منافسة دولية وإقليمية للسيطرة على المسارات التجارية

حجم الخط
0

بين جيبوتي وغودار – التواصل الصيني

في عام 2017 دشنت الصين في جيبوتي القاعدة العسكرية الأولى في تاريخها خلف البحار، بما في ذلك مصاف لرسو السفن يجتاز هذه الأيام، في الغالب، توسيعاً يسمح برسو سفن كبرى. تقوم القاعدة الصينية قرب مدخل مضائق باب المندب وأمام القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية واليابانية في الطرف الثاني من الخليج (حقيقة أثارت غضب هذه الدول على حكومة جيبوتي). وهكذا حققت الصين موطئ قدم عسكرياً في إحدى رقاب الزجاجة للتجارة العالمية.

بالتوازي، تستثمر الصين منذ 2013 مبالغ مالية كبيرة في تنمية ميناء مياه عميقة في غودار في الباكستان. فقد استأجرت الصين من الباكستان الميناء الذي يقع على مسافة مئات الكيلومترات من مدخل الخليج الفارسي ومقابل توسيعه، تلقت المسؤولية التشغيلية فيه حتى العام 2059. يتضمن مشروع غودار تطوير غلاف من الطرق السريعة وطرق المواصلات، ومحطة توليد طاقة، ومطاراً ومنطقة اقتصادية باستثمار صيني. رسمياً، يفترض بميناء غودار أن يخدم الصين كنقطة ربط بـ “رواق” تجاري بري لها مع الباكستان، ولكن الاعتقاد السائد هو أن الصين تخصص الميناء لتوسيع تواجدها العسكري، بشكل يؤثر على مفترق الطاقة المأزوم في العالم. وعلم مؤخراً أن الصين تفكر في إقامة قاعدة بحرية أخرى في جيفاني في الباكستان، على مقربة أكبر من مضائق هرمز.

كجزء من خطواتها لكسب وجود إقليمي وعسكري، ونفوذ سياسي بواسطة الاستثمار في الموانئ خارج حدودها، استثمرت الصين في السنوات الأخيرة مالاً كثيراً أيضاً في مشروع لإقامة ميناء بحري عميق في دوكم، سلطنة عمان، قرب مسار “الدرجات التسع”، من المسارات التجارية العميقة في العالم. فقد اشترى تجمع تجاري لشركات صينية، بإسناد حكومي، أرضاً في المنطقة الاقتصادية الخاصة في المشروع لصالح إقامة مدينة صناعية صينية – عمانية (مصافي ومصنع نتنول، ومشاريع صناعية، ومنشأة لإنتاج الطاقة الشمسية، ومنطقة سياحية ونطاقات سكنية).

بين دوكم وشبهار: الإسفين الأمريكي.. التواصل الهندي

في شهر آذار 2019 وقعت الولايات المتحدة مع سلطنة عمان على توسيع الاتفاق الأمني بين الدولتين. وينطبق الاتفاق الموسع من الآن على الميناء الجديد في دوكم وعلى الميناء الجنوبي في سلالة. بالتوازي، وقعت الهند وبريطانيا أيضاً في السنة الأخيرة على اتفاقات أمنية مع سلطنة عمان تتضمن رسو واستخدام آليات عسكرية ومدنية في منشآت ميناء دوكم.

سيمنح الوصول الأمريكي إلى ميناء المياه العميقة في دوكم للأسطول الخامس الأمريكي مرونة عملياتي ورسو أكثر أماناً في استعداد السفن الأمريكية حيال إيران. والأهم من ذلك دق المرسى الأمريكي والبريطاني والهندي في ميناء دوكم يأتي مع “أمر منع” يحظر دخول السفن العسكرية الصينية إلى الميناء، فيقطع بذلك التواصل الاستراتيجي للتواجد العسكري الصيني في الموانئ بين الباكستان وجيبوتي.

إن المنافسة الدولية على استخدام ميناء دوكم يلوح كحدث صد ناجع من ناحية الغرب والهند في مواجهة محاولة التغلغل الصينية إلى المجال البحري في المحط الهندي. يبدو أن سلطنة عمان، رغم مصالحها الاقتصادية ثقيلة الوزن مع بيجين وبالتوازي مع التعاونيات الأخرى التي تقيمها مع الصين، كانت مطالبة بضغط أمريكي شديد أن تمنع عن الصين وجوداً عسكرياً في المجال.

أما الهند، بالتوازي مع دخولها إلى ميناء دوكم، فتعمل في السنوات الأخيرة أيضاً على تطوير ميناء للمياه العميقة الأول لإيران في شبهار، بجوار قريب نسبياً مع مضائق هرمز. ويتضمن الاستثمار الهندي في البنى التحتية شبهار مساعدة في إقامة منطقة صناعية وتمويل شق طريق سريع ونصب سكة حديدية على طول 500 كيلومتر حتى زهدان على حدود أفغانستان. ومقابل الاستثمار في التنمية، ستحصل شركة حكومية هندية على امتياز تفعيل المصاف في شبهار لمدة عشر سنوات.

شبهار هو الميناء الأول الذي تفعله الهند خارج حدودها. وأهمية الميناء للهند تكمن في كونه نقطة دخول إلى “الرواق الشمالي-الجنوبي”، محور حركة استراتيجي سيسمح للهند بالارتباط عبر البر بروسيا وأفغانستان ووسط آسيا بشكل عام، سيقصر بالنسبة لها مسارات نقل البضاعة ويسمح لها بأن تحقق بشكل أكثر راحة تنقيبات حيوية.

عن أهمية الميناء للهند وللولايات المتحدة – في سياقات المنافسة مع الصين أيضاً-يمكن أن نتعرف من إخراج ميناء شبهار من العقوبات التي فرضت على إيران في 2018. وسيسمح توثيق العلاقات بين الهند وإيران للقيادة في الهند أن تتحدى نفوذ الصين والباكستان في المنطقة. من ناحية الولايات المتحدة، فإن تصعيد النفوذ الهندي في أفغانستان بواسطة “الرواق” يعد هدفاً حيوياً في الطريق إلى تخفيف تواجدها هناك.

من الصومال حتى السودان: المعركة على مسار البحر الأحمر

في منطقة القرن الإفريقي، وعلى طول شواطئ البحر الأحمر أيضاً، تتعاظم في السنوات الأخيرة المنافسة الدولية والإقليمية على تثبيت الوجود في النقاط الاستراتيجية التي تسمح للدول بضمان حرية الملاحة لها وبث القوة بعيداً عن حدودها.

بنت تركيا في السنوات الأخيرة في الصومال (مقديشو) قاعدة دائمة كبرى لها خارج أراضيها. بالتوازي، في العام 2018، وقعت تركيا وقطر على اتفاقات مع الخرطوم تسمح لهما بتواجد عسكري في جزيرة سوكين في المياه الإقليمية للسودان، ولكن في أعقاب الانقلاب العسكري وتعاظم النفوذ السعودي والإماراتي في السودان فإن تنفيذ هذه الاتفاقيات يظل أمراً مشكوكاً فيه.

تقيم السعودية هذه الأيام هي الأخرى قاعدة أولى لها خارج حدودها، في جيبوتي قرب مضائق باب المندب، وبالتوازي للتواجد العسكري القائم هناك للولايات المتحدة واليابان وفرنسا والصين. وتقيم اتحاد الإمارات، التي استأجرت قاعدة في جيبوتي في الماضي، تواجداً عسكرياً في أرتيريا وفي السومليلاند، وتحوز أيضاً مسارات هبوط ومصافات رسو صغيرة في جزيرة فرين التي تعود لليمن، وفي آركيبلغ سوكوترا (كجزء من المساعي لمنع التهديد الإيراني والحوثي على حرية الملاحة وتهريب وسائل القتال إلى اليمن).

إن المنافسة بين السعودية واتحاد الإمارات ومصر، وبين قطر وتركيا التي انتقلت من مدة إلى البحر الأحمر، تهدد بإشعال التوترات القائمة وخلق توترات جديدة مع دول شرق إفريقيا المضيفة، وبينها وبين نفسها. في هذا السياق، سيكون مشوقاً أن نرى كيف ستتطور المنافسة على الموانئ والنفوذ في منطقة مضائق باب المندب في ضوء نية اتحاد الإمارات تقليص تواجدها العسكري في اليمن، وفي ضوء نية تركيا تصعيد تواجدها في جيبوتي والصومال.

وختاماً، في الجانب الدولي، فإن تطوير الموانئ في المنطقة يندرج ضمن الخطط الجغرافية الاقتصادية المنافسة للصين من جهة، وللهند من الجهة الأخرى، لتطوير مسارات تجارية جديدة للأسواق في غرب آسيا وإفريقيا. فالقوتان العظميان الصاعدتان معنيتان بالسيطرة على مسارات التجارة الأولى، وترى في الموانئ إمكانية كامنة كي تكون “بوابة” للدخول والخروج إلى مناطق السيطرة.

في الجانب الاستراتيجي، الأمريكيون في عملية صد للصين. والاتفاقات الأمنية التي وقعتها سلطة عمان مع الولايات المتحدة وبريطانيا والهند، والتي تتضمن أذون رسو وتواجداً عسكرياً في الميناء، تعكس تحوله إلى ساحة منافسة بين القوى العظمى وتمنع الصين حالياً من خلق تواصل للموانئ مع تواجد عسكري بين الباكستان – سلطنة عمان – جيبوتي.

في الجانب الإقليمي، تطور دول الخليج موانئها، مع التشديد على بناء مناطق صناعية: منشآت تصفية وبتروكيميائيات، ومخازن، ومنشآت تصدير، ومناطق تجارة حرة، وذلك كجزء من الخطط للتنوع الاقتصادي وتقليص التعلق بالطاقة، أو على الأقل بمسارات التصدير القائمة. من ناحية إسرائيل، فإن المنافسة على البحر الأحمر تسمح بتثبيت تواجد اللاعبين المختلفين على طول مسارات الوصول الجنوبية إلى خليج إيلات وقناة السويس، وهذه تخلق مجالاً جديداً من التحديات وفرصاً لتدخل إسرائيل (دون الإعلان عن ذلك) في بعض من المشاريع.

بقلم: يوئيل جوجانسكي وغيل هوروفتس

نظرة عليا 6/8/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية