الخرطوم ـ «القدس العربي»: في وقت تتواصل فيه مساعي قادة الانقلاب لاكتساب شرعية أمام المجتمع الدولي، لا يزال سفراء السودان المعيّنون من قبل الحكومة المدنية السابقة، يتمسكون برفض إجراءات قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، فيما رفض تجمع المهنيين، الجمعة، دعوة «يونيتامس» للتشاور، واتهمها بدعم إجراءات الجيش.
وعقب الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلن سفراء السودان في 12 دولة، رفض الانقلاب العسكري، في بيان رسمي، ضم توقيعات سفراء الخرطوم في واشنطن وجنيف وباريس، بالإضافة للاتحاد الأوروبي وعدد من مكاتب الأمم المتحدة.
وشملت قائمة السفراء الرافضين لعرقلة الانتقال الديمقراطي في السودان كذلك، السفراء في بروكسل وستوكهولم وأوتاوا، بالإضافة إلى بكين وكيب تاون وأنقرة والدوحة وأبو ظبي.
ولعل آخر المعارك الدبلوماسية التي اندلعت مؤخرا، كانت في جنيف، بعد اعتماد مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، مندوب السودان المعين من الحكومة المدنية المنقلب عليها، علي بن أبي طالب، كممثل للبلاد في جلسة الاستعراض الدوري الشامل الخاص في السودان في مجلس حقوق الإنسان، الذي كان من المقرر انعقاده الأربعاء الماضي.
«انتهاك للسيادة»
وهذا الأمر آثار حفيظة قادة الانقلاب في الخرطوم، الذين هددوا بعدم الاعتراف بمخرجات الجلسة، متهمين آلية الاستعراض الدوري الشامل بـ«تسييس» عمل مجلس حقوق الإنسان وآلياته والخروج عن أهدافه الخاصة بصون الحقوق.
وقالوا إنه بعث بوفد رسمي برئاسة وزير العدل المكلف، رئيس الآلية الوطنية لحقوق الإنسان في السودان، محمد سعيد الحلو، لاستعراض تقرير السودان الخاص بحقوق الانسان، معتبرين تمسك سكرتارية آلية الاستعراض الدوري الشامل باعتماد أبي طالب «انتهاكا لسيادة الدولة وللتقاليد الدبلوماسية».
بينما تمسكت سفارة السودان في جنيف بأنها الممثل الشرعي للسودان، لجهة أن البلاد في حالة انقلاب عسكري، وإجراءات العسكر غير دستورية منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
مجلس حقوق الانسان كان قد أعلن الأربعاء الماضي تأجيل الجلسة لليوم التالي، ثم عاد وأجلها مرة أخرى، مشيرا إلى أنه «بحاجة للمزيد من الوضوح بشأن تمثيل السودان في الدورة الأربعين للفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل، وطلب من أمانة المجلس التشاور مع مكتب الأمم المتحدة للشؤون القانونية وخدمات المراسم والاتصالات في أقرب وقت ممكن».
بعدها جدد مندوب السودان في جنيف، في خطاب آخر، طلب اعتماده ممثلا شرعيا للسودان وتعليق جلسة الاستعراض الدوري الشامل للسودان إلى حين استلام إيضاح بشأن من يحق له تمثيل السودان في الجلسة.
وحسب نسخة حصلت عليها «القدس العربي» من محضر اجتماع مجلس حقوق الإنسان، مساء الخميس، قال رئيس المجلس، فريدريكو فيلغاس، إن الجلسة التي كانت مقررة الأربعاء الماضي، تأجلت بسبب التغيير غير المتوقع في الظروف المحيطة بتمثيل جمهورية السودان في مجموعة عمل الاستعراض الدوري الشامل والفترة القصيرة بين الإخطار بالتغيير وبدء الجلسة.
وأضاف: «بعد النظر في جميع الوقائع اتفق مجلس حقوق الإنسان على زيادة الوضوح بشأن مسألة تمثيل السودان» مشيرا إلى أن أمانة مكتب المجلس بانتظار رد من الشؤون القانونية، الإثنين المقبل.
وقرر المجلس تعليق الدورة الأربعين الحالية لدورة الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل الثالثة، إلى حين تلقي مشورة مكتب الشؤون القانونية.
