مناخل الحراك ردا على تنخيل الأمير حسن .. وطبخ نسائي في فرن الثورة اليمنية

حجم الخط
0

بسام البدارينيمكن لأي مشاهد دقيق إلتقاط مشهد (المناخل) تحديدا من زوايا الكاميرا البعيدة للمشاهد التي رصدتها كاميرا بي بي سي العربي للمسيرة الأخيرة التي نظمتها المعارضة الأردنية في ساحة النخيل الجالسة بوقار في قلب العاصمة الأردنية عمان والتي أصبحت أقرب لهايد بارك يفرغ فيها الأردنيون كل إحتقاناتهم وتستقطب كاميرات الفضائيات الباحثة عن حدث من أي نوع وفي أي وقت.

والمناخل التي إستخدمها بعض المشاركين من شباب الحراك الوطني لم تكن في المعنى السياسي مرتبطة بالمكان الذي يعج بسعفات النخيل في الواقع. المناخل هناك وبوضوح كان لها غرض واحد ومحدد وهو حصريا (مناكفة) الأمير حسن بن طلال الذي لا زال يملأ الدنيا ويشغل الناس بعدما أصبح وإثر إطلالته اليتيمة على شاشة تلفزيون الحكومة طرفا في الحدث والإشتباك المحلي… إنها إذا عبقرية الحراك وواحدة من تجليات التحدي التي تبلغ الجميع بأن الأردن تغير وبأن قواعد اللعبة تبدلت وبأن الدنيا لم تعد هي نفسها الدنيا فالمناخل التي تستخدم بالعادة في تنخيل وتنقية مادة الطحين حضرت بقوة في مكان المسيرة ولكن كرسالة سياسية هذه المرة هدفها الأمير المخضرم الذي يواصل دفع ثمن كلمة عابرة قال لاحقا أنها أخرجت من سياقها.

لذلك حمل البعض مناخلهم معهم بجانب اللافتات لكي يقولوا للأمير: نعم سيدي الأمير نحن مستعدون للتنخيل إذا أردت.

وحصل ذلك ردا على عبارة للأمير قال فيها: لو نزلت لساحة النخيل لنخلتكم تنخيلا… لذلك أبدع شباب الحراك المسألة فحملوا مناخلهم معهم إلى المسيرة كما يحمل المرء كفنه أحيانا مظهرين إستعداهم وبتحدي واضح للتنخيل… إنها إذا روح مناكفة غير مألوفة بين الأردنيين تسلط عليها الفضائيات الضوء بوضوح.

نخيل وتنخيلقبل ذلك أظهر الحراكيون ميلا للدعابة السياسية عدة مرات وشهدت ساحة النخيل تحديدا الدعابات الأكثر تأثيرا ومجازفة وترميزا فعدما بثت محطة الجزيرة في وقت سابق لقطة لرجل أمن يطارد معتصما بالمنقل (إناء مخصص لشيّ اللحم) بدأت التعليقات الساحرة على صفحات فيس بوك من إطلاق إسم موقعة المنقل على الحالة إلى إقتراحات بتزويد رجال الأمن بالمناقل بدلا من الهراوات بعد الأن.

وفي نفس يوم موقعة المنقل حصلت مفارقة مضحكة جدا لا يمكنها أن تحصل إلا في عمان فقد إتفق الأمن مع رجال الصحافة والإعلام على تزويدهم بسترات برتقالية اللون لتمييزهم عن المعتصمين إذا ما إقتضت الضرورة فض الإعتصامات بالقوة وفوجئ الصحفيون بأن اللحظة التي تدخلت فيها الهراوة لفض المسيرة تم التركيز حصريا على من يرتدي الزي البرتقالي فقد أكل الصحفيون دون غيرهم (علئة) خاصة على الطريقة المصرية وأصيب منهم 18 زميلا قبل إعتذار الأمن وإعلانه بأن ما جرى لم يكن مقصودا.

عمليا حصل الإعتذار بعدما فات ما فات فكاميرات العربية وبي بي سي والجزيرة صورت مراسليها وهم يتعرضون للضرب في موقعة المنقل أكثر من غيرهم رغم تزويدهم بالزي البرتقالي.

