منطق ضد منطق: حين تتكلم الضحية بلغة الجلاد

حجم الخط
0

إن أثر الإرهاب الصهيوني ليس بالأمر العابر الهين، فعلى مدى عقود من الظلم الاجتماعي التاريخي، المسبوق بتوحشٍ نفسي، يُمارس على صعيد الفعل توحشاً مادياً على المجتمع الفلسطيني، وفي عدم احترام لأي شكل من أشكال الكرامة الإنسانية، بل إن هذا العنف هو عنف إذلال وإهانة، وتكبر وتعالٍ، طالما أنه مبررٌ أخلاقياً، في وصف هذه الجماعة بالإرهاب، وهنا يصبح كل شيء مهيأ لسحق عظام الناس، والأطفال والنساء العُزَل.
وأمام هذا المشهد، الذي يتعدى فلسطين، ولبنان، وسوريا ومصر والأردن، أي كل بلدان الطوق، لأنه رسالة لكل المنطقة، بالإخضاع والترهيب والتخويف، وهنا فإن شعوب المنطقة لا يمكنها التغافل عن هذا المشهد، وهو بطبيعة الحال مفتوح طالما أن الاستعمار ما زال قائماً، ويفرز كل مشاكله على صعيد المنطقة، لأنه منطق استعمار يعمل على فقدان الذات، وتغييبها، بالخوف والألم، لأن الاستعمار على ما يذهب المفكر الهندي أشيز ناندي، في كتابه «العدو الحميم»، وهو الذي يشتغل فيه بالعلوم الاجتماعية، ليصف من خلاله الثقافة الشعبية الهندية، كيف يصار إلى خلق حالة ذهنية عند المستعمَرين، لأن الاستعمار ليس بنية اقتصادية وسياسية فحسب، إنما أيضاً بنية ثقافية ونفسية، كاستعارة أن المستعمرين هم أنفسهم بالغين، أو فحول، يحكمون أعراقاً مثل الأطفال، أو متخنثين، بحاجة إلى الوكز والسَوق والإجبار في اتجاه الحضارة والتقدم، وهنا لا يمكن أن ننسى ما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، بتبريره قتل المدنيين في غزة، إنه يتعامل مع حيوانات بشرية من أجل الحضارة، من هنا يعمل الاستعمار على أن يجعل المستعمَر محتقراً لذاته، وهنا عملية ضرب الذات، من خلال عدم ثقتها بنفسها، ومن ناحية أخرى يصار بالكثيرين، من أجل أن يكونوا مقبولين، ومن أجل الاعتراف بهم واحترامهم، فإنهم يدخلون بلغة المستعمِر.
الاندماج في منطق الاستعمار المتفوق
إن بنية الاستعمار عادة ما تكون غير متكافئة لناحية القوة والإمكانيات والتكنولوجيا، خصوصاً مع العدو الإسرائيلي، الذي يجند كل العالم لدعمه، لهذا يحاول الاستعمار ولكي يبرر عنفه، فإنه يقوم بإدخال الجميع بمنطقه، أي أنه يحتوي الجميع، إذا ما أرادوا أن يدخلوا بلعبة العنف، القائم على تمجيد القوة، لهذا فالمقاومة التي تأخذ بعداً عنفياً مسلحاً خالصاً، فإنها من دون أن تعي تعطي للمستعمر شرعية استخدام العنف، على اعتبار أن ما لا يؤخذ إلا بالسيف، فإنه بالسيف يهلك، وهو ما يسميه فرانز فانون، العنف المطهر الذي لا تشعر به مع المقاومة الثقافية للمقموعين، كما يشير ناندي، إلا أنه عنف مع عدو كالعدو الإسرائيلي، فإنه من خلال اللاتكافؤ، يصار إلى احتواء هذا المنطق ليدخله في باطن منطقه، الذي يعزز تعاليه بكل جرأة، لهذا نرى في المقابل أشكالا من المقاومة، على طريقة (الساتياغراها)، وهي تقنية في المقاومة، ولكن من دون استخدام العنف، تعري العنف وتكشف عن فشله، وعن منطقه، وبالتالي تصبح على طريقة علي شريعتي (دين ضد دين)، منطق ضد منطق، أي منطق الناس والجماعة، أمام منطق تقنية المقاومة، التي تقوم على احتكار المعنى واللغة الأحادية، لأنها تقوم على منطق السلطة ومركزتها، أي أنه بدل أن تكون القوى في خدمة الناس وحضورها، يكون العكس، وهو احتماء القوى بالناس واستهلاك وجودها، وبالتالي تعطي دفقاً أقوى للاستعمار، وضياع الارتباط العاطفي، وبالتالي لا تؤدي إلى نزع الصفة الإنسانية عن الأعداء، وعبادة العنف، طالما أنها تسير بمنطق الاشتغال للقوة نفسه.
من هنا يصبح السؤال كيف تتفلت الناس المغلوبة، من قبضة القوى السلطوية، في الداخل، ذات المنحى الأحادي، الذي يسير على هدي التوازن للاستعمار، والتي تنضبط فيه، ما يؤدي إلى تشليع الجماعات وضرب الأوطان بشكل أكبر، خصوصاً أن منطق القوى، يختزل الجماعات داخل مضبطة سلطتها، لهذا تعتمد على الخارج، من أجل غلبة وهيمنة الداخل، وهاتان الثنائيتان، ما بين الداخل والخارج، تضرب وجود الناس، ولا تحررهم بابتداع وسائل من المقاومة من خلال الثقافة العميقة، وتعبيراتها، بل إنها حتى أكثر من ذلك، تعمل على إنشاء هويات مغلقة من العزل، كتحديد، وتمييز، لتدمج الجماعة فيصار إلى نوع من أنواع التأطير، ذي حكم جمالي أحادي، طالما أن الذوق يتحدد بمعيار وجهة السلطة، وهذا لعمري ما ينعش الاستعمار أكثر.
الاستعمار يدمج، ويفرز، ويضم، ويشتت، فيقيم جماعات وينشئ هويات غير أصلية، بفعل الفاعل التاريخي، ليدخل الصدام ما بين المجموعات، على اعتبارات مذهبية، تصيب الكل بمقتلة من يدخل بتعبيراتها ولغتها، يساهم بمنطق الاستعمار، أو من خلال استعارات إثنية أو قومية، كلها تكوينات، تصير مع الوقت مهيأة للدخول بصدامات، تجعل الضحايا قتلة، وهذا ما حدث مثلاً بين الفصائل، وهو ما ينطبق على ما أشار له عالم الاجتماع محمود ممداني، في رواندا سنة 1994، والسؤال من هو الضحية؟ ما بين الهوتو والتوتسي، لهذا يشتت الاستعمار الكل، ولكن الخوف هو في مطامع المشاريع، التي تدخل الطوائف مثلاً في بلداننا في لعبة الطائفية، لأن الطوائف ليس شرطاً أن تتحول وتفرز الطائفية، إنما تأتي النخب السياسية لتحول الطوائف إلى جهاز يحتكر المعنى فيه بشكل أحادي، فتتحول إلى خزان بشري يحرك الناس لصالح القوى التي تفرز الطائفية.
إن هذا المنطق يجعل الضحية هي الجلاد، وبالتالي يتحول اللوم عليها، ولكن لماذا؟ هل لأن هذه القوى دخلت في لعبة القوة للاستعمار! هذا احتمال، خصوصاً مرور عدة نماذج على المنطقة، وكان لكل نموذج أفكار متعددة بالشكل، إلا أن اللافت هو البنية ذاتها لناحية الاستبداد، وهذا ما عطل حركة الناس، لأنها تتحول بشكل موجه في أفق ومراسيل السلطة. لهذا كيف نحارب العدو بمنطقه نفسه، وهذا السؤال لم يحدد بشكل كافٍ، بحيث أنه يصار معه إلى التفكير بمنطق آخر، أي أنه لا يمكن أن نكون أمام عدوٍ يملك قولا ذا وجهة دينية احتكارية للمعنى، ونتصرف بقوله نفسه، لا من أجل أن نكسب رضى العالم فقط، إنما من أجل تحرير مخيلة الناس على أن يبدعوا في وسائل عيشهم ومقاومة عدوهم.