تهديد
وفي السياق، كشف مندوب السودان الدائم في مجلس حقوق الإنسان، علي بن أبي طالب» لـ«القدس العربي» عن تهديد العسكريين بطرد الأمم المتحدة من السودان، في حال لم تعترف بحكومة الانقلاب.
وقال إن حكومة الانقلاب طلبت تأجيل الاستعراض الدوري لمجلس حقوق الانسان قبل موعده بأسبوعين، إلا أن سكرتارية المجلس لم ترد عليهم، واستجابت لطلب المندوب الدائم المعتمد بعقد الجلسة يوم 2 فبراير/شباط.
وأضاف: بعدها وجد الانقلابيون أنفسهم أمام الأمر الواقع واضطروا للقبول بعقد الجلسة وأبلغوا مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الخرطوم بوفد السودان المشارك برئاسة وكيل العدل المكلف في حكومة تصريف الأعمال العسكرية غير الشرعية.
وتابع: لكن المجلس رفض مشاركة الوفد وأعلن أن وفد السودان سيكون برئاسة المندوب الدائم المعتمد، السفير علي بن أبي طالب، مشيرا إلى أن ذلك أثار غضب آلية حقوق الإنسان التابعة للانقلابيين، وقامت بإصدار بيان نهاية يناير/كانون الثاني، هددت فيه بعدم قبولها لأي توصيات تصدر من الاستعراض وعدم التعاون مستقبلا مع مجلس حقوق الإنسان.
وفي إطار تحركاتهم لمحاصرة الانقلاب العسكري، سلم الدبلوماسيون الرافضون للانقلاب مجلس حقوق الإنسان رسالة دعوا من خلالها لتجنب سوء التفسير وأي مخاطر إنشاء سابقة خطيرة.
وحثت الرسالة المجلس على التوضيح رسميا بأن أي قرار يتم اتخاذه فيما يتعلق بالاستعراض الدوري الشامل الثالث للسودان لا يحمل بأي حال من الأحوال تداعيات فيما يتعلق بوضع النظام العسكري غير القانوني في السودان.
وطلب السفراء من مجلس حقوق الإنسان النظر في تعليق مراجعة حالة السودان حتى يصبح ممثلو الحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون في وضع يمكنهم من التحضير للمراجعة وتمثيل الدولة.
كما لفتوا في تعميم صحافي إلى أن قبول طلب حكومة الانقلاب لتغيير السفير في جنيف، سيضفي الشرعية على السلطات العسكرية لقادة الانقلاب.
تحركات مدنية
وفي الأثناء، تقود منظمات المجتمع المدني والناشطون السودانيون داخل وخارج البلاد، تحركات لمحاصرة الانقلاب، واستعراض الانتهاكات التي حدثت منذ بدايته في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وقدمت تحالفات السودانيين خارج وداخل السودان، الخميس، مذكرة للمفوض السامي لحقوق الإنسان ومكتب الأمم المتحدة في جنيف وسفارات دول أجنبية وغربية ومنظمات دولية منها «أمنستي» و«أفريكا» و«هيومن رايتس ووتش».
وتشمل المذكرة مطالب بإصدار قرار دولي بإدانة قيادة النظام العسكري المتمثلة في قائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) ومناصريهم، وإدانة انقلابهم غير الشرعي وغير الدستوري على التحول المدني الديمقراطي.
ودعت التحالفات كذلك، لإصدار قرار بإدانة ممارسات سلطات الانقلاب باعتبارها أعمالا ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والضغط عليهم لاستقبال المقرر الخاص لحقوق الانسان في السودان للتحقيق في التجاوزات الجسيمة التي حدثت منذ الانقلاب وتقديم تقرير حولها لمفوضية حقوق الإنسان.
تجمّع المهنيين رفض دعوة «يونيتامس» للتشاور واتهمها بدعم إجراءات الجيش
وأيضا دعت لتقديم توصيات للدول والمؤسسات ذات الصلة لتوقيع عقوبات شخصية صارمة على قادة الانقلاب ومؤسساتهم الاقتصادية، ومن عاونهم من المدنيين وقيادات القوى العسكرية والأمنية.
وقالت عضو مكتب إعلام تجمع السودانيين في سويسرا، التابع للتحالف، إيمان عبد الباقي لـ«القدس العربي» : «بعد الانقلاب خاطبنا الحكومة السويسرية ووزارة الخارجية والبرلمان الفيدرالي بغرفتيه التي تشمل (المستشارين ونواب البرلمان ) والأحزاب السويسرية، بالإضافة إلى المفوض السامي لحقوق الانسان ومكتب الأمم المتحدة، وأحطناهم بتطور الأوضاع في السودان واستيلاء الانقلابيين على السلطة».
وأضافت: «أكدنا على تمسكنا بالمندوب الشرعي للسودان في مجلس حقوق الإنسان، والذي أسفر عن إعلان الحكومة السويسرية والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان اعترافها بالسفير علي بن أبي طالب كممثل لبعثة السودان الدائمة في سويسرا ولدى الأمم المتحدة، رغم البيان الذي أرسلته الحكومة الانقلابية بإعفائه من منصبه وتعيين بديل له «.
وقفات احتجاجية
وتابعت: «مع تطور الأوضاع الأمنية في البلاد واستمرار المجازر وعودة عناصر النظام السابق للسفارات في الخارج، كثف التجمع جهوده ونفذ عددا من الوقفات الاحتجاجية في ساحة الأمم المتحدة في جنيف، فضلا عن تسليم مذكرات تضمنت مطالب وقوائم تحتوي على الانتهاكات التي حدثت خلال الانقلاب وأسماء الشهداء والمعتقلين الى المفوض السامي والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان» .
كذلك قال عضو المنبر الديمقراطي السوداني في هولندا (تابع للتحالف) محمد عثمان» لـ«القدس العربي» إنهم بدأوا تحركاتهم منذ صبيحة الانقلاب، ونظموا عددا من الوقفات الاحتجاجية أمام السفارة السودانية، وأمام وزارة الخارجية والبرلمان الهولندي، طالبوا خلالها بإدانة الانقلاب.
وأضاف: قدمنا مذكرات للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية وأيضا للاتحاد الأوروبي، طالبناهم خلالها بإدانة الانقلاب وإصدار عقوبات ضد العسكريين.
في السياق، رأت الناشطة في مجال حقوق الإنسان، منال عبد الحليم، والتي تحدثت لـ«القدس العربي» أن جلسة آلية الاستعراض الدوري الخاصة بحقوق الإنسان في السودان التي تم تأجيلها مؤخرا»لن تكون في مصلحة قادة الانقلاب» مشيرة إلى أنها ستتضمن أسئلة من الدول المشاركة حول أوضاع حقوق الإنسان في البلاد والانتهاكات التي حدثت مؤخرا.
ولفتت إلى أن السودان صادق خلال الفترة الانتقالية على اتفاقية التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، فضلا عن أنه مصادق من قبل على المعاهدات والاتفاقات الدولية التي أكدت على الحق في الحياة والتعبير والتظاهر السلمي.
وتوقعت أن يتم توجيه تساؤلات ساخنة خلال الجلسة من قبل الدول الأعضاء، الذين عدلوا أسئلتهم بسبب المستجدات والانتهاكات الأخيرة التي تشمل القتل والتعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري، مشيرة إلى أنها ستفضح السلطات الانقلابية عبر تقارير وبيانات موثقة من الناشطين السودانيين داخل وخارج البلاد والمنظمات الحقوقية الدولية، وأنها ستمثل فرصة لكشف انتهاكات العسكريين.
وحسب لجنة أطباء السودان المركزية، قتل خلال التظاهرات منذ انقلاب قائد الجيش 79 شخصا، 73 منهم برصاص مباشر في الرأس والعنق والصدر والبطن، فضلا عن الحوض والفخذ، فضلا عن 3 أشخاص قتلوا نتيجة الإصابة المباشرة بعبوات الغاز المسيل للدموع في الرأس والعنق والصدر و2 قتلا بالضرب المبرح على الرأس، بالإضافة لقتيل نتيجة إصابة في الصدر لم يتم تحديد طبيعتها بعد، وبينهم أيضا 8 أطفال وفتاة وشيخ سبعيني. بينما أصيب أكثر من 2200 شخص خلال التظاهرات، بينهم 25 فقدوا أحد الأطراف أو الأعضاء الحيوية و7 حالات شلل و2 حالة اغتصاب و1 حالة تدن في الوعي، وفق تقارير منظمة «حاضرين لعلاج مصابي الثورة السودانية». كما قتل أكثر من 300 شخص في دارفور بسبب تجدد النزاعات والسيولة الأمنية عقب الانقلاب العسكري.