إرحل على رغيف الخبزإفتقدنا الرئيس اليمني علي عبد الله صالح كثيرا ولم يعد يظهر على الشاشة وختم الرجل صورته التلفزيونية باللقطات التي بثتها سي إن إن عندما هاجمه أحد الأشخاص بالحذاء لكن الجزيرة التي أصبحت متخصصة بوضع الملح أكثر في الجرح العربي أقسمت على تذكيرنا بالرجل عبر برنامج خاص سجل مع توكل كرمان الزميلة الصحفية التي إتسعت شهرتها بقوة وأصبحت رمزا وعنوانا للثورة اليمنية.

أكثر من ساعة تلفزيونية ظهرت فيها توكل كرمان كقائدة للثورة تستعيد بعض الذكريات على طريقة الخميني.. مرة تتحدث السيدة اللامعة أمام خيمة بأثر رجعي.. أخرى تعيد الجزيرة خطاباتها النارية.. مرة ثالثة بإمكان المشاهد إظهار الحسرة وهو يشاهد أطفال كرمان الثلاثة يحضنون أمهم بعد غياب مع عبارة يسمعها المشاهد للبطلة تقول فيها: إبنتي قالت لي.. نريده أن يرحل حتى نستعيد أمنا ونراها.

ذكرني الأمر بمقولة للصديق الزميل خيري منصور فقد درج على القول: الزعيم الحقيقي لا وقت لديه للإستحمام.. لذلك حسب رأي الزميل يشتم الناس رائحة نتنة لبعض الزعماء لكن زعامة توكل كرمان أظهرتها الجزيرة من طراز مختلف تماما فالسيدة يبدو أنها تحفظ الثورة وتفاصيلها.

كرمان هنا كانت كالثوار والزعماء الكبار تماما لا وقت لديهم للزوج أو للبيت أو للأولاد وكل الوقت للثورة لكن رحيل الرئيس سمح لتوكل كرمان بالظهور مجددا مع أطفالها وعائلتها وبرز زوجها في جلسة عائلية داخل خيمة وهو يمازحها بصورة لها علاقة بما تدربنا عليه في عالم الصحافة تحت شعار(أنسنة النص والبطل)… طبعا البرنامج كان محطة واضحة لصناعة نجم يمني فكرمان تخطف الأضواء بوضوح وتدخل في عالم الرمزيات التي تقدمها بالعادة الشعوب البائسة لكن ما يثير الدهشة في السياق هو مطبخ الثورة اليمني خلف الأضواء فالنساء كن يتجمعن داخل الخيمة المخصصة للطبخ الثوري ويبدعن في إختراع أشكال من الخبز والكعك وصواني الطعام التي تمتليء بشعارات الثورة من طراز (إرحل) وإمشي.

تبين أن اللقطات التي نرى فيها رغيفا للخبز بأيدي الثوار على شاشات الفضائيات كتبت عليه بطريقة لافتة كلمة (إرحل) مبرمجة ومقصودة أيضا فمطبخ الثورة حفل بالمبادرات النسائية التي إستخدمت الطبخ والطهي نكاية بالنظام عبر فرن صغير إستخدم لطهي طعام الثورة.. ما حصل في النهاية مثير: نساء يمنيات إجتهدن وكتبن كلمة (إرحل) على أرغفة الخبز فرحل الرئيس فعلا بعد أيام فيما يبقى السؤال: طيب رحل علي عبدلله صالح فهل سقط النظام أم إنتصرت الثورة؟. نسخة أردنية من توكل كرمانطبعا يعرف القارئ الكريم أن الشارع الأردني إنشغل طوال الأسبوع الماضي بالناشطة التي ترصد لها أحد البلطجية في الشارع وطعنها بعدما نشرت مقالا ضد تهديدات الأمير حسن بعنوان (تي نخل تي نخل) والكلمات هنا مستوحاة من كلمات أغنية شهيرة تبثها الفضائية الأردنية عشرات المرات بإسم (تي رشرش.. تي رشرش). لكن ولأن الشيء بالشيء يذكر وعلى سيرة اليمن أشتم رائحة محاولة (رسمية) هذه المرة لصناعة نسخة أردنية محلية من توكل كرمان تتحدث عن فتاة (تي نخل تي نخل) الناشطة إيناس مسلم التي طعنها أحد المجهولين ودخلت المستشفى وإنشغلت السلطات الرسمية بمحاولة تشويهها إجتماعيا فبدلا من إعلان نتائج التحقيق والقبض على من طعنها صدرت بيانات رسمية تشرح الصفحة العاطفية في حياة الفتاة الجامعية التي ظهرت صورتها بكثافة لأكثر من أسبوع على كل شاشات الفضائيات العربية فأصبحت نجمة كرستها السلطات الأمنية دون غيرها وهي تقدم رواية مفصلة عبر الفضائية الأردنية ستنقل الشابة فعلا بتقديري الشخصي على طريق توكل كرمان.

