منار حسن تبحث وتوثّق حالة تحضّر مدهشة في الذاكرة الجمعية الفلسطينية بيروت – «القدس العربي»

حجم الخط
0

بدأت الباحثة منار حسن كتابها «المُغيبات: النساء والمدن الفلسطينية حتى سنة 1948» بتشريح للوحة «الربيع الذي كان» لإسماعيل شمّوط «1930- 2006». وجدارية «يافا عروس البحر» لتمام الأكحل «1935» زوجة شمّوط وشريكته، المنجزتين بعد النكبة. دراسة منار حسن المتخصصة قادتها للمقارنة بين اللوحتين. واختارت «عروس البحر» غلافاً.
ففي «الربيع الذي كان»، شكّل النساء والرجال والأطفال من مختلف الأعمار أبطالاً، «منظر طبيعي ريفي زاهٍ بالألوان». نساء بملابس ملونة طويلة، وعلى رؤوسهنّ مناديل بيضاء (…) ورجال بملابس ريفية نموذجية، وعلى رؤوسهم الكوفية. إلى تفاصيل عاطفية، كحب الأب ويده الحاضنة لكتف طفله، ويده الثانية لكتف زوجته. وحضور الجد والجدة والأحفاد، ورجال يدبكون.
في «يافا عروس البحر»، رسمت الأكحل تألّق المدينة وتطورها في النصف الأول من القرن الماضي. قرأت الباحثة في العنوان «أنسنة نسائية للمدينة». ظهر في اللوحة جزء من المدينة العتيقة، ومراكب محمّلة بالبضائع، وأحياء سكنية حديثة وقديمة ومِئذنة، قطاف البرتقال والصناديق. وحي سكني معاصر. اجتماعياً توقفت الباحثة عند الشاطئ، السابحون مختلطون، بملابس البحر، ومن خلفهن مُسن يعتمر طربوشاً (…) ومن خلفه أحد أزقة البلدة القديمة (…) ومجموعة فتيات بينهن الفنانة نفسها، وهي طفلة (كما أخبرت الكاتبة في لقاء جمعهما صيف سنة 2013).
وهكذا سألت الكاتبة: ما الذي يعنيه الحوار الذي يجريه الفنانان عن الذاكرة الجمعية الفلسطينية؟ وهل من قبيل المصادفة أن الفنانة الفلسطينية (وليس زوجها) بالذات تستعيد ذكرى المدينة، ذلك المقصي الحضري الغائب عن الوعي منذ خرابه؟
بحث منار حسن معد لرسالة الدكتوراه. ومعلوماته الواردة، سواء عبر مقابلات للباحثة، أو تلك المنقولة عن صحف صادرة في فلسطين، مفاجئةً ومدهشة. يتألّف الكتاب من مدخل وأربعة فصول وخلاصة، مشغول بشغف واصرار لتبيان الهدف منه، والمتمثّل بكشف مُثْبت لما كانته المرأة الفلسطينية الحضرية قبل النكبة، والمغيبة لسنوات وكأنها كائناً لم يكن.
تناول الفصل الأول نمو الصحافة، وتوفيرها إمكانات جديدة للنساء وخاصة المتعلّمات، في الكتابة والتحرير. فساذج نصار حلّت مكان زوجها في تحرير جريدة «الكرمل» بين 1941ـ 1944. وكتبت بعضهن في الصحافة العربية، فصدرت مقالات لفكرية صدقي من يافا في «المقطم» المصرية، و»المعرض» اللبنانية».
الفصل الثاني خُصص لـ»النهضة النسائية في الحيز الحضري». واستنتجت الباحثة أن «نُظُم التسييج الصارمة والفصل الجندري، كانت شكلاً من أشكال السيطرة البطريركية (…) أخذت تتصدّع بتأثير التحضّر».
ورددت مراراً أن حضور المرأة في الحياة المدينية اقتصر على طبقة الميسورات وبعض من الطبقة المتوسطة. وبات تعبير «النهضة النسائية» متداولاً في الصحف والإذاعة، وبين الناس. ونقلاً عن جريدة فلسطين في عددها «17/8/1924» أن الجمعيات النسائية الخيرية التفتت إلى مركزية التربية والتعليم في تعزيز مكانة المرأة، وبعضها أعطى الطالبات منحاً للدراسة في معاهد التعليم العالي في فلسطين وبيروت. واعترضت على الإحتلال البريطاني، بالرسائل والبيانات في الصحف. واحتجّت نساء الناصرة على السماح بإقامة مستعمرة يهودية في العفولة. وتعززت نشاطات النساء الوطنية بعد ثورة البُراق سنة 1929.
وعندما عقد مؤتمر النساء العربيات في فلسطين في 26/10/1929 في القدس بحضور نحو 300 إمرأة من فلسطين، عندها عقّب المفوض السامي البريطاني بتقرير إلى وزارة المستعمرات ساخراً «يسعدني تبليغكم أن النساء العربيات دخلنّ للتو حلبة التحريض السياسي». وحين قررت النساء التظاهر أمام القنصليات الغربية في القدس وحاول المندوب السامي الضغط على وجهاء فلسطين لمنعها. وكتب «أن حقيقة حضور النساء من دون نقاب تشير إلى خطورة الوضع». ووثّقت الكاتبة تنامي المؤتمرات النسائية العربية في القدس ودمشق والقاهرة، وسفر الوفود دون محرم، وأكثرهنّ حاسرات الرؤوس.
«المؤتمر النسائي الشرقي للدفاع عن فلسطين» عُقد في القاهرة في تشرين الأول/ أكتوبر 1938، بمشاركة 25 ممثلة من مصر والعراق ولبنان وسوريا وفلسطين. وعارض قرارات الهجرة اليهودية وتقسيم فلسطين. وإلى «الحكمة» التي ميّزت المشاركات، حسب مراسل صحيفة «التايمز»، أشار لعدم «التزام الحجاب» وعدم مرافقة محرم لهنّ. عرفت فلسطين منذ سنة 1942 حدائق الأطفال، أنشأتها جمعية التضامن النسائي «لمصلحة الأمهات العاملات». واحدة في القدس والثانية في المجدل. والأخيرة «كانت تعتني بـ150 طفلاً بين الثلاث والخمس سنوات».
وتميز عقد الأربعينيات بنشاطات نقابية وثقافية واجتماعية وتربوية قامت بها الجمعيات النسائية في فلسطين. ونشطت عضوات من الجمعيات النسائية بإخراج وإنتاج عروض مسرحية. نشطت النساء في المجال الطبي وفي السياسية، ودأبن على زيارة السجناء السياسيين دورياً. وأسست مهيبة خورشيد «جمعية زهرة الأقحوان السرية» في نهاية 1947، وتولت تقديم الإسعافات الأولية والغذاء للمقاتلين. وشاركت عضوات الجمعية بالقتال ضد الإنكليز والصهاينة بعد تلقيهن تدريباً عسكرياً.
الفصل الثالث خصصته منار حسن لـ»النساء في حيز الترفيه والثقافة». ذكرت الحدائق العامة في المدن وإقبال النساء والرجال، وخاصة الأمهات مع أطفالهن لزيارتها. وانتشرت الحدائق من طبريا إلى عكا ويافا وحيفا. إلى جادة «جمال باشا» في يافا، وكانت مشابهة لجادات أوروبا بمساحتها. وانتشرت المقاهي والمسابح على الشواطئ، وارتادتها النساء والرجال.
وبخلاف ما هو سائد من نظريات عن انعدام وجود الفن التشكيلي الفلسطيني قبل النكبة بسبب تدمير الإستعمار الصهيوني لكافة المدن، وبالتالي «اختفاء الذاكرة الجمْعية»، كتبت منار حسن «البحث والتنقيب في المدينة يشيران إلى شذرات تدلّ على وجود فن نسائي نُظر إليه على أنه أمر اعتيادي تماماً». وكشف كمال بُلاطة أن جناح فلسطين في المعرض الوطني العربي الأول الذي استضافه «المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى في رواقه سنة 1933، تمثّل بلوحات للمبدعة زلفة السعدي من القدس، والتي هجرتها بعد احتلال غربها سنة 1948 إلى دمشق». وذكرت الصحف أسماء فنانات أخريات شاركن في المعرض.
وأفردت حسن مساحة للسينما، وإرتيادها من رجال ونساء الطبقتين الوسطى والرفيعة. وعملت في مدينة يافا 11 دار سينما في مرحلة الإنتداب. ومضيئة كيلاني زعبي، مواليد سنة 1917 إرتادت السينما في القدس وهي طالبة في دار العلمين، وبعد عودتها إلى الناصرة.
في الرياضة كان للطبقة الأرستقراطية، كما وصفتها الكاتبة نوادي في يافا وغيرها، وارتادتها النساء والرجال. وشهد تشرين الأول/ أكتوبر من سنة 1932 جرت بطولة كرة المضرب الفردية للنساء. واستقبلت النوادي الرياضية في فلسطين المحاضرات وبعضها كانت لنساء، وكذلك عروض المسرح.
الفصل الرابع بحث في «ظواهر من الحيز الإقتصادي: أولاً خياطة وتصميم». ذكرت الكاتبة إن «مسار التحضّر ترافق مع تغييرات طرأت على عادات الملبس (…) لدى الطبقتين الوسطى والرفيعة (…) فنشأت مهنة الخياطة والتصميم. وكانت لها إعلاناتها في الصحف. عمل ضَمِن للعاملات فيه استقلالية اقتصادية، ومارسته النساء في غرفة مقتطعة من المنزل، وفي أماكن السوق. وبعض الخياطات اكتسبن شهرة كما حنّة الحداد، فقصدتها عرائس الأثرياء من بيروت. وهي اشترت أرضاً وشيدت منزلاً حجرياً من أربع طباقات وأجرته. وردد الناس بإعجاب «بَنَت هذا البيت بعين الإبرة».
وفي أيلول/سبتمبر 1930 افتتحت ستيلاّ جادالله الدبدوب من القدس «مدرسة الفنون الوطنية للسيدات». وأقامت دورات في تصميم وخياطة الملابس للنساء والرجال، والقبعات، ودورات في التجارة والمحاسبة والطباعة. وانتشرت شركة «سينجر» في كل فلسطين.
عشية الشرخ الكبير واقامة دولة اسرائيل سنة 1948 كان المجتمع الفلسطيني في ذروة التحضّر (…) وكان حضور النساء في الفضاءات السياسية والإجتماعية، (…) عبر نشاطاتهن في الحركات النسائية القوية التي أسسنها. (…) ووفرت المدينة الفلسطينية فرصاً للإستقلال الإقتصادي وحرية الحركة للنساء من الطبقة الدنيا.
كتاب صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية جدير بالاهتمام. يكشف بعضاً من ذاكرة دمّرها الإستعمار الصهيوني، وأريد لها بشكل أو بآخر أن تبقى ملغاة. تتصف نتائج هذا البحث بالثراء لما تضمّنه عن نساء فلسطين «المغيبات».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية