في النزاع بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية في المنطقة، فإن مفهوم «ردع» بالمعنى الإسرائيلي غير موجود. والاستخدام السياسي والعسكري له أهمية ضئيلة. لا خلاف على الأهمية الكبيرة لردع العدو بالقوة والعدو فعلياً. السؤال هو كيف نفهم هذا المفهوم وماذا يجب أن نفعل من أجل تحقيقه والحفاظ عليه؟
الردع يُعرف كخلق تهديد للعدو، يجبره على وزن إذا ما سيكون الضرر الذي سيلحق به في أعقاب النشاط العدائي هو أكبر من الفائدة التي يريد تحقيقها. هذا التعريف يرتكز على الافتراض بأننا نحن والعدو لدينا نفس المنطق والعقلية، لذلك نستطيع أن نخمن كيف سيقيم الفائدة والضرر الذي سيلحق به. تعلمنا التجربة التاريخية أن هذا الافتراض تقريباً لن يتحقق مطلقاً، باستثناء مجال السلاح النووي، ولكن الحديث هناك لا يدور عن ضرر مقابل فائدة، بل عن ردع متبادل بفضل إمكانية التدمير الشامل.
تاريخياً، الممارسة الإسرائيلية لردع الأعداء ميزت بين نوعين من الردع: ردع فعلي، وردع في طور الإمكان. الأول يقوم باستخدام القوة من حين إلى آخر، سواء في سياق عارض وضروري، أو في سياق ردعي فقط. الثاني يتجسد في القدرة الكامنة للجيش الإسرائيلي، وفي أشكال القوة والتكنولوجيا وأنظمة السلاح والأنظمة القتالية التي يشخص العدو تفوقها على التي لديه.
الردع الإسرائيلي الشامل وضع تحت الامتحان للمرة الأولى في الأعوام 1953 ـ 1956. عمليات إرهابية متكررة من قطاع غزة ومن الأردن أدت إلى عدد من عمليات انتقامية استهدفت الردع. بدلاً من الردع المأمول حدث تصعيد. وأول من أدرك ذلك هو رئيس الأركان موشيه ديان. فقد شرح في تشرين الأول 1956 بأنه حتى مع الردع بواسطة الدبابات والمدافع والطائرات، فقد وصلنا إلى طريق مسدود. من هنا شقت الطريق نحو الحرب. إذا كان الأمر هكذا، فماذا أفادت الرادعات من ردعها؟
مثال آخر، في نيسان 1967 في إطار المواجهة المستمرة مع سوريا، التي أرادت أن تترأس النضال العربي ضد إسرائيل وأن تجر إليها مصر، بادر سلاح الجو الإسرائيلي إلى مواجهة جوية تم فيها إسقاط ست طائرات من طراز «ميغ 21». لهذه الغاية تم تنفيذ حوالي 100 طلعة بما فيها طلعات فوق دمشق. عملية الردع هذه جعلت السوريين يسارعون إلى موسكو، وهي بدورها زادت ضغطها على مصر للقيام بخطوات عسكرية تظاهرية (ليست حرباً) من أجل ردع إسرائيل. لقد كان هناك أثير لا بأس به لهذه الخطوات الرادعة على التدهور الذي قاد لحرب الأيام الستة.
التجربة أثبتت أن العالم العربي يتعامل مع القوة بمنطق وعقلية تختلف عما لدينا
على كل الأحوال، الثالوث الإسرائيلي «الردع، والإنذار، والحسم» فقد أهمية بعد العام 1967، وذلك بسبب أن الحسم العسكري دفع مصر وسوريا إلى الزاوية بحيث كف الردع عن الوجود، وفي السنوات الست التي مرت منذ ذلك الحين أعدت مصر وسوريا لحرب يوم الغفران.
قرار النظام المصري بشن حرب الاستنزاف اتخذ بعد أقل من شهر من هزيمة حزيران 1967. حرب الاستنزاف أثبتت مرة أخرى عدم فهم إسرائيل للمنطق المصري والسوري. وهذه الحرب انتهت بالتعادل. نحن فسرنا نتائجها بأنها «اليوم السابع لحرب الأيام الستة». واعتقدنا أننا أوضحنا للمصريين أنه «بالقوة لن تحصلوا على أي شيء». ومصر في المقابل فسرت ذلك بأنه «اليوم الأول لحرب أكتوبر».
هذا يعني أن هناك تناقضاً عميقاً في الردع: بقدر ما نعرضه بصورة واضحة أمام العدو، نحن نخلق لديه الآليات العقلية والفعلية لتجاوزه، لأنه لا يستطيع التسليم بكونه مردوعاً.
هناك ادعاء محق حسب رأيي، أن حرب لبنان الثانية، رغم أنها لم تكن ناجحة جداً عسكرياً، فقد أدت لردع حزب الله. من أجل عدم البقاء في هذا الوضع عمق حزب الله التدخل الإيراني في لبنان وتسلح بسلاح كثير، إلى درجة أنه أصبح هو وإسرائيل مردوعين بشكل متبادل.
بالنسبة للتنظيمات الفلسطينية، وحماس على رأسها، فهي تتعامل مع ردعهم مثلما تعاملنا في السابق مع ردع الدول العربية وجيوشها، دون أن نعرف الفروق الكبيرة. حزب الله، وحماس، والتنظيمات المتطرفة الأخرى، تعيش وتعمل في عالمين في الوقت نفسه. فمن جهة، هي كيانات شبه دولة، ومن جهة أخرى هي كيانات ليست بدول، كيانات سرية وعنيفة ولا تتصرف حسب المفاهيم والمعايير والقواعد المتبعة بين الدول.
المجتمع الفلسطيني يحتاج إلى حرب استقلال مثل الحرب المتشكلة على هيئة حرب استقلالنا، التي حددت طابع دولة إسرائيل، إلى درجة أن الحرب تحولت إلى الفكرة المنظمة للمجتمع الإسرائيلي. شبيهاً بنا فإن الفلسطينيين يفهمون أهمية حرب الاستقلال من أجل أن يصبحوا كياناً وطنياً على منطقة جغرافية محددة، وإسرائيل وفرت لهم ذلك. أنا أفترض أن ياسر عرفات كان سيكون راضياً لو أننا قتلنا عشرة آلاف فلسطيني في الانتفاضة، لأنه في اليوم التالي كانت ستقوم دولة فلسطينية ذات فكرة وطنية، عربية ودولية. في مثل هذا الوضع أي قيمة توجد للردع؟
إضافة إلى ذلك، من أجل أن نقوم بالردع قمنا بإيصال الفلسطينيين في قطاع غزة إلى وضع ليس لديهم فيه ما يخسرونه. مرة أخرى، كما هي العادة لدينا، الردع هو مفهوم يفقد أي معنى فعلي وذي صلة. المشكلة الأخرى هي الصعوبة في قياس درجة الردع وقوته طوال الوقت، إذ لا توجد مسطرة للردع. الردع موجود دائماً، يحلق في الأعلى، لكن فيه غموضاً وعدم يقين. هل يجب أن يقودنا توقف الردع إلى الامتناع عن استخدام القوة ضد حماس والتنظيمات التي تشبهها؟ بالتأكيد لا. استخدام القوة مسموح وواجب، وحتى الانتقام هو غير مستبعد في أعقاب الإرهاب. ولكن استخدام القوة مطلوب وضروري فقط إذا كان واضحاً أن هناك توجهاً وأهدافاً بعيدة المدى، مثل تهدئة النزاع بواسطة دمج ذكي للقوة مع المبادرات، وإيجاد ظروف لتغييرات سياسية.
دوف تماري
هآرتس 28/11/2018