نواكشوط ـ “القدس العربي”: والى المنتخب الوطني الموريتاني “المرابطون” تحقيقه لسلسلة أحلام رياضية لم تكن في الحسبان، فمن فريق خارج الحلبة، لمتأهل اليوم لخوض مباريات كأس الأمم الإفريقية التي تستضيفها مصر حتى 19 يوليو/تموز المقبل.
بعدما لم يكونوا شيئا مذكورا، سيخوض لاعبو المدرب الفرنسي كورونتان مارتينس، لاعب وقائد فريق أوكسير سابقا، مواجهة قوية في مصر أمام تونس ومالي وأنغولا، وسيسعون لتفجير المفاجأة في هذه المجموعة، معلقين آمالهم على بعض اللاعبين البارزين، أبرزهم لاعب بلد الوليد الإسباني الحسن العيد (21 عاما) ويالي محمد دلاهي من تاجنانت الجزائري، وسالي سار من سيرفيت السويسري. ويتزاحم المشجعون الموريتانيون منذ أيام على خطوط الطيران متجهين القاهرة لمتابعة المباريات التي سيخوضها فريق المرابطين، فيما أعلنت قناة “الموريتانية” الحكومية أنها قررت نقل مباريات كأس إفريقيا من خلال البث الأرضي.
وبدأت نهضة “المرابطون” الرياضية، في يوليو/تموز 2017، عندما قرر الاتحاد الأفريقي لكرة القدم خلال اجتماع مكتبه التنفيذي بالعاصمة المغربية الرباط، رفع عدد المشاركين في كأس الأمم الإفريقية من 16 إلى 24 منتخبا، وكانت تلك فرصة أمام بعض المنتخبات المغمورة، للتنافس على حجز مكانها في العرس القاري. ولم تفت موريتانيا تلك الفرصة، حيث بذلت جهدا مضاعفا لتتأهل للمرة الأولى في تاريخها إلى النهائيات، وهو ما تحقق لها، بعد فوزها في 18 نوفمبر/تشرين الثاني في نواكشوط على بوتسوانا 2-1 في الجولة ما قبل الأخيرة ضمن مجموعة قوية ضمت أيضا بوركينا فاسو وأنغولا. وأنهى “المرابطون” مشوارهم بأربعة انتصارات وخسارتين، ليتقدموا على بوركينا فاسو الذي خاض نصف نهائي نسخة 2017، متأهلين للبطولة القارية وسط فرحة عارمة عمت أنحاء البلاد، ونجم عنها اهتمام غير مسبوق بأنشطة المنتخب الوطني ومتابعة لحياته. وفاز منتخب موريتانيا، على مدغشقر 3/1 في المباراة الودية التي جمعتهما بملعب “مراكش الكبير” في المغرب استعدادا لكاس الأمم الأفريقية. وبينما تقدم مدغشقر في الدقيقة 20، أدرك موريتانيا التعادل بعدها بدقائق عن طريق الظهير الأيمن المصطفى دياو، لينتهي الشوط الأول بالتعادل 1/1. وفي الشوط الثاني، سيطر المنتخب الموريتاني على مجريات الأحداث، ليترجم “المرابطون” هذه السيطرة بتسجيل هدفين عن طريق آداما با وإسماعيل دياكيتي.
وبهذه الانتصارات أصبح حلم موريتانيا حقيقة بعد غياب دام أكثر من أربعة عقود عن الساحة الكروية الافريقية، ببروز جيل جديد حقق للمرابطين أحلامهم بالتأهل لنهائيات أمم افريقيا للمرة الأولى في تاريخ البلاد. ولم تأت هذه الطفرة من فراغ حسب ما أكد لـ”القدس العربي” متابعون للشأن الرياضي الموريتاني، حيث أن اقتحام موريتانيا للساحة الرياضية الإفريقية التي تعج بالمنتخبات الكبيرة واللامعة، جاء نتيجة جهود بذلها رجل الأعمال الموريتاني الشاب أحمد ولد يحيى الذي ظهرت عبقريته التنظيمية الرياضية مباشرة بعد انتخابه عام 2011، رئيسا للاتحاد الموريتاني لكرة القدم. فمنذ ذلك التاريخ يعمل ولد يحيى جاهدا محدثا ثورة كروية في موريتانيا، توجت بظهور المنتخب الموريتاني على الخريطة الكروية الافريقية متأهلا للمرة الأولى إلى النهائيات، ليضاف لاختيار “المرابطون” أفضل منتخب إفريقي لعام 2018. ويقول ولد يحيى: «ركزنا خطتنا الخاصة بالنهضة الكروية في ثلاثة اتجاهات، أولها رفع حظر دولي استمر ثلاث سنوات، والثاني مساعدة الأندية، والثالث تأهيل ملاعب واجتذاب الجماهير وبناء إدارة قوية، مع البحث عن لاعبين مميزين يلعبون داخل موريتانيا أو خارجها أو يمتلكون جنسيتها ويقيمون في بلدان أخرى، ففي عام 2011 لم يكن لدينا محترف واحد والآن لدينا 21 محترفا في دوريات أوروبية وعربية وآسيوية”. وقال: “يضاف لذلك أن الفيفا ساهم في تمويل مشاريع لكرة القدم في موريتانيا وهو معجب بالتجربة الموريتانية. ويؤكد رئيس الاتحاد أن خطته التطويرية “ركزت على ثلاثة مسارات أساسية، هي: رفع الحظر الذي كان مفروضا من الفيفا على موريتانيا، بين 2008 و2011، بسبب انسحابها المتكرر واعتذارها عن عدم المشاركة في تصفيات كأس الأمم الإفريقية، جراء عجز مالي كان يعاني الاتحاد الموريتاني. وتضمن المسار الأول أيضا انتشال الأندية المحلية من معاناتها الناجمة عن الانسحابات المتكررة لممثلي الكرة الموريتانية من مسابقات محلية وإفريقية، بسبب العجز المالي”. وأضاف أن المسار الثاني ركز على “إجراء مصالحة بين الجماهير والملاعب، فالملاعب، ورغم محدوديتها، كانت خالية تماما من الجماهير؛ بفعل ضعف البطولة المحلية، وعدم وجود فريق وطني يمكن الاعتماد عليه”. أما المسار الثالث، بحسب ولد يحيى، فهو “بناء إدارة قوية قادرة على مواكبة التطور الذي كنا نسعى إليه في عملية إدارة الكرة الموريتانية”. وقال: «مسابقة الدوري المحلي لم تتوقف منذ تسلمي إدارة الاتحاد، وتم تشكيل طاقم عُهد إليه بتكوين منتخب قوي، وشاركت موريتانيا في بطولات عدة ودية ورسمية”. وأردف: “بحثنا بجد عن الكفاءات داخل البلد وخارجه… لعبنا بقوة في تصفيات الشان (المؤهلة إلى بطولة الأمم الإفريقية للاعبين المحليين) والكان (بطولة الأمم الإفريقية)… كان هدفنا رفع مستوى جاهزية المنتخب”. وزاد: “تأهلنا إلى الشان للمرة الأولى، عام 2013، ولم يكن ذلك وليد صدفة، حيث تأهلنا مرة ثانية، ثم كان الحدث الأبرز، وهو التأهل إلى الكان، قبل أكثر من شهر، والفوز بلقب أفضل منتخب إفريقي لعام 2018”. وقال إن “إدارة الاتحاد تواصل البحث عن لاعبين موريتانيين مميزين يلعبون داخل موريتانيا أو خارجها أو يمتلكون الجنسية الموريتانية ويقيمون في بلدان أخرى”. وقال إن موريتانيا “باتت تتملك بنية تحتية مهمة، بعدما كانت في 2011 لا تملك تقريبا سوى ملعب رملي يقيم فيه السياسيون مهرجاناتهم”. وأضاف: “اليوم باتت لدينا عدة ملاعب، رفعنا طاقة ملعب شيخا بيديا في نواكشوط من 2000 متفرج إلى 8700”. وختم بقوله: “استطعنا بالتعاون مع الحكومة ترميم الملعب الأوليمبي، وسيُفتتح بعد شهر أو شهرين، وقمنا ببناء ملاعب بمعايير دولية، مثل ملعب الزويرات (شمال البلاد)، ونخطط لبناء وترميم ملاعب أخرى خلال الفترة المقبلة”. وبوجودهم على أرض الملاعب المصرية ضمن نهائيات عرس إفريقيا، يكون المرابطون حققوا حلما متوسطا يؤكد نجاح طفرتهم الكروية، فهل سيتمكنون من اجتياز المطبات ليبدأوا تحقيق الحلم الأكبر عبر التأهل الى المونديال العالمي؟