عيدا اوشبيزاليكم كشفا حسنا. انا قارئة مخلصة لاسرائيل هرئيل منذ سنين، عن تأثر لا يفوته الغنى المتوهم لعالمه العقائدي ـ بخلاف المثالي ـ برغم أنه لا يشذ في رأيي عن القاسم المشترك المنخفض بحفنة من الكليشيهات التي يستعملها اليمين الاسرائيلي على الدوام.
في مقالته الاخيرة، ‘مصدر التشريعات التي لا داعي لها’ (‘هآرتس’ 14/7) يعود ليعرض المنطق العقائدي الخطر للمعسكر الذي يمثله. ان هرئيل يدعو ـ لا بحماسة بل عن اهتمام من يعلم انه لم تعد توجد اية طريقة اخرى ‘لحماية الشعب والدولة’ ـ الى تشريع ‘قيمي’، لكنه ينقص من الفور الى الدعوى اليقظة ان قانون القطيعة والقانون المضاد لمنظمات اليسار مبالغ فيهما حقا. لكن هذا غير مهم. فالمهم هو أن سببهما جيد جدا، وان المذنبين الحقيقيين في التشريع ‘المبالغ فيه’ هذا هم في الحقيقة من ليست لهم ‘قيم’ والذين يفسدون ‘الهوية اليهودية الصهيونية للدولة’. يطرح السؤال التالي: اذا كان التشريع الذي يعبر عن ‘التصور القيمي والقومي لدوائر الاكثرية في اسرائيل’ هو أمر شرعي في الديمقراطية فما هو ‘المبالغ فيه’ كثيرا في قانون القطيعة مثلا؟ يبدو جواب غير مباشر وغريب في نهاية المقالة وهو أن هذه القوانين ‘مبالغ فيها’ لانها غير ضرورية في ديمقراطية ‘مسؤولة وطبيعية’. أي ان الديمقراطية لا ترى باعتبارها حسم الاكثرية بمسألة أي حكومة ستحصل مؤقتا على سلطات تحقيق سياسة الاكثرية بل باعتبارها حسما أعلى لمسألة من هو المحق. في اللحظة التي تقول فيها الاكثرية قولها يكون من لا يوافقها ضدا لها. ان المعرفة الداخلية الالية بعدالته أو التسليم الخاضع على الاقل هما كما يبدو معنى ‘الديمقراطية المسؤولة الطبيعية’ بحسب ما يرى هرئيل، برغم أن هذا الوصف يلائم نظما مختلفة تماما من الوجهة التاريخية. ليس صدفة ان ثار في الذاكرة من الفور ‘أمر الطوارىء للدفاع عن الشعب والدولة’ في سنة 1933 بتخويل من الرئيس الالماني هندلبرغ الذي قدم أدولف هتلر للحكم وقوانين اخرى عبرت عن ‘تصور قيمي وقومي لدوائر الاكثرية الالمانية’. ان الزعزعة المعتادة من هذه ‘المقارنات’ لا تعفينا من النظر في خطوط التشابه. ان التشريع ‘القيمي’ هو قضاء على الحاجة الى الاقناع والحوار والتعددية والتفكير والاخلاقية والاعتقاد الشخصي ـ أي كل ما هو روح القيمية. يميل استبداد الاكثرية هذا الى ان يتنكر بلباس الضحية اكثر من مرة. يصعب عدم دوران الاعين في السماء ازاء وصف كيف سحقت ‘صورة الدولة القيمية الاصيلة’ التي صاغتها الاكثرية على ايدي كتائب من الاقلية ‘سيطرت’ على وسائل الاعلام والبيروقراطية. ان الاكثرية المسكينة التي تملك جميع الوسائل والسلطات لتدبر باسمي وباموال ضرائبي التي اكتسبت بدمي وتعبي، سياسة تعارضها اخلاقيتي الاعمق دون أن استطيع فعل شيء سوى أن اصرخ واحتج في البلاد وفي العالم هي في الحقيقة بحسب تصوره الذاتي، الضحية المهددة التي يجب ان تدافع عن نفسها باسكاتي النهائي. ربما تسمح لي في الاكثر بأن اصرخ لكن لا ان استعمل القطيعة، أي تسمح لي بان اصرخ كما اشاء لكن لا تسمح لي بأن اؤثر. هذا التضاد الدائم بين محدث الظلم والضحية هو من علامات الفاشية ايضا.
يضاف الى ذلك التهويل المعروف بـ ‘سيطرة العدو’: نمت معاداة السامية تهويلا سكانيا بسيطرة اليهود على الاقتصاد والروح الانساني. والعنصرية على العرب لا تشمئز من دعاوى ديمغرافية والزيادة الطبيعية. وهذا ايضا حكم الحريديين والسود. والمنطق نفسه حي يرزق في جميع اصناف العنصرية. يتبين الان أن لليسار الاسرائيلي أيضا الذي هو في رأي اليمين عامة أقلية لا شأن لها ولا قيم لها مزايا سكانية من السيطرة على الحياة الروحية على نحو قد يضعضع سيادة اليمين العقائدية الدعائية، اذا لم يدافع عن نفسه بسن القوانين فسيجد نفسه مشهرا به ومهزوما.
يصعب التحرر من انطباع ان من يحتاج الى سن قوانين بحماية ‘قيمه’ يخاف في الحقيقة ظل نفسه ومن الفحص عن ذاته ومن النضال الدائم لذاته وللعالم في البحث عن العدل، ومن روح الانسان نفسه الذي يهدد ذلك اليمين أسير العقيدة المغلقة، والطائفية اليهودية والقومانية واللا انسانية.
هآرتس 20/7/2011