مناخ غير مريح في جلسات الحوار الوطني بسبب إبطاء الإفراج عن سجناء الرأي… و«مدرسة المشاغبين» ألحقت ضررا بالتعليم بلا حدود

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة -«القدس العربي»: هل يفعلها زعماء العرب اليوم وينزعوا عن أنفسهم رداء الخوف ويقدمون على إصدارقرارات طال انتظارها في العواصم العربية كافة بشأن نصرة الشعب الفلسطيني وكبح جماح المبشرين بالسلام الزائف مع العدو الذي لايعترف سوى بلغة التخريب والاغتيالات؟ وهل يكون للشعب المنكوب في السودان من حظ القادة نصيب موفور من الاهتمام؟ بين مخاوف في ازدياد بشأن تطور المشهد السوداني وتدفق مزيد من السودانيين على الحدود المصرية وتفاقم أزمة سد الخراب الإثيوبي وبين ترقب القمة العربية في جدة ومستجدات الأزمة الإقتصادية والتي لم تترك بيتا إلا واكتوى بنارها تنوعت الموضوعات التي اهتمت بها صحف الخميس التي اهتمت في المقام الأول بالآمال المرتقبة من تجمع القادة العرب، وتابعت تطورات الأحداث في فلسطين المحتلة. وفي التفاصيل: غادر الرئيس السيسي، إلى السعودية للمشاركة في الدورة الـ32 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة، والتي تُعقد في مدينة جدة. وصرح المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، بأن مشاركة الرئيس في القمة العربية، تأتي في إطار حرص مصر الدائم على تدعيم وتطوير أواصر العلاقات مع الدول العربية الشقيقة، واستمرارا لدور مصر في تعزيز جهود دفع آليات العمل المشترك، وتوحيد الصف، لصالح الشعوب العربية كافة. وأضاف المتحدث الرسمي، أن قمة جدة تهدف إلى تعزيز التشاور والتنسيق بين الدول العربية الشقيقة، بشأن مساعي الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة وتعزيز المصالح العربية، خاصة في ظل المتغيرات المتلاحقة والأزمات المتصاعدة على المستويين الدولي والإقليمي. ومن أبرز التقارير التي مرت عليها الصحف بعدم اكتراث رغم دلالتها: ألغت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية مقابلة كانت مقررة الأحد المقبل في برنامج “في المساء مع قصواء”، مع المرشح الرئاسي الأسبق حمدين صباحي مؤسس التيار الشعبي، بدون إبداء أي أسباب الأمر الذي يزيد الشكوك في جدية الحوار الوطني والاتجاه بالبلاد إلى حالة انفراج سياسي كما كان يأمل كثيرون. وقالت قصواء الخلالي في تغريدة على حسابها الرسمي في موقع تويتر: “قامت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، بالاعتذار للسياسي الكبير حمدين صباحي عن عدم استضافته على شاشاتها، وعن الدعوة المقدمة له من الشركة للظهور في حلقةعلى الهواء، ووافق صباحي وتقبل الاعتذار بصدر رحب كما تم إبلاغي، ولن يكون ضيف الأحد المقبل في المساء مع قصواء على cbc”ولم يعلق حمدين صباحي الذي أطلق لقاءه مع الرئيس عبدالفتاح السيسي الحوار الوطني في نهاية نيسان/أبريل 2022 على الإلغاء، مكتفيا بمشاركة تغريدة قصواء الخلالي.
ويسود مناخ غير مريح أجواء الحوار الوطني بسبب إصرار الجهات المختصة على إشراك من تشاء ومنع من تشاء في جلساته وإبطاء عملية الإفراج عن سجناء الرأي والمحبوسين احتياطيا، وعلى تحديد سقف لما يمكن أن يناقشه الحوار ومنها التعديلات الدستورية التي جرت عام 2018 والتي لا تحظى بارتياح من قبل المعارضة إضافة إلى سياسة مصر الخارجية ، مما جعل الآمال التي كانت معلقة على مراجعة موقف السلطة في مواجهة الخطر الذي يمثله سد النهضة تتلاشى. ومن مستجدات الصراع في القلعة البيضاء: تلقت وزارة الشباب والرياضة خطابا رسميا من مجلس إدارة نادي الزمالك، يفيد بعزل مرتضى منصور من رئاسة النادي. وكشف محمد الشاذلي المتحدث باسم الوزارة عن تلقي الوزارة خطابا من مجلس إدارة نادي الزمالك يفيد بأن مرتضى غير موجود في رئاسة النادي في الوقت الحالي، وأن مجلس الإدارة مسؤول مسؤولية كاملة عن تسيير الأعمال لحين انعقاد أقرب جمعية عمومية.
قمة بطعم الخوف

يذهب العرب إلى قمتهم في جدة تحدوهم التطلعات، وتحيط بهم الأزمات التى مازالت في قمتها، بل إن المخاوف كبيرة، كما أوضح أسامة سرايا في “الأهرام” ليس لقسم من الدول، ولكن لكل الدول، والطريق مازالت طويلة لتحقيق التطلعات، والأهداف الكبيرة، والمجتمعون في القمة من المؤكد أنهم شاهدوا مؤخرا الأمم المتحدة وهى تُحيي ذكرى النكبة الفلسطينية والعربية الـ ( 75) فى حفل ضخم في نيويورك، ولأول مرة في التاريخ، وهي ذكرى أليمة لكل عربي وتعيش في وجداننا، والتي جمعت بين السياسي، والفني، والإنساني، في إطار بديع، حيث أبرز رئيس السلطة الفلسطينية الجانب الأول بكلمة مؤثرة حملت العاطفة، وغاب عنها الفعل السياسي الذي ننتظره (تجميع كلمة الفلسطينيين). إن قوة العرب في قمتهم ستكون في موقفهم، في توصيل وحدتهم في كل القضايا للعالم، وفي مقدمتها، قضية التطرف الإسرائيلي في قتل الفلسطينيين، والتنكيل بالمقدسات الإسلامية، والعربية في القدس. وأعتقد أن قضايانا العربية كلها لا تحتمل تسجيل نقاط، ولكن سياسة وفعل، لأنه تنتظرنا مخاوف كبيرة في كل المجالات، فقد تفجر السودان، وهو مهيأ لعودة الإرهاب والتطرف بكل أشكاله. وهذه المرة سيكون كثيفا، ومريرا، لموقعه الحيوي، وهم هناك يتنادون بإعادة إنتاج كل التنظيمات الإرهابية. ولم يتفجر السودان وحده، فلاتزال ليبيا هشة، واليمن مازال لم يطله، أو يطل عليه، الاتفاق السعودي – الإيراني، وكذلك لبنان بلا رئيس، ووقع في تناقضات السياسيين، والأوضاع الإقليمية لم تحل بعد، ومازالت في جس النبض بين أطرافها، كما أن سوريا صحيح عادت للجامعة، لكن السوريين لم يعودوا إلى بلادهم، وحلولهم مازالت غائبة. أما بقية الدول فتتوزع بين مشكلات عديدة تحتاج إلى حلول إقليمية، ورؤية عربية، خاصة مشكلات المياه التي تطال النيل بين مصر والسودان مع إثيوبيا، والجفاف الذى يطال سوريا والعراق مع تركيا، ومازالت دروس وباء “كوفيد-19 “، وحرب أوكرانيا – روسيا، وتداعياتها الإقليمية لم تفرز تعاونا أشمل في مجال الصحة، وإنتاج الغذاء العربي، ومازال التنسيق السياسي، والاقتصادي غائبا، لكن هناك رغبة في ظهور رؤية مستقبلية للمنطقة، خاصة في علاقاتنا مع بعضنا، وجيراننا والعالم.

لاتنسوا فلسطين

لفت كرم جبرأنظار الزعماء العرب المقرر أن يجتمعوا خلال ساعات في جدة إلى أنه لم يتحقق أي تقدم في الملف الفلسطيني، طيلة السنوات الماضية بل يزداد تعنت إسرائيل فى إزهاق روح القضية الفلسطينية وإدخالها ثلاجة الموتى، واستمرار ضرب غزة بالصواريخ لولا التدخل المصري لوقف الاغتيالات واستهداف المدنيين وهدم المنازل. تابع الكاتب في “الأخبار”: الملف الفلسطيني هو الأكثر تضررا بفعل الأحداث الصاخبة في المنطقة، فبعد أن كانت فلسطين هي قضية العرب الكبرى، منذ القمة الأولى في إنشاص سنة 1946 وقبل إعلان قيام إسرائيل، ظل الملف يتراجع فى دائرة الاهتمام العربي، خصوصا في السنوات الأخيرة، التي هبت فيها رياح الجحيم – المسمى بالربيع العربي – فتراجع الاهتمام بفلسطين، بعد أن فُتحت في الجسد العربي جراح غائرة، لا تقل عن بقية الجراح التي تصيب المنطقة كلها.
وتبنت القمم العربية السابقة الدعوة لتفعيل مبادرة السلام العربية، ومتابعة تطورات الاستيطان الإسرائيلي، والمحافظة على هوية القدس الشرقية، وغير ذلك من العبارات التي تحتاج تفعيلا أكثر، فالجميع يعلم أن القضية أكبر بكثير من التصريحات والأمنيات، وتخضع لأمرين شديدي الخطورة:
أولا: إصرار إسرائيل على التهام بقية الأراضي الفلسطينية، وأن الزمن يخصم من رصيد القضية الفلسطينية، وأن ما كان مطروحا بالأمس لن تستطيع تحقيقه اليوم، وأن ما سوف يُطرح اليوم لن يحصلوا عليه في الغد.
ثانيا: تعثر محاولات الصلح ورأب الصدع بين فتح وحماس، وصولا إلى موقف فلسطيني موحد، يدحض مزاعم إسرائيل ولعبها على الوقيعة وإذكاء للصراع والفتن، فوحدة الصف الفلسطيني هي الخطوة الوحيدة لإحياء السلام، وإخراج القضية برمتها من ثلاجة التجميد. وأهم التحديات التي تواجه الدول العربية محاولة إحياء حلم التضامن العربي، والاتفاق على حد أدنى يحمي المصالح العربية، ويجعلها رقما مؤثرا في المعادلة والسياسات التي يجرى الترتيب لها وفق نتائج الحرب الروسية الأوكرانية، والتطورات الساخنة في صراعات الدول الكبرى.

