مناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (1)

حجم الخط
0

مناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (1)

غزو العراق أضخم تجربة ميدانية يقوم بها الغرب لاختبار نتائج التدمير المنظم للعلمانية في بلد إسلاميالفضائيات الممولة أمريكيا: حسينيات للبكاء واللطم في بلد يسقط فيه الضحايا بمعدل قتيل كل ثلاث دقائقمناحات العراق الجديد: ماركس والمهدي المنتظر والمسيح في مواكب الدموع والبكاء (1)فاضل الربيعيهل يمكن لنا أن ننظر إلي الغزو الأمريكي للعراق من منظور ثقافي؟ ما أهمية البعد الثقافي لما حدث في التاسع من نيسان/ أبريل 2003؟ في هذه الدراسة الجديدة يعود الباحث والمفكر العراقي فاضل الربيعي إلي تحليل نتائج وتداعيات الغزو الأمريكي للعراق، وهذه المرة من منظور ثقافي من أجل رؤية العلاقة بين السياسة والأساطير.. يلاحظ الربيعي أن الغزو الأمريكي الذي قام في الأصل علي سلسلة من الأساطير، هو نموذج فريد في الاستعمار الجديد حيث تتلازم السياسة مع الأسطورة، ويصبح كل شيء خاضعا لمنطق شاذ لا سبيل إلي تفكيك مقولاته.. القدس العربي … يعد ُالمتعصبّون الدينيون الجماهيرَ بعودة المسيح. أنا أعرفُُ المسيح وأعرف أنه غير مستعد للعودة . بهذه العبارة الساخرة تبدأ مسرحية هوارد زن (ماركس في ســــوهو 1995). تخيّل المؤلف عودة ماركس إلي الحياة، ثم تصوّره وهو يتجول في نيويورك ويشاهد بنفسه كل ما فعلته الرأسمالية التي بني فلسفته علي أساس نقدها وتشريحها، مثلما لم يفعل أي فيلسوف آخر مع أي ظاهرة أو تطور تاريخي. من بين أكثر المشاهد إثارة وتشويقا في المسرحية (التي عرضت بعد وقت قصير فقط من وقوع سلسلة مترابطة ومتعاقبة من الأحداث الهلعية الكبري في العالـــــم مثل انهيار الشيوعية وزوال الاتحاد السوفييتي وتلاشي الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقيـــة وتدمير العراق في حرب عاصفة الصحراء) تلك التي نري فيها الفيلسوف الثوري يتبختر في شوارع نيويورك، المدينة الأكثر أبهة وثراء في الـــــتاريخ البشري؛ بينما الجدل يحتدم في مقاهيــــها وأزقتها وخمّاراتها، كما احتدم في كل شوارع العالم ومنتدياته حول مصير أفكاره وتأملاته الفلسفية، وحتي حول نظراته النقدية للاقتصاد ودور الدين في المجتمع. والأهم من ذلك أننا نري ماركس يقول في ختام تجواله وبعبارات ساخرة، مخاطبا الفقراء والمعدمين والجياع والعاطلين عن العمل ممن ينتشرون في شوارعها الخلفية الموحشة: (إن َمنْ وعدوكم بانتظار عودة المسيح إنما كانوا يواصلون خداعكم. أيها السادة. لقد عدت للتو ـ من العالم الآخر ـ واكتشف بنفسي أن المسيح غير مستعد للعودة إلي الأرض). ماركس الظريف هذا، الساخر بصورة لا توصف والذي خرج من جلباب الفيلسوف، وتنكر في هيئة فارس محارب من أجل قتال المشعوذين بسلاح التهكم لا بسلاح الفلسفة؛ ليس هو ماركس المتخيّل وحسب؛ بل هو أيضا ماركس الحقيقي نفسه الذي لطالما أدهشته طاقة الميثولوجيا (الأساطير) أي طاقة الشعوذات ـ كما يسميها بعض المثقفين السطحيين ـ والخرافات والقصص الشعبية علي تحريك الجموع البشرية وقيادتها والتلاعب بها، فوقف أمامها حائرا ومبهورا متسائلا عن سرّ قدرتها المذهلة وإمكانيات استغلالها من جانب الكنيســـة ورجال الدين. لقد خرج بنفسه من جديد إلي ساحة حرب أخري، ليقاتل أو يحرض الثوريين علي مواجــــهة الدور الذي تلعبه الكنيسة داخل حقل السياسة في قلب عاصمة الرأسمال العالمي، لا من أجـــل دحر شعوذاتها ؛ بل ومن أجل حرمان رجال الدين المسيحيين جـــزئيا علي الأقل، من إمكانية استخدام الأساطير كأداة للتلاعب بالجموع البشرية المعذّبة، ومن أجل تعطيل طاقة منتجي ومروّجي الأساطير الدينية ـ وليس الدين أو المبشرين بتعـــاليمه ـ علي حمل الجماهير، في كل وقت وخصوصا أثناء الأزمات الاجتماعية الكبري، علي تقبّل شرور الرأسمالية كقدرٍ أسطوري لا فكاك منه وذلك بتهدئة خواطرها بالصبر وانتظار المخلّص. من المسيح إلي المهدي المنتظرتُري لماذا يضطر ماركس المُتخيّل إلي إطلاق هذه النبوءة من جديد؟ ولماذا تتراءي الولايات المتحدة الأمريكية في نظر مؤلف مسرحي معاصر، لا بوصفها أكبر قوة منتجة للتقدم في التاريخ؛وإنما كذلك كأكبر خزّان للأساطير الحديثة؟ لا ريب أن المؤلف كان يلاحظ، كيف أن أعظم قوة في العالم، هي أشبه ما تكون بخزّان هائل تعتمل في أعماقه طاقة مذهلة وغير مسبوقة علي إعادة إنتاج الميثولوجيا القديمة، وبحيث يصبح من واجب ماركس المُتخيّل ـ كفيلسوف يعود من الآخرة بعد أن التقي المسيح وأخبره أنه لن يعود ـ أن يطلق نبوءته بقوة، ويزعق في شوارع نيويورك قائلا ومن دون تحفظ: لا تنتظروا المسيح.. المخلص المنتظر لن يعود؟ بالطبع لم يُقيض لماركس الحقيقي أن يري بأم عينه التقدم الهائل لوسائل الإعلام، ولا رؤية أشكال الاتصال الجماهيري المتطورة في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، ولا معرفة قدرتها علي تشكيل وعي مجتمعات بأكملها لهويتها؛ وربما تشكيل وتوحيد رأي جماعات وأفراد متفاوتين أو متناقضين في الثقافة والمصالح، حول كل وأي حدث مهما كان تافها؛ وبالتالي تعاظم قدرات العاملين في ماكينة الإعلام علي فرض السيطرة المطلقة علي شعوب ومجتمعات خارج العالم الرأسمالي، من خلال صنع أساطير سياسية حديثة ومعاصرة، أو من خلال إعادة إنتاج ميثولوجيا قديمة تخطي التطور الاجتماعي والعلمي في الغرب سقوفها التقليدية، ولم تعد حيّة أو قادرة علي التأثير فيه بنفس القدر كما كان الحال في الماضي البعيد. ومع ذلك؛ فإن ماركس المُتخيّل هذا، يستطيع أن يري بنفسه وهو يتجول في نيويورك، كيف أن الرأسمالية التي تركها في المهد، ومن حيث لم يتوقع أو يتكهن بقدراتها؛ قد أضحت الآن قوة هائلة منتجة للأساطير. واحدة من هذه الأساطير التي تقوم ماكينتها الدعائية بإنتاجها ونشرها في المجتمع، عبر صور وأشكال شتي لا نهاية لها، تتصل بعودة البطل المخلص إلي شعبه، وهي عقيدة قديمة من عقائد العالم القديم سوف يتردد صداها في نيويورك وبغداد في وقت واحد ويا للعجب. إن أساطير معركة (هر ـ مجدو) التي تنتشر اليوم في الولايات المتحدة وأوروبا، مع صدور عشرات الكتب والبحوث والدراسات والقصص، مثيرة ومشوقة بالفعل لأنها تعد المجتمعات الغربية المعاصرة، بأن ساعة الخلاص الجماعي قد حانت وذلك عندما تنتصر إسرائيل علي الأعداء، الذين سوف يتجمعون عند سفح جبل محدو (ساحل محدو). ما يجمع نيويورك ببغداد، ومن دون وجود رابط منطقي في الجغرافيا أو الثقافة، هو أن هاتين المدينتين كانتا علي امتداد سنوات في حالة تجابه عنيف ودموي جسدته حرب كبري؛ نوع شاذ وغرائبي من الغزو الكولونيالي، يقوم فيما يقوم، علي الاستخدام المكثف لنوع غير مألوف من الذخائر الممزوجة بكل ما يلزم من الطاقة علي التفجر. إن أطنان الذخائر التي تفجرّت في سماء العراق وفوق أرضه؛ لم تكن مصنوعة من اليورانيوم المنضبّ وحده، بل أيضا من خليط غريب وغير مألوف من الأساطير الحديثة التي تنتجها وسائل الإعلام، وتمتزج فيها قدرة السارد علي الخداع مع قدرة النصوص نفسها علي إغراء المتلقي وحتي خداعه. بهذا المعني ستبدو الحرب علي العراق، من هذا المنظور، وكأنها حرب مزودة بتقنيات سردية تتضمن كل ما يلزم من التلاعب بالمتلقي وتشكيل وعيه للعالم والأحداث.. ذلك ما يُدلل عليه تصوير العراق طوال سنوات عدة وعبر وسائل إعلام أمريكية وأوروبية ـ فرضت سيطرتها علي الخيال الغربي بصورة مطلقة ـ في هيئة قوة شريرة تستعد لمهاجمة معقل الحضارة الغربية، وأن هذه القوة العالم ثالثية سوف تشهر قنابلها النووية في وجه العالم، وهي إلي هذا كله، تمتلك أسلحة فتاكة جاهزة ومعدة للإطلاق خلال خمس وأربعين دقيقة. لقد كان غزو العراق، بحق، نموذجا ساطعا علي قوة استخدام الأساطير الجديدة. ولكن المدينتين، نيويورك وبغداد، كانتا في الآن ذاته في قلب لحظة توافق وتماثل لا سابق له داخل حقل الأساطير، وذلك حين كشفت الأحداث والظروف كذلك، أنهما كانتا بانتظار المخلص نفسه الذي سوف يتجلي في حالتين مفارقتين: المسيح والمهدي المنتظر. وبينما كانت نيويورك تنظر مسيحها المخلص (كما يخبرنا هوراد زن) كانت بغداد في التاسع من نيسان (أبريل) 2003 تتأهب لاستقبال المهدي المنتظر.. من بين أكثر الأساطير المعاصرة التي راجت في الغرب، تلك التي ارتبطت بشكل مباشر بقصة السلاح النووي العراقي. والمعروف أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير هو الذي أطلق المزاعم القائلة بهذا الشأن، وأنه تلقي معلومات مؤكدة ـ مصدرها السياسي الليبرالي اياد علاوي الأمين العام لحركة الوفاق الوطني العراقي ـ عن تأهب العراق لإطلاق قنابل نووية موجهة نحو أوروبا؛ يمكن أن تبلغ لندن وباريس خلال خمس وأربعين دقيقة. ثم ثبت، فيما بعد، أن هذه القصة مختلقة تماما وأنها جزء من أسطورة جديدة اسمها السلاح النووي العراقي خلبت لبّ الإعلام الغربي، وقادت أمريكا إلي الغزو. ومن غير شك؛ فإن صناعة الأساطير ـ في ماكينة الإعلام الأمريكي ـ أصبحت أكثر ارتباطا بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وهي تبرهن، إلي جانب مظاهر عدة، علي أنها موظفة لأغراض لا حصر لها.. ثمة صور أخري مُخْتَلقَة، أو لنقل ُملْتبسة ومخادعة، أشاعها الاستشراق الكلاسيكي منذ مطلع القرن ما قبل الماضي، كما أشاعها علماء الانثروبولوجيا وحتي قطاع واسع من علماء الآثار والاجتماع في أوروبا، تعطي الانطباع بأن الشرق وحده هو معقل الأساطير والخرافات، وليس الغرب الصناعي، لأن الأخير معقل العقلانية الغربية.. وطبقا لهذا التقسيم الاستعماري (العقل للغرب والقلب للشرق) فقد أصبحنا بفضل الاستشراق الكلاسيكي موضوعا دراسيا يختبر الغرب من خلاله طاقة الأساطير علي صنع وعينا للعالم. وبالتالي؛ فإن السياسة والطبقات الاجتماعية والأفكار والمعتقدات والسلوك البشري هناك ـ في الشرق ـ إنما تترابط من دون فكاك مع الأساطير والماضي والتاريخ برمته.. تبدو هذه الصور النمطية المألوفة والشائعة المأخوذة عن الشرق (الأسطوري) المتخيل، والتي صنّعها ببراعة استشراق الفتوحات الكولونيالية الأوروبية في الشرق المسلم، من خلال الرحّالة والمغامرين والبعثات التبشيرية، وكأنها صفات ومزايا ثابتة وسكونية، غريزية ومولّدة لأنماط من السلوك البشري الشاذ والغرائبي، الخاص والمرتبط بالشرقيين وحدهم، حيث تظهر مجتمعات بلدان بأكملها وكأن قدرها وحدها دون سائر المجتمعات الأخري، أن تتحرك وتنشط لا بفعل قوة الأحلام والعقائد والأفكار والأهداف الكبري؛ بل بفعل قوة وسطوة الميثولوجيا القديمة. بكلام آخر، لطالما ُصّور الشرق بوصفه شرقا ميثولوجيا (أسطوريا) صافيا لا سبيل أمامه إلي التصالح مع الغرب العقلاني من دون تخليه عن الماضي. هذه الصور النمطية للشرق والشرقيين ليست ـ اليوم كما بالأمس ـ سوي استطراد في صور مستنبطة من مجتمعات أوروبا الاستعمارية نفسها، كما بينت نبوءة ماركس المتخيّل في مسرحية هوارد زن، حيث الجموع البشرية تنتظر عودة المسيح. وهي ليست أكثر من استكمال لإنشاء منمق، انبثق في الأصل من رحم صور كبري كانت تتوالد داخل حاضنة الحضارة الغربية عشية بزوغ عصر الرأسمالية. لقد نهض الاستشراق الكلاسيكي بعبء إنتاج هذا النوع من الصور، ولكنه قام في الوقت ذاته بتجاهل حالة مجتمعاته الصناعية التي كانت تعيد هي الأخري، إنتاج أساطيرها القديمة وتقوم بمزجها ونشرها مع دخان المصانع. لصوص العسل العراقيكان الغزو الأمريكي للعراق، الغزو الوحيد في القرن الحادي والعشرين الذي صور في هيئة رمزية شديدة المخادعة، كما لو كان ضربا من ضروب جني العسل، وذلك حين جري تسويق نظرية الاحتلال وتبرير فكرة الغزو وأهدافه برمتها، علي أنها تهدف، لا إلي الاستيلاء علي العسل العراقي أي آبار النفط؛ ولا احتلال أرضه أو اضطهاد سكانه؛ بل علي العكس تمكين العراقيين من نيل حريتهم كاملة غير منقوصة، وفوق ذلك توفير الظروف أمام الحصول علي جرّة العسل، ونيل حصتهم منها مباشرة دون وسيط. إن الأساطير التي صاحبت وتلازمت مع الغزو، هي التي سوف تكشف علي أكمل وجه، مغزي الترابط بين الميثولوجيا (الأساطير) والسياسة في العالم المعاصر. لقد تلاشت مع أصوات القذائف وسحب البارود، كل الصور الاستشراقية القديمة التي روّج لها بعض الاستشراقيين الجدد المخاتلين، ممن وظفوا مواهبهم في خدمة أهداف كولونيالية، والقائلة إن طاقة مجتمعات الشرق العربي المسلم علي إعادة إنتاج الأساطير تفوق طاقة أي مجتمع آخر. هذه الأفكار مجرد تنويع علي فكرة واحدة امتزجت بصور استعمارية نموذجية عن مجتمعاتنا، مصممة في الأصل، لأجل مفاقمة التمييز بين الشرق والغرب. إن جوهر هذا التخيل هو تعميق فكرة وجود تمايز نهائي بين القطبين: غرب عقلاني وشرق أسطوري (ميثولوجي) غارق في الماضي. بيد أن مسألة العلاقة بين الأساطير والسياسة في هذا الشرق المتخيل كما كشف الغزو، سوف تتخطي وعند أول اختبار حقيقي، عتبة التمايز الزائف الذي سعي الاستشراق إلي تكريسه. كان الغزو الأمريكي للعراق، بحق وطبقا لهذا الإطار، هو الاختبار الأكثر عنفا في التاريخ الحديث لكشف العلاقة بين الأساطير والسياسة. ومع ذلك وبعيدا عن هذا الإطار، ثمة الكثير من المبررات والدوافع والأسباب التي تملي علينا التوقف أمام السؤال التالي: هل حقا أن مجتمعاتنا العربية الراهنة، وبخلاف مجتمعات الغرب ما بعد العصر الصناعي، تعيش في قلب الأساطير القديمة، وأن هذه الأساطير تتحكم في أقدارنا ومصائرنا كما لم يحدث في أي مجتمع آخر وفي أي وقت آخر من التاريخ؟ وأن قدر مجتمعاتنا الأبدي، هو أن تقبع في الماضي حبيسة القصص الخرافية، حيث تتسلي العجائز والصغار بحكايات الجان والفتيات الصغيرات اللواتي تفترسهن حيوانات الغابة؟ ولكن في النهاية بأمل حدوث معجزة ما حيث يظهر المخلص أخيرا؟ ولماذا تبدو الأساطير في كتابات النخب العربية المعاصرة، كما لو أنها نوع من وباء أصاب مجتمعاتنا الشرقية السكونية، بينما شفي الغرب وبريء جسده من أسقامها بفضل العقلانية والتنوير والتقدم ؟ وهل السياسة في مجتمعاتنا ـ وحدها وبخلاف سائر المجتمعات ـ ترتبط بشكل وثيق مع الأساطير؟ أم أن المسألة يمكن أن توضع في إطار آخر ومختلف؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا شجع الأمريكيون إعادة إنتاج الأساطير القديمة في المجتمع الذي جاؤوا من أجل تحريره؟ ماركس الشيعي ماركس هذا لا يعرف بغداد التي تنتظر المهدي الغائب (المنتظر) هذه الأيام.. ولا يعرف أي شيء عن صعود أدوار رجال الدين في عالم السياسة، ولا عن تعاظم سيطرتهم الثقافية في المجتمع العراقي، وإلي الدرجة التي باتوا فيها يخاطبون الجماهير، لا من خلال منابر العزاء في الحسينيّات والمساجد؛ بل من خلال عدد كبير من وسائط الإعلام وبشكل أخص من خلال الفضائيات (مثلا: فضائيات الفرات وآل البيت والفيحاء وسواها). كما أن ماركس هذا لا يعرف أي شيء عن الشيعة، ولا عن رجال الدين الذين يخبرون الجماهير صباح مساء عن الظهور الحتمي للمهدي المنتظر، كما لو أنه حقيقة واقعة من حقائق السياسة اليومية و الراهنة، وأن أمر تصديق النبوءة قد لا يتطلب سوي القليل من الصبر والوقت. لقد أصبحت الفضائيات نوعا بديلا من الحسينيات والمساجد و المنابر الدينية التقليدية. ولنقل أن المحطة الفضائية، في عصر ما بعد ماركس، أصبحت هي حسينية القرن الحادي والعشرين بالنسبة للأحزاب والمليشيات الشيعية. إن ظاهرة الفضائيات الدينية التي انتشرت بشكل ملفت للنظر، بصورة مثيرة للدهشة والتساؤل في العراق الجديد بعد الاحتلال الأمريكي، جديرة بأن يُنظر إليها كتطور غير مسبوق في نمط السيطرة الثقافية علي الجماهير؛ فإلي جانب الفضائيات الرسمية وشبه الرسمية التي تديرها شبكة الإعلام العراقي، الممولة بالكامل من المخابرات الأمريكية والتي يشرف عليها ضباط أمريكيون مباشرة، هناك عدد كبير من الفضائيات ومحطات البث الأرضي تجاوز عددها 20 محطة ويديرها رجال دين مموّلة بالكامل من C. I. A أو من رجال أعمال وأثرياء جدد