هنا أيضا يمكن إستذكار فتوى علي عبد الله صالح الشهيرة التي تحدث فيها عن الإختلاط في ساحات الإعتصام بين النساء والرجال خلافا لأحكام الشريعة وتقاليد المجتمع علما بأن نظام الرجل لم يلتزم بأي من قواعد الشريعة إطلاقا طوال ثلاثة عقود وأكثر خصوصا تلك التي تحرم السرقة والفساد وتنص على قطع يد السارق والناهب.

لاحقا للإهانة التي وجهها الرئيس لليمنيات تكثف وجود النساء في الشوارع وإنكشفت عورة النظام وظهرت جحافل الثورات النسائية في شوارع صنعاء وعدن قبل أن تضبح توكل كرمان نجمة في العالم.

المهم قرر عبقري ما في المؤسسة الرسمية إقناع الرأي العام الأردني بأن خلفيات طعن الناشطة إيناس لا علاقة له بنشاطها السياسي أو بمقالها الناقد للأمير حسن بل بمغامرات مراهقين عاطفية وخلافا لكل البيانات المقتضبة المعتادة إسترسل البيان الرسمي بالشرح هنا ففهم المواطن الأردني من أحب إيناس أو حاول مغازلتها أو أرسل لها رسالة.. إلخ.

القصد من الشرح واضح بالتأكيد وهو الإساءة للصبية الناشطة إجتماعيا و(شيطنة) رموز الحراك الشبابي قدر الإمكان.. توقعاتي شخصيا وأجري على الله أن تختطف السفارات قصة الفتاة إيناس وأن يزيد مستوى وحجم التعاطف معها وطنيا وأن يزيد كذلك عدد المنددين بالأجهزة الأمنية والمستائين من بياناتها البائسة وأن يتواصل الإحتقان في الشارع وأن تصبح قصة إيناس مصنعا لإنتاج المزيد من الحراك في الشارع لإني ببساطة ولأكثر من عشرة أيام لم أقابل أي شخص يصدق الرواية الرسمية الغريبة عن حادثة طعن الناشطة إيناس مسلم… الأداء البائس في شرح المسألة وتقليب صفحات فتاة العاطفية سينتهي بإستنساخ توكل كرمان أردنية… ترقبوا الأمر جيدا.

سؤال للمفتيوفي الطريق بإمكانكم تسجيل ملاحظة بسيطة على البرنامج الحواري الذي بثته محطة العربية قبل أيام وظهر فيه الشيخ عائض القرني وهو يفتي بأن قتل الرئيس بشار الأسد أصبح واجبا يفوق في الأولوية قتل الإسرائيليين المحتلين لإنه- أي بشار- يقتل الأطفال والأبرياء.. شخصيا لا يعجبني إطلاقا النظام السوري وكلمة (قاتل) تنطبق تماما عليه لكن خطر في ذهني سؤال بسيط للشيخ القرني: أين كنت عندما كانت بلاد (خادم الحرمين) تشارك في قصف وقتل وحصار ملايين الأطفال العراقيين بالتعاون عسكريا مع نظام البعث الحاكم في سوريا؟… أغلب التقدير أنك كنت نائما ولا تستطيع الفتوى بأثر رجعي.. مرة أخرى يدهشني صديقي محمد خلف الحديد وهو يتحدث عن شيوخ من طراز (مولينكس). مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمّان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية