عزت القمحاوي ياه! منذ متى لم نستمتع؟
ليس من اللائق الحديث عن متعة، بينما كلت يد ملك الموت من تدوين العدد غير المتوقع وغير العقلاني من القتلى في العالم العربي. ولأن سرقة الأوطان تجب ما بداخلها من سرقات؛ فلا يمكن أن ننتبه إلى ما سرقه الطغاة من متعتنا. يغتصبون حق الله في إماتة البشر بمصادرتهم حيوات الأطفال قبل أن تبدأ، ولا يرف لهم جفن. وليس من المنطقي ـ في واقع كهذا ـ أن يتحدث المحظوظون الذين لم يموتوا عما خسرته أرواحهم خلال عام، لم يعرفوا فيه التركيز في قراءة أو كتابة أو مشاهدة فيلم.
ولكن يحدث أحيانًا ما لم تكن تحتسب؛ كأن تجد نفسك في مواجهة إعلان خجول لفيلم وودي آلان الجديد ‘منتصف الليل في باريس’ تعرضه دار سينما بعاصمة تعض هي الأخرى على آلامها الأقل قسوة من عواصمنا.
لعبة صغيرة تشبه الحياة كثيرًا؛ حيث يحمل وودي آلان كاتب ومخرج الفيلم بطله الكاتب النيويوركي الشاب إلى باريس بصحبة مخطوط روايته وخطيبته الجميلة التي تشبه الكثير من جميلات الواقع في كونها قوة شبق معطلة ومشوشة.
وسرعان ما تجد الخطيبة المولعة بالتسوق نفسها أقرب إلى مثقف مدع لديه امرأة أجمل منها وأعمق. إلى هنا والفيلم يشبه الحياة كثيرًا، قبل أن تكشف السينما عن فضيلتها التي ترفعها فوق الواقع؛ إذ يهرب الكاتب كما في حلم أو بفعل دوران آلة الزمن إلى باريس العشرينيات؛ أو السنوات الذهبية التي تعيش عليها باريس إلى اليوم. وبينما تنطلق ماكينة الشبق المعطوبة مع أسرتها للتسوق أو مع الصديق المتثاقف المتنفج ينتظر الكاتب عند منتصف كل ليلة سيارة قديمة ينفتح بابها وتشده يد لينضم إلى الصاخبات والصاخبين داخلها لتنطلق بهم لإكمال السهرة كيفما اقتضى الجنون في بار أو بيت.
يدور المسكين مبهوتًا بين هيمنغواي وبونويل ودالي وفيتزجرالد وت س إليوت والعديد من الأسماء التي صنعت مجد باريس وعديد من العشيقات الفاضلات والزوجات الأقل فضيلة اللائي أعطين باريس أنوثة لم تزل تتنفسها.
وإذا كان هذا كل ما في الفيلم؛ فهو لم يبتعد كثيرًا عن الحياة، حتى لو كانت تلك الحياة الحلوة التي سبق أن وصفها هيمنغواي في كتابه ‘عيد متنقل’ لكن الفيلم مترع بتلك الأشياء التي تستعصي على الوصف؛ الأشياء التي تجعل الفن ضروريًا وتجعل الكتابة عنه عديمة النفع.
في الفيلم موسيقى لا يمكن أن تجدها في ليل أية مدينة واقعية، حتى لو كانت باريس. والكاميرا الأكثر إحساسًا من عيون البشر كانت في هذا الفيلم تأكل باريس بعمارتها وحدائقها وتقدم للمستريح في القاعة المظلمة بهجة لم تخطر على قلب أية مدينة حتى باريس العشرينيات الحافلة بمآس لم يأبه لها الكتاب والفنانون الصاخبون.
ولا يمكن لمن يشاهد الفيلم أن يتجاهل عمق الفكاهة في المواقف والحوارات الذكية، وليس مهمًا أن يجد الكاتب الشاب فرصة نشر روايته أو أن يجد في إحدى عشيقات بيكاسو وهيمنغواي معًا تعويضًا عن قلب خطيبته الوصد، لكن المهم هو ذلك الكذب الذي يبدو صدقًا، والصدق الذي يجعل من البشر بشرًا، وليس من الكاتب كاتبًا فحسب. يقول هيمنغواي للكاتب الشاب الذي يرجوه أن يقرأ روايته إنه سيوصي عليها فحسب؛ لأنه لو قرأها سيكررها في كل الأحوال: ‘إن كانت جيدة سأكرهها لأنني لست كاتبها، وإن كانت سيئة فأنا أكره كل الكتابة السيئة’. وأخيرًا ففي الفيلم، اللعبة، ذلك الشيء الغامض والضروري الذي يرفع الفن الحقيقي فوق أية حياة؛ فهو لا يثرثر كالحياة ولا يسير ببلادة في الطريق ذاته، بل يحافظ على التنزه بين التناغم والتضاد.
الحوار الحقود ينتهي بقفشة تسامح خفيفة الظل، الشاشة المشرقة بلون السماء لا تلبث أن تكتسي بعتمة البار، الإيقاع الموسيقي الراقص يجرجر وراءه إيقاعات الشجن وهيمنغواي المغوي تغادره امرأة إلى شاب منطو بأنف مطعوج. لا أعرف ما يمكن أن يقال أكثر عن ‘منتصف الليل في باريس’ لكن أن تكون صورة باريس على الشاشة أجمل من واقع روما فهذا يكفي للحكم على الفيلم. ومن حق وودي آلان أن يفخر بأنه أجبر مسافرًا على الجلوس متلاحق الأنفاس في قاعة مظلمة بدلاً من التسكع في ساحة إسبانيا المتزينة لأعياد الميلاد. وأن يجد الإنسان الفـــرصة لصنع فيلم كهذا في زمن ثورات ميدان التحرير والوول ستريت؛ فهذا يعني أن النوع البشري يحاول أن يستمر، على الرغم من سعار السلطة والمال ونبوءات نهاية العالم.