصوص موقف المرجعيات الشيعة من الاحتلال الأمريكي. في عام 329 هجرية ومع وفاة الإمام العسكري (الرقم 11 في تسلسل الأئمة من آل البيت) بزغت للمرة الأولي في التاريخ الفقهي للشيعة فكرة الغيبة الكبري للإمام الثاني عشر؛ ومع هذا الإعلان جري التوافق علي اعتبار هذا التاريخ هو النهاية الفعلية لعصر النص، أي انقطاع الأحاديث المتواترة عن آل البيت، وبذلك حدث التحوّل الأهم في النظرية الجعفرية: من الإمامة إلي المذهب الاثني عشري (التشيّع) أي من العسل (الفكر) إلي الدم (السياسة). لقد أصبحت نظرية في السياسة بأكثر منها منظومة معتقدات وأفكار (أي أنها لم تعد مجرد قراءة فكرية جديدة للإسلام ). لقد تحوّلت إلي نظرية سياسية انقطعت روابطها تقريبا بالفكر الشيعي الكلاسيكي.7