عندما تنتصر المادة الفنية بأبهتها وقيَمها الجمالية وفكرتها الوطنية؛ تتجلى بقوة إيحائية، وجمال فني؛ وهو ما ينعكس على اللوحة المتفردة عالميا، من حيث مضمونها ومن حيث المادة الفنية، فهي تتضمن خريطة المغرب، منجزة من أتربة الوطن، إذ لأول مرة تنجز لوحة بهذا الشكل، حيث قام مبدعها عبد الفتاح بلالي بجولة في كل ربوع الوطن عبر مراحل، شكلت المرحلة الأولى انطلاقة صوب جهات المملكة، بعدما آمن إيمانا قويا بفكرته، فاتجه من طنجة صوب مدينة الرباط، حيث أخذ حفنة تربة من جانب صومعة حسان والضريح، لما لهما من رمزية تاريخية.
ثم اتجه في المرحلة الثانية من طنجة إلى وجدة، ثم فاس والريصاني، حاملا معه حفنة تراب من ضريح مولاي علي الشريف فاتجه من الراشيدية إلى الدار البيضاء ليتزود بحفنة تراب أخرى من مسجد الحسن الثاني. أما المرحلة الثالثة فكانت من طنجة إلى مراكش، حيث جمع تربة من مسجد الكتبية ليسلك الطريق نحو مدينة بني ملال ويحمل من تربة عين أسردون حفنة أخرى قبل عودته إلى طنجة.
أما المرحلة الرابعة وهي الأخيرة فكانت من طنجة إلى الكويرة مرورا بأكادير وكلميم والعيون، ثم المعبر الحدودي الكركرات حاملا من كل هذه المناطق أتربة لتشكيل منجز فني، عبارة عن خريطة المغرب مشكلة من أتربة الوطن، إنها رحلة إبداع وتحدّ دامت أربعة أشهر، وهي المدة نفسها التي استغرقها إنجاز اللوحة الوطنية المتفردة، التي تنوعت فيها الأتربة الجمالية للمغرب، وتبدت فيها الحركة بمقصدية صناعة المعنى الوطني، فقد أُلهم المبدع بالفكرة بعد اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على صحرائه، والذي هو حق مشروع وثابت طبعا، فتراب الوطن لا يقدر بثمن، فلأول مرة في العالم تنجز لوحة من تراب وطن.
ولا شك في أن هذا العمل الذي فيه روح وطنية وفيه جمال التراب الوطني وفيه جمال خريطة المملكة المغربية، وفيه متعة تستهدف الرؤية البصرية والحس الإنساني، يطرح جمالياته الفاتنة تحت سلطة التأمل، لما يتوفر فيه من غنى وطني وجمالي وشكلي مليء بالإيحاء، يكتسي الدلالات المختلفة والمغازي المتنوعة، ويعلّم خصوم المغرب كيف ينتصر الوطن، وكيف ينتصر الحق، وكيف تنتصر المشروعية، وكيف يتشبت المواطنون بوطنهم، وكيف ينحت الفنانون أعمالهم بروح وطنية، وكيف يتعلق الشعب بملكه ووطنه وتراب أرضه.

إنه عمل متفرد يحمل جهازا مضامينيا، ينطلق من حب الوطن إلى اكتمال الهيئة الشكلية، وفق رؤية وطنية وفنية وجمالية متفردة، تخضع لتمثيل خريطة المغرب، بحفنات من تراب الوطن من كل المناطق المغربية، باحترام دقيق للقياس، وبتوظيف قوي للرتق بين القطع في الشكل الواحد، وبتركيبة جمالية، وبتقنيات عالية تخول لهذه المادة الفنية ذات الروح الوطنية التمظهر بنعومة وجمال مبهج.
فقد تمت فيها العناية الدقيقة بالقيم الجمالية، وقيم السطح.. وتم تسخير مجموعة من الوسائل والتقنيات المرتبطة بالفكرة القوية لتثبيت المفردات الفنية المتنوعة بكميات متنوعة في فضاء الخريطة، لتشكل إضافة نوعية إلى المشهد الفني والثقافي المغربي والعالمي، ويجعل منها مجالا واسعا لمقاربة مادة التراب بالأسس الفنية البنائية المرتبطة بالمنحى الجمالي.
وبذلك فإن القاعدة الفنية لهذا العمل هي مكمن فني متعدد الدلالات تتحقق فيه مجوعة من المقاصد الوطنية والغايات الفنية. ولعل تداخل بعض المكونات مع الأتربة، وتركيبها مع مفردات من جنسها، تجعل الشكل العام في مقاربة تحيل إلى إشارات ورمزية دالة على حب الوطن ومقدساته، ما يضفي على هذا الإنتاج تميزاً يحيل القراء على مركب ثقافي وحضاري ووطني. ولعل في هذا كثير مما حفز الفنان الباحث عبد الفتاح بلالي ليخرج بهذا العمل المتفرد وطنيا وعالميا، بعد نضج ذهن، وطموح تطلع، واستواء قريحة، وتطلع نحو فن راق، ما أهله لأن يقوي البحث الفني في نطاق وطني، ليقدم خدمة جليلة للفن الوطني بفضل ما توفر في شخصه من طاقة ذهنية، ومن قدرات فكرية، وفنية، وجمالية هائلة، مكنته من إنجاز هذا العمل التاريخي الذي يشكل مشروعا رؤيويا للعمل الفني المنطلق من الروح الوطنية، كنقطة مركزية في تثبيت أحقية الفن في الدفاع عن حوزة الوطن، إذ تعتبر هذه الخريطة إشارة فنية للعلاقة القوية بين المنجز الفني والفكرة والدلالات.
فلا شك أن فن التعامل مع فن الخريطة يتوافر فيه أساسا الترابط والدقة، فكلما قوي الترابط بين العناصر المكونة للعمل، اتضحت الصورة الدلالية للمادة الفنية، وبذلك يشكل هذا العمل مقاربة فنية وجمالية وتقنية بين مكونات العمل بنوع من التدقيق والانتقاء، والتركيز على أحد أهم الأساسيات التي بني عليها العمل وهي وحدة الشكل ووحدة المضمون.
ويتبدى من خلال كل ذلك، أن هذا العمل المعاصر يرتكز على مقومات تعبيرية، وأفكار مدروسة وتصورات معاصرة، رامت التوجه الوطني والدفاع عن المقدسات الوطنية. فهو مصاغ في أسلوب تحاوري، ما يُظهر الأبعاد الرمزية. فمختلف الروابط العلائقية بين التربة والخريطة تخول للمجال الفني البروز بشكل رائق في حلة وطنية. وبذلك يظهر تفوق هذا العمل الفني في الاستخدامات؛ على مستوى الخاصيات الفنية الموظفة بشكل منتظم، وعلى مستوى التعابير الفنية والمفاهيمية التي ينطق بها. ليشكل ثقلا فنيا وجماليا؛ يحضر بحمولته الوطنية في المشهد الثقافي الوطني والعالمي.
كاتب مغربي