الاستعمار الذي يخرب المجتمعات من الداخل، كيف نعطي لهذا المستعمر تبريراً لعدته الإجرائية، هل بزيادة الشروخ المذهبية، أو القومية المزعومة، أو الهوياتية المختلقة؟ أم بتأكيد الثقافة الواحدة للمنطقة، التي من ضمنها يكون التعدد، كيف نحارب هذا العدو الذي يرفض كل آخر، هل بمزيد من التقوقع والانغلاق الجماعاتي المأزوم، أم بمزيد من إطلاق القول، وحريته، الذي هو نقيض لمنطق ذلك العدو، وأيضاً من خلال النقد، والمساءلة، والمحاسبة، والخروج من العواطف من أجل العواطف فقط، والتي لا تخدم سوى الهزيمة والنكوص، بالحنين الدائم على أطلال الربع والخلان. كم نحن بحاجة إلى نوع من أنواع دراسات الفشل، وهي من أجل الفهم، بمعنى فهم النتائج التي وصلنا إليها، قبل الدراسات التي لا تعنى إلا بالتمجيد والتهليل والتطبيل، ألم يحن الوقت لكي نعترف بهزيمتنا وفشلنا، وأول المعرفة هو إدراك الفشل، لأنه المحفز للانطلاق نحو فهم جديد ووعي مغاير، خصوصاً أن المنطق السابق لم يفد الناس، بل الناس بوصفهم أكياس رمل، وها هي النتائج أمامنا، لأن الحقل واضح وضوح الشمس، وهو حقلٌ يعطي شتى المعاني التي تدل على التفكير ومنطقه الذي يقبع في إمارة يرتاح فيها، ولا يكلف نفسه عناء السؤال لأهل الغيب أصحاب اللغة المتكسرة من دون معنى بالتفريغ! والفجيعة بطبيعة الحال تخلق أساطيرها على عبادة الأوثان، لأنها تضرب وحدة الناس، ولأنها تنبعث من تحت الرماد، وتسير بدماء الناس المفجوعة.
وهم في لغة الدخان
من هنا تتحول هذه المجتمعات إلى مجتمعات من أجل المراثي، وتقديس الحزن، وشد الهمة على اتباع الموت، الذي يتجهز باستمرار، ولأن ذلك يعود إلى الفضاء الثقافي الذي تعزز، بمنطق القلق والخوف، فيتصاعد أكثر بالفجيعة، ويصير التاريخ معاودة وتكرار تراجيدي، أشبه بالموسيقى ذات الأنغام العصبية التي تضع الذات في سجن جدرانه لا تعطي إلا ذات المشهد، فتحرق باستمرار الرساميل الرمزية للناس، والتي من شأنها إذا ما حاولت التفلت من سحر الأنغام فإنها سوف تتحرر من الهوس، الذي يشبه الوسواس القهري ولكن بشكل جماعي، بمعنى أكثر كلما حاول الضمير أن يستفيق من جرحه، يأتي الممثول لذلك الدال الذي استبدل المدلول ليؤنب هذا الضمير، ويدخل من جديد في دورة من راحة العقل.
وهذا المنطق يعزز شهوة المستعمر، فيعطيه دفقاً من شرعية ممارسة القوة، لأن الضحية تآلفت مع الألم، حتى أصبح كالوشم المندوب في حفيرة الجماعات التعيسة، ومن ينادي بالثارات، فإنه من دون أن يعي فإنه يقدم نداء لتجديد الغارات، لذلك لا بد للنداء أولاً أن يكون نداء لمعاودة وضع الناس أمام حقيقة الفشل، وهذا الرجوع ليس للوراء، بقدر ما أنه رجوعٌ لكينونة الجماعات إلى نفسها، لكي تخرج من حالة المرض للهويات التي تتركب على الحزن الباهت الذي لا يعول عليه.
في هذا السياق، ونحن أمام عدو كالعدو الإسرائيلي، هل يمكن الاستمرار بالمنطق السابق، أليس جريمة معاودة جميع استعارات السابق الذي يأمر اللاحق للتفكير، أم أننا بحاجة الآن إلى منطق مغاير، منطق للتفكير، يكون بالضد من المنطق السابق، أي الخروج من إمارته، وجدرانه، والتفلت من تعاسته، وهذا هو الدرس الأهم قبل معاودة الراحة من جديد في المكوث في ذلك المنزل وانصابه، الذي يحدد وجهة التفكير .

كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية