مناقشة هادئة في قضية ساخنة: الرسوم العنصرية ومشكلة الوعي المطابق عند المسلمين
محمد شاويشمناقشة هادئة في قضية ساخنة: الرسوم العنصرية ومشكلة الوعي المطابق عند المسلمين1ـ علي ماذا تدلنا ردود أفعال الجماهير المسلمة؟الضجيج مثل الظلام: كل القطط في الظلام لونها رمادي، وكل الأصوات في الضجيج مثل بعضها لأننا ببساطة لا نفهم ما تقوله. ومن المعتاد في هذه الحالة أن يغيب صوت العقل ويبقي صوت التحريض: مرة يحرض تيار يشكو وعيه بالعصر والعالم من ثغرات خطيرة، وبتعبير ياسين الحافظ من فوات خطير، ومرة يحرض سياسي انتهازي وحكومة لها حساباتها الأنانية الظرفية في إشعال النار، ومرة يحرض عنصري عريق لا ضمير عنده له ارتباطاته مع مشروع عالمي للهيمنة يتضمن كبند رئيسي فيه إفساد العلاقة بين شعوب بل بين قارات بكاملها. مع الأسف أثبتت ردود فعل العالم الإسلامي علي رسوم تافهة عنصرية ما كانت تستحق أي اهتمام كم هو وعي الناس عندنا هو وعي غير مناسب، ونحن نجد عند مالك بن نبي غالباً تشبيه المسلمين بالثور الذي تسهل استثارته وتوجيهه إلي الوجهة التي يريدها المستثير بالتلويح له بخرقة حمراء. وهذا التشبيه بحد ذاته لم يكن إبداعاً واكتشافاً فريداً من اكتشافات مالك (وعلي أنه مكتشف كبير بالفعل)، إذ أن هذا التشبيه من شأنه أن يخطر علي بال كل مراقب عادي عاقل لردود فعل هذه الجماهير الهائجة التي تكون ردود فعلها غالباً غير مناسبة، ولا تتوجه إلا بالتوجيه الذي يراد لها وبعكس مصالحها الفعلية.في اعتقادي أن هذه الواقعة التي نراها أمام أعيننا تتتابع فصولها تؤكد من جديد علي مسألة جوهرية كان الفقير لله قد أشار إليها سابقاً ألا وهي مسألة الوعي المطابق ، وقد نسميه الوعي النهضوي بمقابل الوعي اللامطابق أو الوعي الانحطاطي وهذا الأخير نسميه وعياً من باب الاصطلاح كما يتكلم المحدثون عن حديث موضوع رغم اعتقادهم بأنه قول مكذوب وليس من الحديث في شيء، وقد يجوز لنا أن نسميه وعياً لأنه علي كل حال يعبر عن شكل معين من أشكال إدراك العالم، حتي لو كان لا يعجبنا ونراه ذا نتائج وخيمة خطيرة تؤبد حالة الانحطاط الحضاري بل تساهم في توجه ثقافتنا نحو الفناء.إن من واجبنا أن نتوجه إلي الوعي ونطالب بنوع مناسب منه حين يكون من نتوجه إليهم هم تلك الشعوب التي لا مصلحة لها في إثارة العداء بين البشر، ولها مصلحة علي العكس في توحيد الجهود لوضع الحد لكل من يعمل علي دمار البلاد والعباد حفاظاً علي مصالح أنانية. ولكن من الطوباوية التي لا ريب فيها أن نوجه الخطاب نفسه لمن يعمل بكل وعي علي تطبيق خطة صموئيل هنتنغتون في إثارة صدام الحضارات التي هي ليست تحليلاً أو تنبؤاً في حقيقتها، بل هي برنامج عمل لقوي لا تريد للعالم إلا الدم والدمار.من الممكن أن ندعو جماهيرنا إلي وعي مطابق وهذا الوعي هو الوعي المناسب لحاجة شعبنا إلي البقاء والنهضة، وهذا الوعي المناسب يتضمن ثلاثة عناصر أساسية: 1ـ وعي صائب بالهوية الثقافية المتميزة ومكوناتها المتنوعة هي أيضاً، 2ـ وعي صائب بالعالم وبضرورة الوحدة مع قواه التي تعمل علي تشكيل عالم عادل سلمي تحترم فيه التعددية الثقافية التي ينظر إليها علي أنها عامل غني وجمال وليس عامل صراع وتذابح بين الشعوب، 3ـ وعي صائب لشروط النهضة وعراقيلها، ومن هذه الشروط ينبغي التركيز في اعتقادي بصورة خاصة علي مكونات السلوك النهضوي لاتباعه والسلوك الانحطاطي للتخلص منه.2ـ كيف تجلت مكونات الوعي الانحطاطي في الأحداث؟لا يمكن أن تجد نموذجاً علي مكونات سلوك انحطاطي وجّه الناس عندنا بغير الوجهة النهضوية المطلوبة أكثر ما كان عليه سلوك بعض الجماهير الغاضبة في بعض أماكن وطننا الكبير.لأذكر بما أراه مكونات ثلاثة للوعي النهضوي أو الوعي المطابق باستعارة تعبير ياسين الحافظ التي أشرت إليها قبل قليل: 1ـ وعي صائب بالذات2ـ وعي صائب بالعالم3ـ وعي للسلوك النهضوي ونقيضه السلوك الانحطاطي:الغاضبون في بيروت حين أخذوا في طريقهم كنيسة مسيحية فنزلوا فيها تحطيماً ما هو الوعي بالذات الذي كان لديهم؟ إنه وعي طائفي بل فئوي شديد الضيق إذا قرأنا ما ذكرته دار الفتوي اللبنانية من أنهم كفّروا الشيوخ الذين حاولوا ثنيهم عن فعلتهم.وعي إقصائي لا يدخل في الجماعة إلا فئة متحزبة متعصبة. ومن المعتاد في عصرنا مقارنة هذه العقلية بعقلية الخوارج، وما أراه هو أن الخوارج القدماء مظلومون إن قارناهم بهؤلاء، لأنه من الطرائف المأثورة عنهم أنهم كانوا يقتلون المسلمين بلا تردد ويبقون علي النصاري واليهود لأنهم أهل ذمة أوصي بهم النبي! حتي صار المسلم يدعي أنه ذمي لينجو منهم. وليس كذلك هؤلاء فقد فقدوا حتي هذه الحسنة الوحيدة عند الخوارج!ومن البديهي أن الوعي المناسب هو الوعي بتجربة ثقافية متميزة بناها يداً بيد المسلمون وأهل الأديان والمعتقدات الأخري الذين عاشوا في ظل الحضارة التي قادها الإسلام.وإذا تكلمنا عن وعي هؤلاء لطبيعة العالم الذي نعيش فيه فسوف يصادفنا أولاً جهلهم المطبق بوضع الغرب وتاريخه، وهم يرون أن الصراع معه هو صراع دين ضد دين، فهم يتعاملون مع هذا الغرب وكأنه له المنظورات والمعايير نفسها التي هي عندهم، وهذا خطأ كبير لأن ما يوجه السياسة الغربية مصالح اقتصادية واستراتيجية معقدة لا يشغل فيها الدين بحصر المعني أي دور يذكر.وفهمهم للتركيب الثقافي لمجتمعات الغرب معدوم، ومن هنا نجد سوء التفاهم الكبير، إذ أن هذا الغرب لا يمكن أن يقبل مثلاً بتحديد حرية الصحافة في مسائل نراها نحن المسلمين محرمة لمجرد أنها محرمة عندنا، والحوار مع الغرب في هذه الحالة (كما ذكر ذلك بعض الخبراء العقلاء عندنا ممن لا يستمع إليهم بقدر كاف يستحقونه من أمثال الدكتور عبد الوهاب المسيري) هو حوار طرشان. السبب أن الغرب لا يحرم ما يحرمه المسلمون من تشكيك بالأديان، كما لا يحرم أشياء كثيرة مقدسة عند المسلمين، ذلك أنه غادر أرض التدين من قرون عديدة.فإن كان المسلمون يريدون الحوار المجدي حقاً مع الغرب فإن هذا لا يكون إلا بأن نفهم هذا الغرب ونعرف ما هي الأشياء المشتركة التي نتفق عليها.من هذه الأشياء مثلاً: ضرورة التعايش بين البشر من ثقافات مختلفة، وضرورة محاربة كل نزعة عنصرية. نتفق في هذه الأشياء مع أحرار الغرب، ونتفق أيضاً علي ضرورة إقامة علاقات عادلة بين الشعوب وعلي رفض الظلم الذي يوجهه شعب أو جزء من شعب لشعب آخر. وعلي هذا الأساس وجدنا من الغربيين من يقدم حياته فداء لقضايانا العادلة كما جري مع الفلسطينيين في كل مراحل كفاحهم وكان من آخر هؤلاء الضحايا الشرفاء راشيل كوري اليهودية الأمريكية.ومن هنا لم يكن من المجدي أن تحاول إقناع هذه القوي التي تهمنا حقاً في الغرب بالمنطق الذي يري في المسألة مسألة دينية محضة تخص الحلال والحرام، إذ هذا الحلال والحرام نؤمن به نحن فقط. بل كان الحوار يجب أن يكون علي نقطة مشتركة توصف المسألة علي حقيقتها بالنظر إلي دوافع الصحيفة العنصرية الحقيرة التي نشرت الرسوم: إنها دوافع إثارة الكراهية بين الشعوب، وبالنظر أيضاً إلي الخلفية العنصرية الاحتقارية للشعوب الأخري، هذه الخلفية التي آن الأوان للعمل المشترك بين شرفاء الشرق والغرب للتخلص منها.، ولا شك أن القوانين الفرنسية الأخيرة التي تجعل من الدفاع عن الماضي الاستعماري واجباً وطنياً علي كل فرنسي تمثل خطوة كبيرة إلي الوراء تمت علي أرضية هيمنة سياسيين يمينيين عنصريين جوهرياً وسياسيين يساريين انتهازيين أو مفتقدين للتصميم المبدئي.ولننظر أخيراً إلي حال المكون الثالث من مكونات الوعي المطابق المطلوب في هذه الأحداث: ما هو تصور هذه الجماهير للسلوك المطلوب الذي من شأنه أن يضع شعبنا علي طريق الخروج من النفق الحضاري؟ يجيب الجمهور المتحمس ويوافق علي جوابه ويشجعه المتحزب الإسلاماني والقومي (بل وبعض المشايخ العقلاء الأذكياء مع الأسف مع أنهم أثبتوا في وقائع أخري أنهم يتعلمون من الدروس من أمثال القرضاوي): الحل هو في المقاومة أولاً وأخيراً: في محاولة لي ذراع الأعداء بإيذائهم في مصالحهم الاقتصادية علي الأقل بالمقاطعة.من المحزن حقاً أن يتصور المسلمون أن نبيهم عليه السلام قد أهين برسوم كاريكاتورية نشرتها جريدة مجهولة فينسون أنه يهان بالفعل لا بالقول منذ قرون عديدة إهانة فاضحة عيانية بانحطاط الثقافة التي أسسها وتحولها إلي متسولة تستجدي المساعدات من هؤلاء الأعداء بالذات.وما الذي تقاطعونه؟ إذا أهملنا جانباً دول الخليج التي هي بالفعل لا تأخذ مساعدات من الغرب بل هي بالأحري تساعده تاريخياً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً بل وأيديولوجياً أيضاً (في أيام الشيوعية) فإن كل ما عداها من العالم الإسلامي هو عالم شحاذ ويا للأسف. ما من إهانة توجه إلي ذلك النبي العظيم الذي عده بعض مفكري الغربي بالذات أهم أبطال التاريخ الإنساني أكثر من هذا الانحطاط الحضاري الذي يجعلنا نتسول ونمد الأيادي إلي بلاد أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا واليابان.لقد آن الأوان أن نري أن السلوك الذي يتجاوز هذا الانحطاط الحضاري هو أساس المقاومة المجدية حقاً، وأن التركيز الحصري والوحيد علي الأعداء الخارجيين (مع عدم إهمال دورهم) يؤبد حالة الانحطاط هذه ويعيد الاستعمار من الباب حتي لو استطاعت المقاومة إخراجه من الشباك، وما تجربة الجزائر منكم ببعيد!ہ كاتب من فلسطين يقيم في برلين8