هذا في وقت يعاني فيه العشرات من المواطنين والناشطين السياسيين وأعضاء لجان المقاومة، من الاعتقال والاختفاء القسري.
ورصدت الهيئة القانونية للدفاع عن المتأثرين بالقتل الجزافي والاحتجاز غير المشروع، 46 محتجزا بطريقة غير مشروعة في سجن سوبا في الخرطوم، تم القبض عليهم في أوقات مختلفة وأماكن متعددة في ولاية الخرطوم واحتجازهم بشكل غير قانوني، ودون توجيه اي تهم لهم.
ودعا رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان (يونيتامس) فولكر بيرتس، خلال لقائه قائد الجيش، الخميس، لوقف العنف ضد التظاهرات وضرورة توفير المناخ الملائم لإنجاح العملية السياسية والمشاورات غير المباشرة التي أطلقتها البعثة الأممية منذ أربعة أسابيع.
تجمع المهنيين يرفض
إلى ذلك، أعلن تجمع المهنيين السودانيين، الجمعة، رفضه دعوة البعثة الأممية إلى المشاورات غير المباشرة، مؤكدا تمسكه بإسقاط الانقلاب العسكري وتقديم الضالعين فيه من عسكر وقادة ميليشيات ومدنيين للعدالة الناجزة في محاكم خاصة، بالإضافة لتأسيس سلطة الشعب المدنية الكاملة.
وقال في بيان أمس «إن مبادرة يونيتامس بعيدة عن مطالب الثورة والشعارات المرفوعة من القوى الثورية الحية في مواجهة انقلاب اللجنة الأمنية وحلفائها، الذي يهدف لاستكمال عملية إعادة إنتاج نظام الجبهة الإسلامية بواجهات جديدة لقطع الطريق على الثورة وعسكرة الدولة والاستمرار في سرقة موارد بلادنا الغنية».
وأضاف: «لم تلتزم البعثة بمهمتها حسب التفويض الممنوح لها من قبل مجلس الأمن الدولي بدعم ومراقبة الانتقال الديمقراطي في البلاد، ولم تتخذ الموقف المرجو منها بإدانة انقلاب اللجنة الأمنية لنظام الجبهة الإسلامية القومية في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي».
ورأى أن «البعثة دعمت واعترفت بسلطة الانقلاب وقائده عبد الفتاح البرهان، وعملت على فرض وتثبيت اتفاق شرعنة الانقلاب المرفوض من الشعب بين عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في 21 نوفمبر/ تشرين الأول» معتبرة تلك المواقف تناقض تفويض البعثة ومهامها، وتعد اصطفافاً مع قادة الانقلاب في مواجهة تطلعات الشعب السوداني الذي يتطلع للحكم المدني واستقلال القرار السياسي والاقتصادي.
واتهم البعثة «باتخاذ موقف حيادي من الانقلاب العسكري في دعوتها للحوار والتواصل بين الفرقاء السودانيين» مشددا على أن ذلك «موقف غير قانوني حسب المهام المنصوص عليها للبعثة ورسالة المنظمة الأممية في دعم السلم والديمقراطية».
واعتبر المشاورات السياسية التي أطلقتها البعثة «تحايلا يسعى للمساواة بين الانقلابيين وبين المكونات الشعبية الواسعة المتطلعة للحكم المدني والعيش الكريم في سودان الحرية والسلام والعدالة».
واعتبر تجمع المهنيين المبادرة الأممية «محاولة مكشوفة لإنقاذ الانقلابيين وإضافة شرعية زائفة على سلطتهم، ومعاداة صريحة لأهداف القوى الثورية» مؤكدة على شعارات: «لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية» في مواجهة القوى الانقلابية.