هبطت عليهم الثروة من سماء التاسع من نيسان/ إبريل. وماركس المُتخيل هذا، لم يتجول في شوارع بغداد الموحشة والمجللة بالحزن والغبار والقهر، ولم يزعق في وجوه جياعها المعذبين المحرومين قائلا: إن من وعدوكم، أيها السادة، بعودة المهدي المنتظر من غيبته الكبري إنما يكذبون عليكم، لأنني، وأنا أعود من العالم الآخر علمت بأنه لن يعود . لقد عاد ماركس إلي نيويورك التي لا تزال تنتظر المسيح هناك ولم يعد إلي بغداد؛ وخاطب الجماهير هناك وتحدث معهم عن المسيح المنتظر لا عن المهدي المنتظر.. َفمنْ من المدينتين (المجتمعين) كان يعيش في تلك اللحظات، في قلب عالم الأساطير؟ الغرب أم الشرق العربي المسلم؟ أمريكا أم العراق؟ أم أن العالم كله بات اليوم تحت سلطة الأساطير الجديدة؟ ومع أن نيويورك وليس بغداد، هي التي قطعت شوطا هائلا علي طريق العلمانية واقترن اسمها بكل مظهر من مظاهر المدنية والتقدم التقني والعمراني والعقلانية الغربية، بما في ذلك نبذ الدين أو فصله عن الدولة؛ فإنها لتبدو مثل بغداد تماما في انتظارها الطويل والمزمن لظهور المهدي. هذا التخيّل الذي عبّر عنه هيوارد زن في مسرحيته عن ماركس، مثير ويستحق وقفة تأمل لأنه يصدر عن كاتب مسرحي وجد نفسه، فجأة، في قلب عالم مشحون بالأساطير القديمة والجديدة التي تضخها وسائل الإعلام الغربية.. ومع ذلك كان هناك ماركس آخر شيعي يتجول في بغداد، وكانت أطيافه تحوم في شارع المتنبي في اللحظة ذاتها التي سقطت فيها العاصمة التاريخية في قبضة الأمريكيين؛ ولكنه بخلاف ماركس حي سوهو في قلب لندن، وبخلاف ماركس نيويورك، ماركس مزيف لا يزعق محذرا الجياع والكادحين والفقراء من خداع وغش بعض رجال الدين كما في المسرحية؛ بل يشارك هؤلاء إيمانهم بعقيدة انتظار المخلص.. لقد تراءت أطياف ماركس المزيف هذا، في اللحظة التي وضع فيها شيوعيون عراقيون عادوا من المنفي مع قوات الغزو، لافتة عملاقة وسط شارع المتنبي ببغداد يخاطبون فيها بصورة مباشرة لا لبس فيها، المهدي المنتظر شخصيا، وتتضمن عبارات عزاء باستشهاد الحسين بن علي (عليه السلام/ ورضي الله عنه)؟ وهذا ما سنقوم بتحليله تفصيليا في الصفحات القادمة. يافطة ماركس العملاقة في شارع المتنبيعلي هذا النحو يمكن لنا أن ننظر إلي المعني الحقيقي لتخيّل الفيلسوف في تأملاته الحزينة، ساخطا وغاضبا من سلوك مدينته الغربية . هذه التي ارتبطت في مخيلته بالأبهة والثراء الرأسمالي والعلمانية وقد أضحت، ورغم كل التقدم العلمي الهائل الذي أحرزته، نهبا لسطوة أسطورة عن عودة المسيح، بينما يمكن لنا في الآن ذاته، رؤية الرمزية الساطعة للافتة شارع المتنبي حيث تصبح بغداد مثل نيويورك، تحت سطوة الأسطورة القديمة نفسها. الفارق الوحيد أن العراقيين بفضل ماركس الشيعي استبدلوا المسيح بالمهدي المنتظر. بكل يقين ومن الناحية التاريخية لم يُقيض لماركس الحقيقي، في أي وقت، ربما باستثناء فترة نقاهة قصيرة في الجزائر عندما كان مريضا، أن يقف أو يتجول في شوارع المدينة الشرقية ـ الإسلامية حيث الجواري والشياطين والسحرة والأساطير، ولم يقيّض له كذلك أن يقف ـ مثل ماركس المتخيّل ـ هاتفا بيأس وداعيا إلي فصل الواقع الحي عن الواقع الزائف، ولكنه وبكل يقين، وقف مرارا وتكرارا في قلب الحشود العمالية الأوروبية التي كانت تملأ شوارع المدن، وترددت صيحاته وهو يدعو العمال والفقراء والجياع إلي الثورة علي الواقع. وها هو اليوم يعود إلي المدن نفسها في غرب ما بعد رأسمالي وما بعد صناعي، ولكن ليجدها نهبا لأساطير جديدة وقديمة معاد إنتاجها لأغراض ووظائف ذات طبيعة استغلالية بشعة. إن صورة المدينة الشرقية ـ الإسلامية لا تزال ثابتة جزئيا في المخيال الغربي، كفضاء مشحون بالأساطير والخرافات. وهي لا تزال كذلك، ترتبط علي نحو وثيق داخل الصور الأدبية وفي أذهان الملايين من الغربيين، بأبهة السلاطين والجواري وبقصص السحر والجان وهارون الرشيد وبساط الريح وقوافل الإبل؛ بينما تنفرد صورة المدينة الغربية ـ المسيحية في مخيّلة العرب والشرقيين، كنموذج للعقلانية الصافية والمشذّبة. ولأن ماركس هذا، لم يُقيّض له أن يقف خطيبا في الجموع المليونية التي كانت تخرج إلي شوارع بغداد عن بكرة أبيها، وعلي وجه الحصر في تلك اللحظات العصيبة وبعد أيام فقط من سقوط العاصمة العراقية في قبضة الأمريكيين، حيث عمت مظاهر الحزن الجماعي وغرق المجتمع بأسره في نوع مثير وغير مسبوق من المناحة الكلية، الشاملة، (وذلك عندما سارت في شوارع الكاظمية وكربلاء والنجف والكوفة تظاهرات تجاوز عدد المشاركين الفعليين فيها مليون شخص راحوا يتضرّعون للمهدي المنتظر) فقد بدا أن أطيافه تراءت من خلال لافتة عملاقة في شارع المتنبي نصبها شيوعيون عراقيون عائدون من المنفي، وتنطق بشيء من أفكاره ولكن علي نحو ساخر. كانت الجموع المليونية الحزينة تلطم وتندب في مناحة جماعية نادرة في التاريخ، ولم يكن ثمة من أثر إذ إذاك لا لماركس ولا لأطيافه. لم يسمعه أحد وهو يقول بشيء من التهكم الممزوج بالسخط ـ كما في العرض المسرحي ـ أنه عاد لتوه من العالم الآخر، وأن َمنْ ينتظرون عودة المهدي سوف يخيب أملهم، لأنه لن يعود أو أنه ليس مستعدا للعودة أبدا. مناحات العراق الجديد:شيوعيون وشيعة في مواكب الدموعلم يكن ذلك الخروج الجماعي المهيب للعراقيين الشيعة، في مواكب العزاء والحزن الجماعي لحظة سقوط بغداد، خروجا بدافع الاحتجاج أو الغضب علي الاحتلال؛ بل بدافع إحياء ذكري المخلّص الذي عاشوا بأمل رؤية عودته إلي الأرض. كانوا هم أيضا في تلك اللحظات العصيبة، بانتظار يسوع آخر شبيه ومماثل بيسوع نيويورك أو سوهو، ولكن من دون أن يتسني لماركس الإصغاء لوقع خطاه علي طريق الجُلجلة وهو يجوب الشوارع الخلفية. إن للرموز الأسطورية سلطة علي الجماهير قد تتفوق علي أي سلطة أخري؛ وسواء أكان المجتمع متحضرا (علمانيا ومتقدما) أم كان يحث الخطي علي طريق الانتقال من التخلف إلي المدنية؛ فإن سطوة الرموز تظل قادرة علي الاحتفاظ بقوتها وزخمها ومن دون أي تبدل تقريبا. إن تحليل نموذج العلاقة بين السياسة والأساطير كما تقدمه التجربة العراقية؛ وهي من هذا المنظور أول تجربة لاختبار نتائج أكبر احتكاك عنيف بين الولايات المتحدة والشرق، واستخدم فيه الحد الأقصي من القسوة، سوف يبيّن وبوضوح كيف أن الغرب العقلاني وبوعي تام لكل فعل قام ويقوم به، تولي بنفسه تحطيم العقلانية التي نادي بها، وأنه هو نفسه من سعي إلي تدمير أي شكل مهما كان بسيطا لعلمانية محتملة في المجتمع الشرقي؛ بل وقام بتهشيم أسسها وقذف ببلد ُعرف بمكانة الأفكار العلمانية المتميزة فيه؛ إلي قلب العالم السحيق للأساطير بعد عقود من اعتناقه لعلمانية الغرب ذاته، وبعد سنوات شاقة من محاكاة قوانينه الناظمة وثقافته السياسية، وفي الكثير من الحالات، السير وإنْ بشيء من التردد أو الإخفاق علي طريق الغرب في تحديث الدولة والمجتمع والأفكار. كان الغزو الأمريكي للعراق من هذا المنظور، أول وأضخم تجربة للغرب لاختبار النتائج التي يمكن أن يسفر عنها تدمير منظم للعلمانية في بلد إسلامي (شرقي). لقد أفضت هذه العلمانية فعليا ومن حيث فوجئ الغرب نفسه، إلي تصعيد فعالية الدولة الوطنية وتعاظم قدرتها علي تنشيط الميول في مجتمعها لامتلاك القوة والمعرفة، أو تنشيط محاولات الاستحواذ علي التكنولوجيا وردم الهوة مع الغرب؛ وذلك ما يعبر عنه بدقة طموح العراق إلي امتلاك برنامج علمي، يؤهله للدخول في منتدي الدول الحديثة. إن الأهداف المعلنة للولايات المتحدة من غزو العراق، كمواجهة خطر أسلحة التدمير الشامل مثلا؛ لتبدو منظورا إليها من هذه الزاوية، وبصرف النظر عن سائر المبررات والذرائع والدوافع الأخري، أكثر قابلية من سواها، ومن حيث درجة قوتها وتأثيرها في عمل وسائل الإعلام علي الإفصاح عن البعد الحقيقي للغزو الذي لم يكن، في النهاية، سوي تدمير منظم للعلمانية بكل تعبيراتها وأشكالها (بني تحتية، برامج علمية، علماء، جامعات ومختبرات متطورة ومعاهد دراسية، نخب حداثية) وبوسائل غاية في القسوة والبطش. وباستخدام تعبير جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في عهد إدارة بوش الأب؛ فإن الهدف النهائي لواشنطن من الحرب كان إعادة العراق إلي العصر الحجري. أي إعادته إلي العصور الأولي لبزوغ التاريخ بوصفه أسطورة.. فماذا يتوقع المرء أن يجد، هناك، في مجتمع وبلاد شرقية إذا ما تمت عملية إعادتهما إلي الوراء عدة عصور؟ ليس ثمة شيء آخر سوي الأساطير.. بهذا المعني فإن الغزو تبدي حتي في أعين أبطاله، وإلي النهاية، كأول وأكبر اختبار لإمكانيات إعادة بلد شرقي بالقوة إلي الماضي؛ والدفع بالمجتمع كليا إلي ما وراء التاريخ. في محادثات جنيف بين نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية العراقي طارق عزيز مع جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي في شتاء 1991؛ عبر بيكر دون تردد عن عزم بلاده علي ضرب العراق بشدة وقسوة وإلي الدرجة التي يعود فيها العراق إلي العصور الحجرية دفعة واحدة. إن فكرة إعادة بلد ما إلي الوراء، أي إعادته إلي طور ما قبل التاريخ، تكشف من بين ما تكشف عن الجذور الحقيقية للعلاقة بين الأساطير والسياسة في العالم المعاصر، بحيث تدخل الأساطير تلقائيا في نسيج السياسة الخارجية وتغدو جزءا عضويا من علاقات القوة. وفي هذا الاختبار ستتبدي وعلي أكمل وجه، حدود العلاقة بين الأساطير الجديدة والسياسة، لا بالنسبة لنا نحن العرب (الشرقيين المسلمين) وإنما كذلك بالنسبة للغرب نفسه. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية