منظمة التحرير الفلسطينية: كيانيتها وهيكليتها وتحولات برنامجها السياسي (1ـ 3)
المؤتمر الفلسطيني الأول وما صدر عنه من تشكيل م. ت. ف كان نقطة تحول تاريخية للفلسطينيينالميثاق القومي الفلسطيني جاء منسجماً بشكل كامل مع رؤيا الحل لدي كل قطاعات الشعب الفلسطينيمنظمة التحرير الفلسطينية: كيانيتها وهيكليتها وتحولات برنامجها السياسي (1ـ 3)د. فايز رشيدہ سنوات طويلة مضت علي إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، والتي يصعب الفصل بين الكتابة عنها وبين استعراض الملامح البارزة في الثورة الفلسطينية المعاصرة، نظراً للتداخل والترابط العضوي القائم بينهما. سنوات طويلة مليئة بالمنعطفات التاريخية الصعبة والحادة، التي تركت بصماتها وتداعياتها الكبيرة والكثيرة علي كل من المنظمة والثورة، وعلي النضال الوطني الفلسطيني بشكل عام. سنوات طويلة فيها الانجازات والإخفاقات الكبيرة أيضاً، إن في ضرورة تطوير البنية من أجل التوائم مع ما تفرزه الساحة الفلسطينية بشقيها: الوطن والشتات من متغيرات ومستجدات، أو من حيث الوقفة النقدية بين الفينة والأخري لمراجعة مرحلة ماضية، بكل تفاصيلها وبهدف استخلاص الدروس لتطوير الأداء تنظيمياً وسياسياً في مواجهة تحديات المراحل التاريخية المختلفة، ومن أجل صياغة الخطوط العريضة للأداءين والتنظيمي ضمن رؤيا نضالية استراتيجية في تحديد الأهداف الوطنية، وهذا بالضرورة يقتضي حركةً وتكتيكاً سياسيين منسجمين مع الأهداف، ويصبان في مجراها. إن الحاضر… لمليء بالتساؤلات والأوجاع أيضاً، بالتضحيات الهائلة التي قدّمها شعبنا علي مدي قرن زمني. وفي عملية مقارنة فعلية مع ما تحقق من إنجازات، فإن النتائج تؤشر إلي خلل كبير في الموازين بين هذه وتلك.. بالتالي يكون من الطبيعي والحالة هذه، أن تبدأ الأسئلة (المستمرة منذ قرن زمني أيضاً) في طرق الأدمغة: لماذا… ولماذا… ولماذا؟ وفي عملية الاجتهاد من أجل محاولة وضع الأجوبة والتفسيرات، يكون من الطبيعي أن تتباين الآراء، ولكن يتوجب أن تظل محكومةً في إطار عام، عنوانه: تعزيز وتصليب النضال الوطني علي طريق انتزاع حقوقنا. ولأن قراءة الحاضر بمختلف جوانبه، تظل ناقصة دون استعراض أهم ملامح الماضي وسماته البارزة فيما يتعلق بالأسئلة المطروحة حول النضال الوطني الفلسطيني وسبل تعزيزه، ومنظمة التحرير الفلسطينية وإعادة تفعيلها بما يخدم هذا النضال، لذا يتوجب استعراض تلك الملامح من سمات الماضي من أجل تعميق حالة الحوار القائمة في محاولة الوصول إلي الأجوبة.منذ النكبة وحتي قيام منظمة التحرير علي صعيد النضال الوطني والفعل السياسي الفلسطيني بشقيه (إن جاز التعبير) الرسمي والشعبي… بعد قيام دولة الكيان الصهيوني، فقد انحكم هذا النضال وهذا الفعل رسمياً بمجمل الظروف الرسمية العربية في تلك المرحلة، ومجمل رؤاها لطبيعة الصراع مع (إسرائيل). وقد انطلقت في ذلك من حقيقة وجود الدولة الوليدة، انسجاماً مع توجهاتها في الأساس، ومع الظروف الدولية السائدة آنذاك، هذا من جهة. ومن جهة أخري فقد التقي النظام الرسمي العربي مع المخططات الدولية الهادفة إلي طمس الهوية الوطنية الفلسطينية، بما تعنيه من كيانية، اتكاءً علي الرفض الفلسطيني لقرار التقسيم، ومنع تنفيذ الشق الآخر من القرار بإنشاء الدولة الفلسطينية. وهو ما أزاح عن كاهل النظام الرسمي العربي عبء احتمال مترتبات التعبير عن هذه الكيانية في شكل سياسي يعيد من جديد مجمل القضية إلي الدوران، وهو ما لم يرده لا الوضع العربي ولا الدولي أيضاً. ومع انضمام الضفة الغربية إلي الأردن بعد مؤتمر أريحا، وفيما بعد الإشراف المصري علي قطاع غزة، ظهر الاعتقاد بالنجاح في طمس المعالم الوطنية للقضية الفلسطينية، رغم مظاهر الحرص الشكلاني علي إبقائها من خلال إتاحة الفرصة لاستمرار مندوب فلسطين في حضور اجتماعات مجلس الجامعة العربية، التي كانت قد اتخذت قراراً في عام 1945 بأن يكون لفلسطين مندوب فيها، رغم وقــوعها تحت الانتداب البريطاني آنذاك. من زاوية أخري، وبعد عام 1948، استمرت الهيئة العربية العليا لفلسطين في نشاطاتها (وكانت قد أنشئت في عام 1945 تحت اسم اللجنة العربية العليا لفلسطين)، وعقدت في مدينة غزة في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1948، مؤتمراً وطنياً فلسطينياً أطلقت عليه اسم (المجلس الوطني الفلسطيني) والذي اعتبر برلماناً لفلسطين. لقد جري الإعلان في المؤتمر عن استقلال فلسطين بكامل حدودها المعروفة، وتم التأكيد علي رفض الاعتراف بإسرائيل، وتأكيد الاعتراف بالحكومة الفلسطينية التي جري إعلانها قبيل انعقاد المؤتمر، وأطلق عليها اسم: حكومة عموم فلسطين. ولكن، ولكل ما تقدم ذكره، فإنه وبالمعني الفعلي والعملي لم يكن من وجود حقيقي لهذه الحكومة، التي اعتبرت الواجهة الدستورية للهيئة العربية العليا، والتي ظلّت نشاطاتها مستمرة (بالمعني المعنوي) حتي وفاة رئيسها المرحوم الحاج أمين الحسيني في عام 1974. الأطر الشعبية الفلسطينية، التي تأثّرت حتماً بالتهجير الجماعي الإسرائيلي للفلسطينيين إلي الدول المجاورة، وأيضاً بظروف المواقع الجديدة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، تفاعلت بهذه النسبة أو تلك مع الأنوية التقدمية في تلك الدول وفقاً لمدي القيود التي كانت تفرضها علي اللاجئين الفلسطينيين فيها. نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات شهدت إمّا قيام بعض أفراد هذه الأطر بإنشاء أحزاب قومية الطابع، عربية التوجه مع تأكيد شعاراتها الرئيسية علي تحرير فلسطين والتأكيد علي تحقيق الوحدة العربية (حركة القوميين العرب)، أو قيام آخرين بالانضواء تحت أحزاب قومية أخري (حزب البعث العربي الاشتراكي) أو قيام بعض الناشطين فيها بتأسيس أحزابٍ جديدة ذات توجه قطري (الحزب الشيوعي الأردني). السمة العامة التي غلبت في الانطباع عن الشعب الفلسطيني في الشتات علي المستوي الدولي، وإلي حد كبير أيضاً في العالم العربي… بأنه عبارة عن مجموعات من اللاجئين تتمحور قضيتهم الأساسية في تقديم المعونات الحياتية لهم بعيداً عن حقوقهم الوطنية، رغم صدور قرارات كثيرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تتطرق إلي هذه الحقوق. ساهم في امتداد هذا التصور انعدام وجود قيادة سياسية فلسطينية جامعة، تتولي مسؤولية المطالبة بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وقيام البعض من الدول العربية بدمج الفلسطينيين فيها واعتبارهم مواطنيها من الناحية الدستورية. انتقال المطالبة بالحقوق الفلسطينية من الدائرة الوطنية إلي الأخري العربية، بعد أن أصبح (تحرير فلسطين) شعاراً محركاً للكثير من الحركات والانقلابات في أكثر من دولة عربية، ومقياساً تتوجه به نحو جماهيرها، إدراكاً منها لمدي قبولية هذا الشعار في أوساط الجماهير، باعتباره ليس حلماً فلسطينياً فحسب، وإنما هدفاً شعبياً عربياً أيضاً تردده الأمة العربية من المحيط إلي الخليج… هذا الانتقال عمل علي ربط شعار التحرير بالنظام العربي، فقد كان يردد الشعار، ويمارس عكسه علي أرض الواقع. في مخيمات البؤس والفقر والحرمان في الشتات، لم ينس الفلسطينيون حقوقهم، بل ظلوا يحتفظون بمفاتيح بيوتهم (وبكواشين) أراضيهم. وابتدأت طلائعهم في تشكيل الإطارات البسيطة (علي مستوي المخيم الواحد) من أجل التذكير بالقضية والعودة والتحرير، ومن أجل تحسين الأوضاع الحياتية لهم، مما جعل الإرهاصات الوطنية في حركة دائمة، لكنها كانت تجابه في معظم الأحيان بوسائل القمع العربي، ومنع الفلسطينيين من تشكيل أطرهم السياسية. شهدت الفترة منذ أواسط الخمسينيات حتي أواسط الستينيات أحداثاً عربية ودولية كثيرة: فمن جهة كانت فترة المد الناصري بشعاراته القومية الجماهيرية، والتي تركت بصماتها في ازدياد وتائر المد القومي، وخاصة بعد العدوان الثلاثي علي مصر في حرب عام 1956، وبعد تجربة الوحدة بين مصر وسورية، والأحداث في لبنان، وثورة الجزائر، وثورة جنوب اليمن، ووصول الأحزاب القومية إلي الحكم في كل من سورية والعراق، بكل ما تضمنته من شعارات قومية تقدمية، والحوارات بين مصر وسورية والعراق حول الوحدة، واستقلال بعض الدول العربية من نير الاستعمار، ووجود الحركات والأحزاب الثورية في دول عربية عديدة أخري. ومن جهة ثانية كانت المرحلة تتصف دولياً بامتداد حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وبروز الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية كقوة موازية للامبريالية العالمية، وقيام وامتداد حركة دول عدم الانحياز، وكان من الطبيعي أن تتأثر الإرهاصات الوطنية الفلسطينية بكل تلك الأحداث. علي صعيد الفعل العسكري الفلسطيني في تلك المرحلة، اتخذ طابعاً بسيطاً بعد النكبة علي مستوي نشاطات من قبل بعض الجماعات الصغيرة والأفراد، تطور إلي استعمال البنادق البسيطة والمتفجرات البدائية في العمليات الفدائية، التي كانت تتم في ظروف بالغة الصعوبة، وكان يلزمها اختراق حقيقي لجانبي الحدود بين الدول العربية المجاورة لفلسطين واختراق الحواجز الإسرائيلية (باستثناء العمليات الفدائية التي كانت تتم في بداية الخمسينيات عند حدود غزة، وقد كانت من فلسطينيين ومصريين بالتنسيق مع الأجهزة العسكرية المصرية). تطور الفعل إلي قيام بعض الأحزاب بمحاولة إنشاء ألوية عسكرية، خططت للقيام بعمليات فدائية في الداخل الإسرائيلي، وهذا ما قامت به حركة القوميين العرب، التي استشهد لها أعضاء أثناء قيامهم بتلك العمليات في عام 1963، إلي أن قامت فتح بإطلاق رصاصتها الأولي في بداية عام 1965، والتي جري اعتبارها انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة. في منطقة 48، فقد عايش شعبنا الفلسطيني ظروفاً قاسية وبالغة الصعوبة بفعل قوانين الحكم العسكري الإسرائيلي المفروض عليه حتي عام 1966، وعاني تهجيراً من مدنه وقراه التي جرت تسوية الكثير منها بالأرض، وإقامة المستوطنات عليها، وعاني ولا يزال تمييزاً عنصرياً بشعاً. وقد تلخص الهدف الإسرائيلي الأبرز بالنسبة للفلسطينيين هناك، في طمس هويتهم الوطنية وانتمائهم لشعبهم وعروبتهم، وطمس ثقافتهم الوطنية والعربية… وقد كانوا يسجنون في المعتقلات الإسرائيلية علي أتفه الأسباب، وظلت المخابرات الإسرائيلية تلاحق ناشطيهم. علي صعيد أحزابهم الوطنية، فقد كان الحزب الشيوعي الفلسطيني قبل عام 1948 يضم العرب واليهود في صفوفه، وبعد النكبة تحول اسمه إلي الحزب الشيوعي الإسرائيلي. لقد شهدت تلك المرحلة ولادة بعض الهيئات ذات الطابع الخدماتي مثل: اللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية العربية، في عام 1957. وعلي الصعيد السياسي ظهرت (حركة الأرض)، التي تم اعتبارها بقرار من وزير الدفاع الإسرائيلي كحركة خارجة علي القانون، كما شهدت أيضاً محاولات لإنشاء الجبهة العربية التي تحول اسمها إلي الشعبية فيما بعد. لكن كل هذه الصيغ جرت محاربتها من قبل السلطات الإسرائيلية. إنشاء منظمة التحرير، نقطةتحول في التاريخ الفلسطينيوسط كل تلك الأجواء، وأمام التحدي الإسرائيلي في تلك الفترة بتحويل مياه نهر الأردن، جاءت دعوة الرئيس عبدالناصر للقمة العربية، التي عقدت مؤتمرها الأول في القاهرة في عام 1964. كان من أبرز قرارات المؤتمر الدعوة لإنشاء كيان فلسطيني (يعبِّر عن إرادة الشعب الفلسطيني وإقامة الهيئة التي تتولي المطالبة بحقوقه لتمكينه من تحرير وطنه وتقرير مصيره) مؤكداً كذلك علي أهمية المساندة العربية للشعب الفلسطيني وتقديم كافة أشكال الدعم العربي له، وأيضاً من خلال نبذ الخلافات العربية – العربية. ومن أجل إنجاز المهمة الفلسطينية، كلّف المؤتمر المرحوم أحمد الشقيري، (ممثل فلسطين في الجامعة العربية) بإجراء الاتصالات اللازمة مع أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف مواقعهم لهذه الغاية، والعودة بنتيجة اتصالاته إلي مؤتمر القمة العربي الثاني. قام الشقيري بجولات عديدة في الدول العربية حيث يتواجد الفلسطينيون، حيث تم تشكيل لجان تحضيرية في هذه الدول لإعداد قوائم بأسماء المرشحين لحضور المؤتمر المنوي عقده لإعلان الكيان الفلسطيني. وإثر الانتهاء من إعداد هذه القوائم، تم تشكيل (لجنة تنسيق) لإعداد القائمة النهائية بأسمائهم. وكانوا في الحصيلة (397) عضواً، روعي التوزيع الجغرافي في انتقائهم وأيضاً تمثيلهم للقطاعات الفلسطينية المختلفة، وقد ضموا في معظمهم الزعامات التقليدية الفلسطينية: أعيانا ونوابا ووزراء ورؤساء بلديات وأعضاء مجالس قروية في الأردن، وأعضاء المجلس التشريعي في قطاع غزة ورؤساء الغرف التجارية، وممثلين عن مختلف المهن والاتحادات، وممثلين عن المغتربين وأبناء المخيمات. من الضروري الإشارة في هذا المجال، إلي الخوف الذي أبدته بعض الأوساط الفلسطينية من إنشاء الكيان، لا رفضاً لإنشائه وإنما خشيةً من إعادة السيطرة الرسمية العربية علي القضية الفلسطينية، بعد أن كانت قد جُرّبت في عام 1948، وأدت إلي ما أدت إليه. نقول ذلك، لأن أوساطاً فلسطينية (قليلة) وأخري عربية، وفي مرحلتنا الراهنة ما زالت تري في إنشاء الكيان الفلسطيني، الذي جري التعبير عنه فيما بعد: أداة عربيةً لتطويع القرار الفلسطيني، وهروباً عربياً من مواجهة الدور العربي في تحرير فلسطين. لكن ورغم خشية تلك الأوساط، إلاّ أن جماهيرنا الفلسطينية وفي معظمها وفي مختلف أماكن تواجدها رحبت بقرار القمة العربية وما تلاه من حركة سياسية، تعبيراً عن رغبة صادقة وعن مطلب قديم منذ عام 1948، بأن يكون للشعب الفلسطيني كيان وطني مستقل، يمكنه من القيام بدوره الطليعي في النضال ضد العدو الصهيوني. في مثل هذه الأجواء انعقد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في مدينة القدس في 28/5/1964، والذي أعلن قيام منظمة التحرير الفلسطينية. وقبل استعراض ما انبثق عن المؤتمر الفلسطيني الأول من برنامج سياسي وقرارات، وأطر، شكّلت فيما بعد صيغة تنظيمية، وعلي ضوء اعتبارنا بأن إنشاء منظمة التحرير هو نقطة تحول في التاريخ الفلسطيني، نري من الأهمية بمكان ضرورة التطرق إلي مفهوم الكيانية من زواياه المختلفة، استناداً إلي ما صدر عن المؤتمر الفلسطيني الأول من قرارات في المناحي المختلفة، آخذين بعين الاعتبار مواصفات واقع التشتت الفلسطيني القائم آنذاك، والذي كان محكوماً في معظمه بأشكال عربية مختلفة من السيطرة، والتي نظرت بريبة كبيرة إلي إنشاء هذا الكيان، وعرقلت ما استطاعت ما قرره من إجراءات وما اتخذه من خطوات كصيغ عملية تنفيذية لتحقيق برنامجه وأهدافه السياسية. الكيانية في الظروف الطبيعية للدولة، هي قدرة شعبها ومن خلال خياراته الديمقراطية علي إنشاء سلطته المعبّر عنها في شكل الحكم القائم فيها، والذي يجسد إرادة الجماهير وطموحاتها في دولة ذات سيادة علي أرضها وحدودها الجغرافية، وقدرتها علي الدفاع عن نفسها أمام ما يتهددها من أخطار، في إطار منظومة قانونية من المواثيق الدولية المقرّة والمعترف بها لتنظيم أشكال العلاقة مع الدول الأخري. الكيانية في الحالة الفلسطينية، والتي سمتها العامة والأساسية هنا: مرحلة التحرر الوطني، هي قدرة الشعب الفلسطيني في مواقعه المختلفة ومن خلال الخيار الديموقراطي، علي إيجاد الصيغ التنظيمية الكفيلة بتجميع طاقاته والتعبير عنها في إطار سياسي جامع، وفي إيجاد القيادة المنتخبة المحكومة ببرنامج سياسي يعبّر عن تطلعات وأهداف الشعب الفلسطيني في الكفاح والنضال من أجل تحرير أرضه واستعادة حقوقه الوطنية، علي طريق الوصول إلي الشكل الآخر من الكيانية أي الحكم في الدولة ذات السيادة علي أرضها وحدودها. من خلال هذه المعايير، فلنحاكم ما انبثق عن المؤتمر الفلسطيني الأول. لقد صدر عن المؤتمر قرارات عديدة كان أبرزهاـ إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها قيادة معبئة لقوي الشعب العربي الفلسطيني لخوض معركة التحرير، ودرعاً لحقوق شعب فلسطين وأمانيه وطريقاً للنصر. ـ إقرار الميثاق القومي الفلسطيني وعدد بنوده 29 بنداً. ـ إقرار النظام الأساسي وعدد بنوده 13 بنداً، واللائحة الداخلية للمجلس الوطني والصندوق القومي الفلسطيني. ـ انتخاب السيد أحمد الشقيري رئيساً للجنة التنفيذية، وتم تكليفه باختيار أعضاء اللجنة التنفيذية وعددهم 15 عضواً. ـ لقد قرّر المؤتمر بأن يكون (المجلس الوطني الأول لمنظمة التحرير). لقد حددت بنود (مواد) الميثاق الوطني الفلسطيني الحقوق والأهداف الوطنية باعتبارها استراتيجية نضالية ورسمت سبل الكفاح، كما حددت الرؤيا تجاه إسرائيل وبينت الطرق المحددة للصراع، كما تطرقت إلي العلاقة الفلسطينية ـ العربية، وبينت أسس التحرك في الإطار الدولي. في الحلقة الفلسطينية جاءت بنود الميثاق القومي لتؤكد علي تعريف الحدود الفلسطينية بأنها تلك (التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني.. وهي.. وحدة إقليمية لا تتجزأ). ولذلك رفض الميثاق قرار التقسيم ووعد بلفور وصك الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم وما ترتب عن هذه القرارات. اعتبرت القرارات (أن تحرير فلسطين من ناحية دولية، هو عمل دفاعي تقتضيه ضرورات الدفاع عن النفس كما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة). لقد ركزت القرارات علي الشخصية الفلسطينية فقررت أنها (صفة أصيلة لازمة لا تزول، وهي تنتقل من الآباء إلي الأبناء). وبالنسبة إلي موضوع الانتماء الحزبي للفلسطينيين، اعتبر الميثاق (أن المذاهب العقائدية لا تشغل أهل فلسطين عن واجبهم الأول في تحرير وطنهم) مع التأكيد علي أن الفلسطينيين جميعاً هم جبهة وطنية واحدة يعملون لتحرير وطنهم. وعن تقرير المصير، أكد الميثاق علي أن (شعب فلسطين يقرر مصيره بعد أن يتم تحرير وطنه وبمحض إرادته واختياره)، وبعد التحرير (يختار الشعب الفلسطيني لحياته العامة ما يشاء من النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، وإلي أن تتم عملية التحرير والعودة، يكون للفلسطينيين ثلاثة شعارات: الوحدة الوطنية، والتعبئة القومية، والتحرير. وبالنسبة لمرحلة النضال علي طريق تحرير فلسطين، أكد الميثاق علي أهمية تنشئة الجيل الفلسطيني تنشئة عربية قومية، باعتبار ذلك واجباً قومياً رئيسياً. بالنسبة للصراع مع إسرائيل اعتبر الميثاق أن إسرائيل هي طليعة الحركة الصهيونية، والتي هي حركة استعمارية في نشوئها، عدوانية وتوسعية في أهدافها، عنصرية توسعية في تكوينها، فاشستية بمراميها وأهدافها. وفرّق الميثاق بين الصهيونية واليهودية بوصفها ديناً سماوياً وليست قومية ذات وجود مستقل. واليهود ليسوا شعباً واحداً له شخصيته المستقلة، وإنما هم مواطنون في الدول التي ينتمون إليها، مع التأكيد علي أن اليهود من أصل فلسطيني يعتبرون فلسطينيين، إذا كانوا راغبين في التزام العيش بولاء وسلام في فلسطين، مع التأكيد أيضاً بأن النظام السياسي في فلسطين بعد تحريرها، يهييء للبلاد المقدسة جواً من الطمأنينة والسكينة، تصان في ظلاله جميع المقدسات الدينية وتكفل حرية العبادة والزيارة للجميع من غير تفريق ولا تمييز، سواء علي أساس العنصر أو اللون أو اللغة أو الدين. في الحلقة العربيةأكد الميثاق علي الارتباط العضوي بين فلسطين والوطن العربي، باعتبارها جزءاً من هذا الوطن العربي الذي تجمعه روابط القومية العربية، وأن الفلسطينيين هم مواطنون عرب، وقرر الميثاق بأن مصير الأمة العربية هو رهن بمصير القضية الفلسطينية.. ولذلك… فإن تحرير فلسطين هو واجب قومي تقع مسؤولياته الكاملة علي الأمة العربية بأسرها حكومات وشعوباً، وفي طليعتها الشعب العربي الفلسطيني، وبالتالي.. فإن علي الأمة العربية تعبئة جميع طاقاتها العسكرية والمادية والروحية في سبيل تحرير فلسطين، وعليها وبصورة خاصة أن تبذل للشعب العربي الفلسطيني العون والتأييد وتوفير الوسائل والفرص الكفيلة بتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه. وحول العلاقة مع الأنظمة العربية أكد الميثاق علي تعاون م. ت. ف مع جميع الدول العربية كلّ حسب إمكانياتها دون التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة عربية. ورغبة في إرضاء بعض الأطراف العربية التي وضعت شروطاً لقبول إنشاء م. ت. أكد الميثاق علي أن المنظمة سوف لن تمارس أية سيادة إقليمية علي الضفة الغربية في المملكة الأردنية الهاشمية، ولا قطاع غزة، ولا منطقة الحمة، وسيكون نشاطها مقتصراً علي المستوي القومي الشعبي في الميادين التحريرية والتنظيمية والسياسية والمالية وسائر ما تتطلبه قضية فلسطين علي الصعيدين العربي والدولي. علي الصعيد الدولي أكد الميثاق علي أن تحرير فلسطين من ناحية دولية هو عمل دفاعي، تقتضيه ضرورات الدفاع عن النفس كما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، وانطلاقاً مما أقره المجتمع الدولي ممثلاً في المنظمة الدولية، فإن الشعب الفلسطيني الراغب في مصادقة جميع شعوب العالم، يتطلع إلي تأييد الدول المحبة للحرية والعدل والسلام لإعادة الأوضاع الشرعية إلي فلسطين، وإقرار الأمن والسلام في ربوعها وتمكين أهلها من ممارسة السيادة الوطنية والحرية القومية. لقد تطرق الميثاق إلي إيمان الشعب الفلسطيني بمبادئ العدل والحرية والسيادة وتقرير المصير والكرامة الانسانية وحق الشعوب في ممارستها، وإلي تأييد جميع المساعي الدولية التي تهدف إلي إقرار السلم علي أساس الحق والتعاون الدولي الحر، والتعايش السلمي علي أساس الوجود الشرعي، إذ لا تعايش مع العدوان، ولا سلم مع الاحتلال والاستعمار. وبالنسبة لمسؤوليات م. ت. فأقر الميثاق قيام م. ت. ف بدورها الكامل في تحرير فلسطين وفق النظام الأساسي لهذه المنظمة، وهي المسؤولة عن حركة الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل تحرير وطنه، في جميع الميادين التحريرية والتنظيمية والسياسية والمالية، وسائر ما تتطلبه قضية فلسطين علي الصعيدين العربي والدولي. أما الإجراءات المتـــــعلقة بتعديل الميثاق، فلا يتم ذلك إلاّ بثلثي أعضاء المجلس الوطني لـ م. ت. ف في جلسة خاصة يدعي إليها من أجل هذا الغرض. النظام الأساسي للمنظمة: أقر المؤتمر النظام الأساسي لـ. م. ت. ف، الذي أُلحق بالميثاق، وتحدد فيه كيفية تشكيل المنظمة وهيئاتها ومؤسساتها واختصاصات كل منها، وجميع ما تقتضيه الواجبات الملقاة عليها بموجب الميثاق. أشار النظام الأساسي إلي أن: المجلس الوطني الفلسطيني هو السلطة العليا لـ. م. ت. ف وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها وبرامجها. وحول كيفية تكوين المجلس، أشار النظام إلي أن الأساس في العضوية هو الانتخاب العام، ولكنه استدرك مشيراً إلي عدم إمكانية إجراء مثل هذه الانتخابات فيها، أي إذا تعذر إجراء الانتخابات الخاصة بالمجلس الوطني، يستمر المجلس قائماً إلي أن تتهيأ ظروف الانتخابات، واعتبر الميثاق، الفلسطينيين جميعاً أعضاء طبيعيين في م. ت. ف. حدد النظام أيضاً مدة المجلس الوطني بثلاث سنوات، وانعقاده الدوري سنوياً، وصلاحيات مكتب رئاسته، وحقه في تشكيل اللجان المساندة وصلاحياته… إلي آخره. وحدد النظام أيضاً، أن المجلس الوطني ينتخب رئيس اللجنة التنفيذية، الذي يقوم بدوره بتسمية أعضائها (15) عضواً ومهامها… إلي آخره. صدر عن المؤتمر الفلسطينيالأول قرارات عديدة أبرزهاـ عسكرية: فتح معسكرات تدريب، تشكيل كتائب فلسطينية وأخري فدائية، وتزويدها بمختلف أنواع الأسلحة الحديثة والتجهيزات اللازمة، تطبيق نظام المقاومة الشعبية والدفاع المدني في صفوف الشعب الفلســــطيني، المساهمة في القيادة العربية الموحدة، ورعاية أسر الشهداء وحمايتها. ـ سياسية: التأكيد علي عروبة فلسطين وأن بقاء إسرائيل فيها يشكل خطراً علي الوطن العربي والسلام العالمي، وأن للشعب الفلسطيني الحق في أن يناضل في سبيل تحرير وطنه بكافة الوسائل، والعمل علي طرد إسرائيل من الأمم المتحدة ومؤسساتها، وتمثيل المنظمة لفلسطين في المحافل العربية والدولية. ـ مالية: المصادقة علي النظام الأساسي للصندوق القومي، جمع التبرعات، تخصيص أسبوع في كل سنة للجباية، الطلب من الدول العربية تقديم التبرعات، وغيرها. ـ في مجالي التوعية والإعلام، استعمال كلمة (العائدين) بدلاً من (اللاجئين)، تدريس قضية فلسطين للطلاب العرب وإعداد الكتب اللازمة في هذا الشأن، إنشاء محطة إذاعية، إحياء المناسبات الفلسطينية والقومية العربية، إقامة أسبوع للتوعية، إنشاء جهاز خاص يعني بشؤون اللاجئين. ـ قرارات أخري: إشراك المرأة الفلسطينية العربية في جميع مجالات العمل التنظيمي والنضالي، ومساواتها بالرجل في جميع الحقوق والواجبات من أجل تحرير الوطن، تشكيل اتحادات نقابية للعمال الفلسطينيين وأصحاب المهن والحرفيين وضمها إلي الاتحادات العربية العامة. مطالبة الدول العربية بمنح الفلسطينيين حق العمل والتنقل ودعا لتشديد المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل ووضع حد لتسللها في الدول النامية، واتخاذ موقف اقتصادي وسياسي موحد من الدول التي تساند إسرائيل، العمل علي تقوية الروابط مع الشعوب والدول الإسلامية، استنكار مواقف الدول الاستعمارية وفي مقدمتها أمريكا وبريطانيا، وتقدير مواقف الدول الاشتراكية وبشكل خاص الاتحاد السوفييتي وجمهورية الصين الشعبية، الكشف في كل المحافل عن سياسة التمييز العنصري والاضطهاد التي تمارسها إسرائيل تجاه العرب في القسم المحتل من فلسطين خلافاً لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها.هل استــــطاعت م. ت. ف. في تلك الفــــترة أن تمثل كياناً ســـــياسياً حقيقياً للشعب الفلسطيني؟ بموضوعية نقول: إن المؤتمر الفلسطيني الأول، وبكل ما صدر عنه من وثائق وقرارات وأبرزها تشكيل م. ت. ف. مثل نقطة تحول تاريخية في حياة الشعب الفلسطيني، إن في إيجاد الهيكل السياسي المعبر عن حقوقهم وشخصيتهم الوطنية لأول مرة، من خلال ما تبناه من استراتيجية نضالية في تحديد ماهية الحقوق الوطنية، والمشروعية التاريخية في فلسطين، وتحديد سبل وآليات الكفاح الوطني في سبيل انتزاع هذه الحقوق، اعتماداً علي الشعب الفلسطيني بالتلاحم مع عمقه العربي والإسلامي والإنساني والدولي، أو في التحديد الاستراتيجي لمفهوم العدو والقوي المتحالفة معه دولياً، وتحديد الصيغ القادرة علي الجمع بين الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم، من خلال مؤسسات قادرة علي تجميع جهودهم ضمن نهج ديمقراطي (مع الأخذ بعين الاعتبار مجموعة الظروف الموضوعية المعيقة والمعطلة لهذا النهج في تلك المرحلة)، والنجاح في تشكيل قيادة تتولي مسؤولية النضال الوطني في مناحيه المختلفة. من زاوية ثانية، فإن الميثاق القومي الفلسطيني، جاء منسجماً بشكل كامل (وذلك ليس من باب المغالاة) مع رؤيا الحل لدي كل قطاعات الشعب الفلسطيني في كل مواقعه… وبذلك فإن منظمة التحرير الفلسطينية هي الكيان السياسي الجامع للفلسطينيين، وهي أخذت وعن جدارة رؤيوية وكفاحية صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. 7