إبراهيم محمد مليحات ينظر نحو الغور، من المنطقة التي يعيش فيها والتي تبعد 20 دقيقة سفر من القدس تظهر مناطق واسعة اعتاد أبناء قريته الرعي فيها، وباتوا الآن خارج هذا الفضاء. “الآن من هنا وحتى أريحا كل هذه المناطق فارغة. لا نذهب سواء إلى الأسفل أو إلى الجنوب. كل شيء ترك للمستوطنين. لا توجد منطقة يمكننا الرعي فيها”، قال.
في قرية مغير الدير، يتجول قطيع أغنام يأكل الأعشاب الجافة المتناثرة على الأرض. “نرعى الأغنام بين البيوت فقط”، قال مليحات. “توجد هنا كاميرات”، وأشار إلى المنطقة القريبة من القرية. “وإذا خرجت الأغنام سيرى المستوطنون ذلك ويرسلون الملثمين، وسيقولون: نحن الشرطة، نحن الجيش”.
منذ نشوب الحرب تم اقتلاع أربعة تجمعات للرعاة من مكان إقامتها في المنطقة عقب تهديدات وأعمال عنف المستوطنين. قبل ذلك، تم اقتلاع أربعة تجمعات أخرى بين قرية دوما وقرية محمد مليحات. تجمع آخر، نحو الجنوب أكثر، تم اقتلاعه أيضاً. هذا الأمر أثر دراماتيكياً، سواء على التجمعات التي بقيت أو على التجمعات التي هربت. السكان يتحدثون عن الفقر والخوف الشديد من المستقبل.
حسب تقديرات الباحث درور اتكيس من جمعية “كيرم نبوت”، في المنطقة حوالي 125 ألف دونم محظور على الفلسطينيين الوصول إليها بسبب الخوف من أعمال العنف، وفي أعقاب القيود التي يفرضها الجيش والمستوطنون. الأراضي في شرق شارع ألون، الذي يمر بين المغير ودوما، فرغت من التجمعات التي كانت فيها. ولم يبق هناك سوى مستوطنات وبؤر استيطانية. “قبل بضع سنوات، جاء مستوطنون إلى هنا بسوالف طويلة”، قال إبراهيم وأشار بيده حول طولها. “شيئاً فشيئاً انتقلوا جنوباً حتى وصلوا إلى هنا. لا يوجد في الحكومة من يوقفهم. اذهبي إلى كل مكان في القرية، وسترين بأنهم دمروا كل شيء”.
المستوطنون أوصوا بالإخلاء
أحد التجمعات الكبيرة الذي طرد أثناء الحرب هو في قرية وادي السيق، التي يفصل بينها وبين المغير واد أخضر جميل. قرب أنقاض القرية التي ما زالت تظهر هناك، ترعى الآن أبقار البؤرة الاستيطانية القريبة التي أقيمت قبل سنة تقريباً. الشارع الذي كان يوصل إلى القرية في السابق تم إغلاقه بالحجارة.
حسب أقوال إبراهيم، فإنه في اليوم الذي تم فيه طرد سكان وادي السيق، دخلت إلى القرية مجموعة من المستوطنين الذين كان يعرفهم، وكانت بينهم علاقة جيدة في السابق. وحسب قوله، هؤلاء أوصوا بإخلاء سكان القرية لعشرة أيام لأن المستوطنين، كما قالوا، غاضبون عقب 7 أكتوبر.
مثل تجمعات أخرى في المنطقة، فإن سكان وادي السيق عانوا من أعمال العنف والتهديد حتى قبل نشوب الحرب، ولكنها ازدادت. حوالي 180 شخصاً من سكان التجمع، الذين ينتمون إلى 20 عائلة، هربوا للنجاة بأرواحهم بعد الاعتداء الذي حدث في القرية في 12 تشرين الأول والتهديدات التي سبقته. تفرق السكان وهم الآن يعيشون في مساكن مؤقتة على أطراف عدد من القرى الفلسطينية، على أراض لا حقوق لهم عليها، وهم يخشون من أن يطلب منهم إخلاؤها.
“في 11 تشرين الأول الماضي، أخذنا الأطفال والنساء إلى أقارب لنا في قرية أخرى كي يناموا هناك. اعتقدنا أن هذا سيكون ليومين أو ثلاثة أيام وبعد ذلك سيعودون”، قال عبد الرحمن مصطفى كعابنة من مكان سكنه الجديد المؤقت في أرض زراعية قرب قرية الطيبة. في اليوم التالي، عندما كان عدد من سكان القرية بحزم أغراضهم هاجمهم المستوطنون والجنود الذين قدموا إلى المكان. عدد من السكان والنشطاء الذين حضروا لمساعدتهم تم اعتقالهم واحتجازهم هناك لبضع ساعات. كان هناك من تعرض للضرب والتنكيل بهم. وكما نشرت “هآرتس”، فإن هذا التنكيل شمل الضرب المبرح والإحراق ومحاولات التحرش الجنسي.
“قالوا لنا بأنهم سيعطوننا نصف ساعة للمغادرة، لذلك هرب الناس”، يتذكر كعابنة وهو يصف ما حدث. “لم نكن نعرف إلى أين سنذهب. في البداية سرنا على الأقدام. كان هناك أولاد صغار حملهم الآباء، وكان هناك شباب اختبأوا في الوادي. وعندما حل الليل، جاء الناس من قرية رمون وقرية الطيبة، وأعطونا الخيام”.
قالت الشرطة للصحيفة بأن التحقيق في الاعتداء في وادي السيق ما زال مستمراً. وجاء من المتحدث بلسان الجيش برد مشابه حول التحقيق الذي تجريه الشرطة العسكرية. في تشرين الأول الماضي، قام الجيش بعزل قائد القوة العسكرية المنتمية لوحدة “حرس الصحراء”، الذي كان متورطاً في الحادثة.
إزاء عجز الجيش عن ضمان عدم تعرض السكان لأي سوء إذا عادوا إلى بيوتهم، لا يتجرأون على العودة. المرة الوحيدة التي جاءوا فيها إلى القرية بعد الحرب بالتنسيق مع الإدارة المدنية ومرافقة النشطاء، لأغراضهم التي تركوها، اكتشفوا أن معظم المعدات غير موجودة. “سرقوا كل شيء في بيتي. دمروا وأخذوا كل شيء، المواقد وأدوات المطبخ والخزائن”، قال كعابنة. “لم نعثر على شيء”. وحسب تقديره، فإن قيمة الأملاك المسروقة من المنزل تقدر بـ 200 ألف شيكل.
إلى حين اتضاح الأمر، يعيش السكان بعدم يقين فيما يتعلق بالمستقبل. عبد الرحمن كعابنة وعائلته مثلاً، يعيشون في أرض خاصة لأحد سكان الطيبة. “هذا مؤقت. لا نملك عقداً، وكان الاتفاق أن نترك المكان بعد الحرب. لم نعتقد أن الحرب ستستمر كل هذا الوقت”، قال. الصورة المؤقتة تظهر أيضاً في التفاصيل الصغيرة، مثل حقيقة أنه لا توجد مراحيض في مكان سكن التجمع الحالي. “لا مستقبل، هذه هي النهاية”، قال سليمان كعابنة. “هذا أرض أشخاص آخرين. سيسمحون لنا بالبقاء هنا لأربعة أشهر، نصف سنة أو سنة، لكن في نهاية المطاف، هذه أرضهم وهم لا يرغبون بوجودنا هنا”.
هاجر شيزاف
هآرتس 30/4/2024