ننتظر مايلي

تبدو الأجواء التي تابعها باهتمام بالغ جلال عارف في “الأخبار” ملائمة لكي تكون قمة الغد (اليوم) العربية بداية مرحلة جديدة ومتقدمة في العمل العربي المشترك. القمة التي تعقد هذا العام في جدة ستشهد اكتمال عودة سوريا إلى مكانها الطبيعي في الجامعة العربية ومدلولات هذا الحدث كبيرة لأنها تعني إغلاق صفحة الاكتفاء بالغياب العربي وترك القرار في أزمات عديدة للآخرين. الآن يتم تصحيح الوضع وتدرك كل الأطراف العربية الفاعلة أن ثمن الغياب كان فادحا، وأنه لا بديل عن الحلول العربية لأزماتنا، ولا طريق إلا وحدة القرار العربي وأخذ المبادرة في حماية أمننا وبناء أوطاننا مهما كانت الصعوبات. الوعي بأهمية العمل العربي المشترك يسود الآن في مواجهة أزمات قائمة وتحديات ومخاطر لن نستطيع مواجهتها إلا بجمع القوى العربية والتنسيق بينها. لم يعد ممكنا استمرار الأوضاع في ليبيا واليمن والسودان ولبنان على حالها. ولم يعد ممكنا إلا أن يكون هناك قرار عربي واحد يلتزم به الجميع لمساعدة أشقائنا في هذه الدول على تخطي الأوضاع الصعبة التي يعيشونها. وحدة القرار العربي ضرورية أيضا لمواجهة مرحلة صعبة ستشهد فيها المنطقة صراعا بين القوى الكبرى على النفوذ لن نكون بعيدين عن آثاره. القوى العربية التي توحد قرارها وتنسق جهدها هي القادرة على أن تكون جزءا فاعلا في مستقبل المنطقة والعالم. وهي التي تمنع أن نكرر دفع فواتير حروب الآخرين، أو ننتظر منهم حلا لمشاكلنا أو استعادة لحقوقنا التي رأينا كيف تلاعبوا بها في قضية فلسطين التي عادت لمكانتها كقضية مركزية للعرب جميعا بعد أن فشلت كل الصفقات المشبوهة والهدايا المجانية للكيان الصهيوني. سيكون على قمة جدة أيضا أن تمهد الطريق أمام القمة العربية الأخرى التي ستنعقد هذا العام في موريتانيا من أجل التنمية. وفي الحقيقة لم يعد هناك عذر للتباطؤ في هذا المجال بعدما واجهته كل الدول العربية من أزمات في الغذاء أو المياه أو الطاقة، وبعد أن أدرك الجميع أن التنمية المشتركة هي القادرة على استثمار ما نملكه من قدرات مالية وبشرية وثروات زراعية وصناعية لصالح أمتنا في كل أقطارنا العربية. ننتظر قرارات تقول للعالم إننا استوعبنا الدرس، وتطمئن ملايين العرب أننا نسير فى الطريق الصحيح.

هدنة محفوفة بالخطر

توقف الرشقات الصاروخية المتبادلة بين المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وإسرائيل، بعد اتفاق تهدئة وقع بوساطة مصرية لا يعني بالضرورة من وجهة نظر جيهان فوزي في “الوطن” أن الأمور عادت إلى سيرتها الأولى. رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو يصدر للإسرائيليين شعارات الانتصار من خلال التصريحات والمؤتمرات الصحافية، ويقول إن العملية الأخيرة التي استهدفت أكثر من 12 قائدا عسكريا في الميدان من حركة الجهاد الإسلامي في غزة، هو انتصار على الإرهاب، ويجلب الاستقرار الأمني للإسرائيليين. هذا الكلام عارٍ من الصحة، وإلا لكانت الحروب السابقة والاغتيالات التي تنفذها إسرائيل بحق قادة عسكريين وسياسيين فلسطينيين، من حين لآخر، قد نجحت فى لجم قدرات المقاومة وتفتيت عزيمتها، لكن الذي حصل هو العكس، أخفقت إسرائيل تماما في تحقيق هذا الهدف، بدليل استمرار المقاومة، واغتيال قائد عسكري أو مقاتل أو أكثر لا يؤثر على تكتيك المقاومة أو خططها، ففي المقابل يولد ألف قائد آخر. سياسة الاغتيالات الإسرائيلية للمسؤولين الفلسطينيين سواء كانوا سياسيين أو عسكريين وتعتقد إسرائيل أنهم يشكلون تهديدا مباشرا على أمنها، هي سياسة قديمة ومتبعة منذ عام 1948 وحتى الآن، فهل أثرت هذه السياسة على عزيمة المقاومة؟ وهل توقف النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي؟ الإجابة بالقطع لا! إذن هذه السياسة التي يحاول نتنياهو إقناع الجمهور الإسرائيلي بها كوسيلة للقضاء على التهديد الأمني الذي يواجه إسرائيل، حقيقة كاذبة، رغم اقتناع قطاع كبير من الإسرائيليين اليمينيين بأهميتها، والدليل ما قاله رئيس الشاباك (الأمن الداخلى) الإسرائيلي السابق يوفال ديسكن، الذي فتح النار على نتنياهو، وكشف أكاذيب السياسيين، في مقال نشره موقع القناة 12 العبرية، بعد الاغتيالات الأخيرة التي نفذتها إسرائيل فى قطاع غزة.

الحق أولا

يقول ديسكن الذي تستشهد به جيهان فوزي: “دعونى أكشف لكم سيد الهوس الأمني نتنياهو، والغش المطلق بن غفير، أن الاغتيالات المستهدِفة لن تكسبنا الحرب على الإرهاب، ولن تحل المعاناة الرهيبة والمتكررة لسكان الجنوب ومحاصرة غزة، ولا المعاناة الرهيبة لسكان قطاع غزة غير المتورطين. الاغتيال المستهدِف هو وسيلة لتضخيمها، أنتم السياسيون، إلى ما هو أبعد من أبعادها، لكنها ليست الهدف على الإطلاق.الهدف هو تغيير الواقع: العيش فى تعايش محترم، ووقف موجات الإرهاب، ووقف جولات إطلاق الصواريخ، وإعادة الحياة إلى طبيعتها لكلا الجانبين لسنوات عديدة. لقد قمنا بتطوير وإدخال الاغتيال المستهدِف كعقيدة قتالية وقدرات استخباراتية عملياتية إلى ترسانة أدوات مكافحة الإرهاب فى بداية الانتفاضة الثانية، فى نهاية عام 2000. وقد أوضحنا أن هذا حلا تكتيكيا صغيرا يقدم إجابة جزئية لعدم القدرة على إحباط التهديدات الإرهابية الفورية، عندما منعنا المستوى السياسي بشكل مطلق من دخول مناطق السلطة الفلسطينية، ونحن مضطرون للبحث عن طرق لإحباط الهجمات الإرهابية من بعيد. الوضع في قطاع غزة لا يختلف، لقد أوضحنا دائما أن الاغتيالات المستهدِفة ليست حلا سحريا لمشكلة الإرهاب، لأنه من أجل التعامل معها بشكل فعال، يجب أن نسيطر فعليا على المنطقة. وما هو أكثر من ذلك، إذا كنت تريد حقا حل مشكلة الإرهاب، يجب أن تعالج جذور المشاكل التي تولد الإرهاب وأهمها، انعدام الأمل والشعور بالعجز عن الواقع الذي يخنق من كل الاتجاهات”. بدورها تؤكد الكاتبة في “الوطن” أن الاغتيالات بحق الفلسطينيين لن توصل إلى شيء، فلا المقاومة ستتوقف، ولا العمليات ضد جنود الاحتلال ستنتهي، وسيستمر الوضع الحالي إلى ما لا نهاية، ولن تؤدي إلى أي مكان، ما لم تكن هناك تسوية نهائية فعلية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وما لم يكن هناك حل عادل للقضية الفلسطينية، لن تهنأ إسرائيل بالأمن والأمان الذي تنشده، ولن تنتهي سياسة الاغتيالات ضد القادة والمقاومين الفلسطينيين وحتى المدنيين، العملية الأخيرة ادعى نتنياهو أنهم غيّروا المعادلة بالنسبة لقطاع غزة، وأنهم أزالوا القيادة المتقدمة في الجهاد الإسلامي وقصص البطولة الأخرى.

سلام زائف

على الرغم مما تبذله الولايات المتحدة من محاولات مستمرة وضغوط مباشرة وغير مباشرة على الدول العربية كيما تدفع بها نحو تطبيع علاقاتها بإسرائيل، وعلى الرغم من إقدام عدد منها على إبرام اتفاقيات من هذا النوع معها، فالواقع الذي يؤمن به الدكتور عصام عبد الفتاح في “المصري اليوم” أن فكرة التطبيع في حد ذاتها لاتزال من الناحية النفسية لدى العرب أمر يصعب استساغه، أمر مدرج فى باب المحرمات. ولئن أُلغيت قيود كثيرة منذ بداية عملية السلام العربي – الإسرائيلي، وأعقب هذا الإلغاء تبادل للزيارات الدبلوماسية بين الجانب الإسرائيلي، كالسودان التي سعت لتحقيق مصلحة حيوية لها كإسقاط ديون تثقل كاهلها مثلا أو تخفيف عقوبات اقتصادية مفروضة عليها لأسباب سياسية أو اقتصادية، فالواقع أن ثمة حاجزا نفسيا عميقا في اللاشعور العربي يحول دون تحقق هذا التطبيع بمعناه الحقيقي لدى الشعوب العربية. ولاشك أن جرائم إسرائيل البشعة من إبادة وفتك بالفلسطينيين وتدمير لديارهم قد عمق الكراهية والنفور حتى من كلمة «إسرائيل» وجعل من فكرة التطبيع الفعلي على المستوى الشعبي ضربا من المحال. ويعلم الفلسطينيون أنفسهم أن لجوء دول عربية للتطبيع سياسيا مع إسرائيل ليس في الواقع إلا نتيجة لعوامل سياسية واقتصادية وأمنية. بيد أن السؤال الجوهري هنا هو: ما الذي تستطيع الدول العربية أن تفعله إزاء إسرائيل سوى أن تعمل جاهدة على تهدئة الأوضاع وتواصل مطالبتها لها دوليا بتطبيق حل الدولتين؟ وهل بمقدورها أن تقوم بشيء آخر بخلاف ما تبذله بالطرق الدبلوماسية لكي تحمل إسرائيل على الهدنة والتفاوض مع الفلسطينيين؟

تركيا تنتظر

بالتوازي مع الانتخابات الرئاسية التركية، جرت الانتخابات البرلمانية، التي لم يتكلم عنها الكثيرون أمام صخب وإثارة انتخابات الرئاسة، فوفق القانون المنظم للانتخابات، الذي اطلع عليه عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” يُشترط حصول أي حزب يرغب في دخول البرلمان، المكون من 600 مقعد، على نسبة 7% من أصوات الناخبين، أو أن يكون جزءا من تحالف يحصل على هذه النسبة. ويصوت الناخبون للقوائم الحزبية وليس للمرشحين وفق النظام الفردي، وذلك بموجب نظام التمثيل النسبي. وحصل حزب العدالة والتنمية على 267 مقعدا، في حين حصل حزب المعارضة الرئيسي، وهو الشعب الجمهوري، على 169 مقعدا، أما حزب اليسار الأخضر فحصل على 61 مقعدا ليعلن عودة جديدة لليسار التركي وأحزاب البيئة، كما حصل حزب الحركة القومية على 50 مقعدا، والحزب الجيد على 44 مقعدا، والرفاه على 5 مقاعد، والعمال التركي على 4 مقاعد. والحقيقة أن الانتخابات البرلمانية التركية عرفت تحالفات سياسية وانتخابية بين مختلف الأحزاب وفق القانون، فتأسس تحالف الجمهور، الذي يضم أحزاب العدالة والتنمية والحركة القومية والاتحاد الكبير والرفاه، وحصل على 322 مقعدا، أما تحالف الأمة فضم حزب الشعب الجمهوري والحزب الجيد وحصلا على 213، أما تحالف العمل والحرية فضم الشعوب الديمقراطي «اليسار الأخضر» والعمال التركي وحصل على 65 مقعدا. وقد خسر حزب العدالة والتنمية الحاكم 28 مقعدا في هذه الانتخابات، لكنه حصل من خلال تحالفه مع أحزاب الحركة القومية والمحافظة، أي حزبي الاتحاد الكبير والرفاه، على عدد أكبر من المقاعد، وصل إلى 321 مقعدا. وتُعد نسبة الاقتراع في الانتخابات التركية مرتفعة للغاية مقارنة بديمقراطيات أوروبية عريقة، حيث بلغت 88.84%، واللافت هو تقدم منافس أردوغان في معظم المدن الكبرى، مثل اسطنبول وأنقرة وأزمير، في مقابل تقدم أردوغان في معظم المدن الصغيرة والريف. ستحكم جولة الإعادة حسابات معقدة كثيرة، أبرزها مصير أصوات المرشح الخاسر سنان أوغان، الذي حصل على حوالي 5٪ من الأصوات، وقال «إنه سيقرر قريبا مَن سيدعم من المرشحين أردوغان أو كليجدار أوغلو»، كما أن المرشح الذى سيستطيع إقناع الناخبين بإمكانية تحقيق ولو جانب من وعوده الانتخابية سيعظم من فرص فوزه

اعتذر يا زعيم

حب سليمان جودة لـ “الزعيم” لم يمنعه من مطالبته بالاعتذار كما أخبرنا في “الوفد”: أحب الفنان عادل أمام، ولكني أحب الحقيقة أكثر، والحقيقة تقول إن احتفالنا بعيد ميلاده لا يجب أن يمنعنا من الإقرار بأن مسرحية مدرسة المشاغبين لم تكن مسرحية موفقة بأي معنى في تاريخه الفني. إنني أهنئه بعيد ميلاده الذي وافق 17 من الشهر الجاري، وأتمنى له وهو يطفئ الشمعة الثالثة والثمانية أن يعيش عُمرا مديدا، وأن ينعم فيه بالصحة والعافية، وأن يظل يسعد جمهوره على الدوام. ولكن هذا لا يمنعني في المقابل من الأسف البالغ على ما ألحقته هذه المسرحية بالتعليم في مصر من ضرر بلا حدود، لأن لنا أن نتصور عواقب مسرحية تقوم في جانب كبير منها على الاستهزاء بالمدرس، وعلى الضحك عليه في الفصل، وعلى تدبير المقالب ضده من جانب الطلاب. لا أقول بالطبع إن حال التعليم الآن يرجع إلى تأثير هذه المسرحية وحدها، فأسباب وصوله إلى ما هو عليه كثيرة، ومتعددة، ومتنوعة. ولكن بما أن التعليم مدرس في الأصل، فإن علينا ألا نغفل أبدا عن تأثير مدرسة المشاغبين على صورة المدرس في عيون التلاميذ، وبالتالي على المهمة التي لا بد أن ينهض بها كل مدرس في مدرسته. إننا كثيرا ما نقرأ عن فلان من الناس الذي فعل ما فعل تأثرا بعمل فني رآه على الشاشة، وكثيرا ما يدهشنا أن يصل تأثير الفن على مشاهديه إلى هذه الدرجة، ولذلك، فالمؤكد أن المسرحية أثرت سلبيا على أجيال من وراء أجيال من الطلاب، والمؤكد أن هذه المسألة في حاجة إلى دراسة علمية نرى من خلالها ماذا بالضبط جرى في التعليم من وقت عرض المسرحية على الناس إلى اليوم؟! لو كنت في مكان الفنان عادل إمام، ما وجدت أي حرج في أن أطلب وقف عرضها على المشاهدين، لأن احترام المدرس في مدرسته أساس لأي عملية تعليمية ناجحة، ولأن عدم الاحترام للمدرس في نظر كل تلميذ من تلاميذه يعني ألا تعليم في الأساس.

حرية مسمومة

غريب أمر الغرب على حد عبد المحسن سلامة في “الأهرام”: يتشدق بالحرية وهو أول من يرفضها، هذا هو ما حدث بالفعل مع اللاعب المصري الدولي مصطفى محمد، المحترف في فريق نادي نانت الفرنسي، حينما رفض الترويج للمثلية والمشاركة في مباراة الدوري هناك لدعم المثليين، وارتداء قمصان تحمل شارتهم. قامت الدنيا ولم تقعد حتى الآن، وأغلب الظن أنه سيتم وقف اللاعب، والاستغناء عن خدماته بعد موقفه رغم إيضاحه المعلن، مشيرا إلى أنه يرفض المشاركة في مثل هذه الفعاليات لأنها تتناقض مع معتقداته، وقناعاته، وثقافته، ومؤكدا في الوقت نفسه أنه يحترم الآخرين، ويؤمن بحرية الاختلافات، كما يحترم مختلف المعتقدات، والقناعات. ألف باء الحرية أن تحترم الآخرين، ويحترموك هم، وأن يكون الاحترام متبادلا، والتسامح لغة مشتركة دون إجبار أو رفض. مشكلة الغرب أنه لا يرى إلا نفسه، ولا يحترم إلا ثقافته، ويحتقر ثقافة الآخرين، ويرفض تفهمها. تلك هي المشكلة الأخطر في الثقافة الغربية، فهم يتظاهرون بالتسامح، والحرية، والانفتاح، لكنهم دائما لا يتعاطفون إلا مع وجهة نظرهم، ولا يتفهمون حقيقة الاختلاف مع الآخرين. الشذوذ، والمثلية ثقافة مدمرة تجتاح الغرب بعنف، وهناك الكثيرون يرفضونها، لكنهم لا يستطيعون إعلان ذلك خشية الاضطهاد، أو ترك أعمالهم، أو التضييق عليهم. مصطفى محمد لاعب مصري دولي يستحق كل التحية والتقدير لأنه مثل محمد صلاح وغيره من النجوم المصريين لديهم ثقافات، وقناعات، وجذور معلنة، لكنهم في الوقت ذاته يحترمون الآخرين، ويتفهمون حق الاختلاف، ويريدون أن يكون الاحترام متبادلا، وأن تكون الحرية للجميع، وليس للمثليين فقط.

نكبتنا الكبرى

رغم حالة الصمت والسكون بشأن أزمة سد النهضة، والتي يبدو أن الموقف بشأنها وصل إلى طريق شبه مسدود، وفق ما يرى الدكتور مصطفى عبد الرازق في “الوفد” فإن تصريحات وزير الخارجية سامح شكري مؤخرا كسرت هذا الصمت وأعادت الأمر لمائدة النقاش مرة أخرى. تصريحات الوزير تؤكد أن القضية لم تدخل دائرة النسيان بالنسبة للجانب المصري، وأن صمته ربما يأتي على خلفية محاولات خارج المشهد لكي يحلحل التعنت الإثيوبي. ورغم النبرة التفاؤلية التي بدت عليها، إلا أنها في التحليل الأخير لا تبشر بحل قريب للأزمة خاصة في ضوء الأوضاع فى السودان التى وصلت إلى حد يمكن وصفه بالحرب الأهلية وهو ما يفقد الجانب المصري التأييد الذي كان يلقاه بشأن الموقف من هذه القضية. صحيح أن الموقف السوداني كانت له رؤيته الخاصة بالأزمة والتي ربما تميل في بعض الأوقات إلى الجانب الإثيوبي، إلا أنه كان في النهاية بمثابة مرجح للموقف المصري خاصة في ضوء بعض المخاوف التي تنتاب الخرطوم من إنشاء السد. وفي ضوء المؤشرات على طول الأزمة السودانية وتبعاتها على الأوضاع هناك فإنه ربما يمكن توقع أن تكون مصر قد فقدت ورقة ضغط في إدارة مفاوضات قضية سد النهضة مع إثيوبيا. وعلى ذلك ربما يرى البعض في تصريحات شكري ما يبدد أي مخاوف خاصة في ضوء ما تكشف عنه من طرحها على جدول أعمال القمة العربية في الرياض التي تنطلق أعمالها اليوم، حيث إن البند (قضية السد) موجود – كما يقول شكري – على جدول الأعمال للانتهاء من القضية بشكل عاجل؛ بما يحقق المصلحة المصرية وهو ما يعززه تأكيد الوزير على أن القمة من المقرر أن تشهد تأكيدا من القادة العرب على عناصر الحفاظ على الأمن المائي لمصر والسودان واعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي بصفة عامة.

طريق مسدود

انتهى الدكتور مصطفى عبد الرازق إلى مايلي: يجب ألا نغفل أن موقف بعض الدول العربية ذاته ملتبس بشأن الأزمة، وغير واضح دون أن يعني ذلك بأي حال التسليم بهذا التصور، فالقمة محفل إقليمي مهم وأي موقف تعبر عنه بشأن القضية سيكون ضروريا حتى لو كان رمزيا. ولعله ما يضفي أهمية على ما طرحه الوزير أن تصريحاته تعبر عن قدر من الرؤية الواقعية على كل المستويات رغم الطابع الدبلوماسي الذي يغلفها، وهو ما يبدو في تأكيده على أن بعض الدول الإفريقية لا تهتم بملف سد النهضة بنفس القدر لاعتبارات البُعد عن المشهد وعدم التركيز حوله.
لسنا من المتشائمين ولا ينبغي أن نكون من المتفائلين دون وجود مقومات ذلك التفاؤل، غير أن أي متابع لتطورات قضية سد النهضة منذ بدايات تفجرها يدرك أن كل يوم يمر يلقى بتأثيره على طبيعة التعاطي المصري مع القضية بالسلب. من الصحيح أن صانع السياسة يجد صعوبة في التحكم في مسيرة الأحداث والتطورات في بيئة دولية وإقليمية متغيرة وتشهد كل يوم تحولات كبرى مثل كورونا التي شغلت العالم سنتين، ثم حرب أوكرانيا التي ما زالت تشغل العالم، وأخيرا الأزمة السودانية التي تصل بالنار إلى عقر دار دول الأزمة. غير أن وضع هذا العامل تغيرات البيئة الدولية والإقليمية في الاعتبار – وأظنه موجودا – ثقة في حسن أداء الدبلوماسية المصرية – ربما يحررنا من بعض الآمال التي قد تكون في غير محلها ومن المؤكد أنه سيمثل دافعا للعمل على إنهاء الموقف مبكرا وبما يحقق مصلحتنا القومية.

ضيف ثقيل

قرر صديق فاروق جويدة أن ينسحب، كما اخبرنا في “الأهرام”: ترك البلد والبيت والمنصب والأصدقاء، لم يعد يحتمل جفوة الأيام رغم أنه كان أكثر الأصدقاء ثقافة وحضورا وبريقا، طاردته أشباح الغيرة في العمل فأصبح غريبا بين رفاق رحلته. تفوق على الجميع فكرا وحضورا ولكن أشباح الكراهية لم تتركه في حاله، تجمع عليه أنصاف الموهوبين ودبروا له القصص والحكايا. وذات يوم قرر أن يترك العمل ويجلس في بيته ولم تحتمل زوجته هذا الضيف الذي يجلس أمامها وكل حديثه عن الأسعار والمعاش الذي لا يكفي وفاتورة الكهرباء والغاز والمياه وأسعار الدواء وبدأت رحلة التذمر في صفوف الأبناء لقد اعتادوا غيابه ولكنه الآن يريد أن يعرف كل شيء من خرجت ومن لم يذاكر ومن تأخر في العودة لقد عاد أبا حقيقيا يمارس حقه في السؤال وبدأت المشاكل الاقتصادية تطل على الأسرة. إن الأب لا يملك أموالا كثيرة وبعض الأبناء تخرج في الجامعة ولا يعمل ومازالت لعنة الدروس الخصوصية تطارد البعض الآخر. حاول أن يجد فرصة عمل مع بعض الأصدقاء من رجال الأعمال ولكن عددا كبيرا منهم قام بتصفية نشاطه. كانت لديه قطعة أرض صغيرة ورثها عن أبيه عرضها للبيع ولكن حركة البيع والشراء توقفت. وسط هذه الفوضى بدأ يشعر بأن أم الأولاد تتغير. إنها تخرج كثيرا وتتحدث في المحمول طوال اليوم ولم تعد تدخل المطبخ إلا قليلا وانضم الأبناء إلى الأم. في رحلة اللامبالاة والإهمال زادت الأعباء على الرجل ولم تعد لديه وسيلة لتوفير مطالب البيت. اتصل بصديق قديم يعمل في دولة عربية شقيقة ربما وجد له فرصة عمل. أخيرا قرر أن ينسحب في هدوء. أعد حقيبته وبعض أوراقه وبعض صوره القديمة مع زوجته والأولاد وكانت صورة زواجه آخر ما جمع من الأوراق، كان الأولاد نائمين والزوجة غارقة في أحلامها انسحب في هدوء وترك ورقة صغيرة «لم أعد أحتمل، قررت الانسحاب. أرض الله واسعة، سوف أخبركم بعنواني الجديد». كان التاكسي ينطلق في طريق المطار ودمعتان حائرتان وخريف ثقيل يغطي المكان».

رحيل يليق بها

رحلت الدكتورة عفاف محفوظ التي اقتربت منها كثيرا تمارا الرفاعي وتألمت كثيراعلى غياب توأم روحها كما اعترفت في “الشروق”: رحلت عفاف بعد حياة غنية بالأحداث عاشت معظمها بين مدن ثلاث صاخبة: القاهرة وباريس ونيويورك. تلك المحللة النفسية وأستاذة القانون والناشطة الحقوقية والنسوية التي جلست في سنواتها الأخيرة قبالة المحيط حيث نصحها الطبيب أن تسكن في محاولة منها أن تبطئ أثر مرض معقد على رئتيها. من كرسيها على شرفتها، وضعت عفاف نقطها الأخيرة على سطر حياتها، وهي متصالحة تماما مع نفسها ومع من حولها، محدقة بعينيها اللامعتين ومبتسمة برضا وهي تحكى عن محطات مفصلية في حياتها ليس لتحكي عن نفسها إنما لتفسر أثر الأحداث من حولها على النساء وعلى المجتمع من خلال تجاربها. ما زال الموت بالنسبة يى فك وحش يلتهم من أحب ويخفيه، ما زلت أخاف من الاختفاء، لا أعرف كيف أتعامل مع رحيل من أحب. في حالة عفاف، وقد أصبحت في السنوات العشر الأخيرة جزءا من حياتي وحياة عائلتي، جاءتني مع خبر رحيلها رغبة بالاحتفال بحياتها وبما أثارته عندي من تأمل على مدار نقاشاتنا وأحاديثنا الممتدة أحيانا عبر القارات. في وداعها أشعر أنها تترك مكانا سيصعب ملؤه لما أضافته على حياتي من حكمة ودفء، وذلك المزيج الساحر الذي أتقنته حين حررت نفسها من قيود واختارت أن تلتزم بما يناسب ضميرها وأخلاقها وقناعاتها وتطلعاتها، فكانت تقدمية وشديدة التفهم في الوقت ذاته لمن اختلفت خياراته لاختلاف ظروفه. تخيفنى فكرة الدخول إلى مكان لا يرافقني إليه من أحب، يرعبني ذلك الفضاء الذي يحلق فيه من يرحل فلا أستطيع التواصل معهم. حين استيقظت على خبر رحيل عفاف أردت أن أتصل بها لأخبرها كم أنا حزينة لأنها رحلت وسرعان ما أدركت أنه، ومن يومها، سيبقى الاتصال مقطوعا فيما بيننا. شعرت أن الشخص الذي أردتُ أن أشاركه حزني هو نفسه من رحل. سر الموت هو أقسى الأسرار، يحوم حوله الغموض وتكثر القصص.

تاريخ صلاحية

واصلت تمارا الرفاعي فتح خزانة أسرارها: كنت أخطط لزيارة قد تتمكن عفاف بالقيام بها إلى حيث أعيش، كنت أتخيل أنني أستقبلها في المطار وأجهز لها كرسيا على شرفتي في عمان. كنت أحضر نفسي للاستماع إلى تأملاتها كما فعلت حين زرتها منذ عام. مع خبر رحيلها أشعر بالحزن وبالامتنان في الوقت ذاته أنني استطعت أن أمضي معها وقتا حكينا فيه عن أنفسنا وعن الخوف من المجهول وعن الأحلام والمغامرات. هناك فكرة نمطية عن وجوب أن نمضي وقتا مع من نحب لأن الحياة قد تفرقنا، أو الموت. هناك أيضا جملة نمطية عن مضي السنوات واستغرابنا أن الحياة أصبح جلها خلفنا. تكثر الجمل المتعلقة بالوقت ومضيه على صفحات التواصل الاجتماعي مصحوبة بحكم أراها سطحية عن التمسك بمن نحب وإعطائه وقتا وجهدا رغم المشاغل الحياتية اليومية. ماذا يعني أن نتوقف قليلا في وجه المشاغل اليومية لنمضي ساعات مع شخص نحبه استباقا لإمكانية أن نفقده؟ كيف نشتري وقتا بشكل استباقي خوفا من الفقدان فيما بعد؟ وكأنني أتدين ساعات سحرية مطبوعا عليها مدة صلاحية. ما هي مدة الصلاحية خاصتي؟ ومدة صلاحية أفراد عائلتي؟ لكل منا إذن تاريخ انتهاء صلاحية خاصة بنا لا نعرفه، نتأرجح في علاقتنا مع ما حولنا بين حتمية وجود تاريخ الانتهاء وبين إيقاع يومي وأسبوعي وشهري وربما سنوي يفترض أن التاريخ المطبوع على البطاقة مفتوح، كما هي بعض بطاقات السفر نأخذها بتاريخ عودة غير محدد. نحن إذا هنا على هذه الأرض ببطاقة ذهاب وعودة نبدأها يوم ميلادنا وهو تاريخ الذهاب نحو الحياة، ولا نملك تاريخ العودة. وكما في حركة وسائل السفر كالقطار أو الباص أو الطائرة، هناك رحلات سلسة وأخرى معقدة، ينتهي بعضها بتوقف المحرك عن الدوران بشكل مبرمج أو قد ترتطم الحافلة بصخرة فتنقلب، وتنقلب معها حياة من فيها رأسا على عقب. ماذا علي أن أفعل إذا حين أزور مدينة عشت فيها في شبابى وأتعرف على كل زواياها مع شعور خانق أن الوقت لن يعود حتى لو عدت أنا نفسي إلى الأماكن؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية