القاهرة ـ «القدس العربي»: توسعت السلطات المصرية في استخدام تهمة ازدراء الأديان ضد المعبرين عن آراء مخالفة للمعتقدات السائدة في المجتمع، خاصة من الأكاديميين، حسب تقرير لمؤسسة حرية «الفكر والتعبير» وهي منظمة حقوقية مصرية مستقلة.
ورصدت المؤسسة في تقريرها الذي حمل عنوان» ازدراء الأديان ـ ذريعة لقمع الحرية الأكاديمية» اتهام أعضاء هيئات تدريس بازدراء الأديان أو الرموز الدينية.
وحسب المؤسسة «لم تتوقف الاتهامات التي توجه إلى أعضاء هيئة التدريس في ما يتناولونه بالبحث والنشر والتدريس على الأديان نفسها، إنما تمتد الاتهامات إلى الرموز الدينية، التي تراها بعض إدارات الجامعات غير قابلة للنقد». ولفت التقرير إلى أنه «في بداية مايو/ أيار 2018 أوقفت جامعة دمنهور الأستاذ في قسم التاريخ في كلية التربية أحمد رشوان عن العمل لمدة ثلاثة أشهر، بعد إحالته إلى التحقيق على خلفية تدريسه كتاب «دراسات في تاريخ العرب المعاصر» الذي تعرض فيه للشيخ محمد متولي الشعراوي والداعية عمرو خالد».
واستعرض التقرير جُزءا من الكتاب الذي جاء فيه «شهد عهدهما ظهور أكبر دجالينِ في تاريخ مصر الحديث، وهما الشيخ الشعراوي وعمرو خالد واللذان عملا بكل قوة عن قصد أو بغير قصد في تغذية روح الهوس الديني لدى الشعب المصري، وتدعيم التيار الإسلامي السياسي، وهكذا سيطر الإسلام السياسي وامتد حتى سقوط الاتحاد السوفييتي».
وعلى خلفية ذلك «ندد أمين سر لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب، عمرو الحمروشي، بالواقعة، وقال إنه سيتقدم إلى رئيس مجلس النواب بطلب عاجل لسرعة إصدار قانون تجريم إهانة الرموز الوطنية، كما طالب وزير التعليم العالي بتشكيل لجنة علمية محايدة لمراجعة الكتب الجامعية بالتنسيق مع أساتذة الجامعات: وذلك لمواجهة تسريب أي أفكار شاذة أو متطرفة إلى الطلاب مما يشكل خطرا داهما على مقومات الأمن القومي المصري» حسب التقرير، الذي ذكر أيضاً أنه «في أكتوبر/ تشرين الأول 2016 أوقفت جامعة الأزهر الأستاذ في كلية أصول الدين يسري جعفر عن العمل لمدة ثلاثة أشهر، بقرار من رئيسها، لاتهامه بالإلحاد ومحاولة إحياء فكر محمد عبده وطه حسين، والهجوم على التيار الإسلامي، ووصفه بالتيار الظلامي، وشكلت الجامعة لجنة تحقيق قامت بتوجيه أسئلة إلى جعفر حول محتوى محاضراته وآرائه العلمية ورؤيته للأزهر، ووجهت إليه عدة اتهامات، منها الدعوة إلى الإلحاد وانتقاد صحيح البخاري، ودعوته إلى تعديل المناهج الأزهرية، ما نفاه جعفر حيث وضَّح أنه يدعو إلى التنوير».
اتهام بالتشيع
وتابع «أصدرت جامعة الأزهر، في 13 يونيو/ حزيران 2018 قرارا بإيقاف الدكتور جمال محمد سعيد عبد الغني، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين في المنوفية، عن العمل لمدة ثلاثة أشهر بعد إحالته إلى التحقيق الإداري بسبب اتهامه بالتشيع. وقالت الجامعة في بيان لها إن الأستاذ الجامعي منسوب إليه الانتماء إلى الجماعة الأحمدية القطيانية الشيعية، وسبق اعتبار هذه الجماعة من العناصر المرتدة عن الدين الإسلامي، وقالت إن قرار إيقافه كان حرصا على مصلحة الطلاب وحمايتهم من أصحاب الفكر المنحرف».
تحدثت عن اتهامات توجّه لأعضاء هيئة التدريس في ما يتناولونه بالبحث والنشر
تظهر هذه الوقائع، وفق التقرير «انتهاك جامعة الأزهر الحرية الأكاديمية باستخدام قرارات إيقاف الأستاذين عن العمل، ولم تراعِ أي أسس علمية في تناولها العمل الأكاديمي، بل إنها تدخلت في معتقد الأستاذ الجامعي جمال عبد الغني. ولم تُشِر الجامعة إلى مخالفات أكاديمية، واكتفت بذرائع حماية الطلاب من أصحاب الفكر المتطرف».
وبينت المؤسسة أنه «في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تم إيقاف الأستاذ في المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالإسكندرية محمد مهدلي عن العمل، بعد إحالته إلى التحقيق على خلفية انتشار مقطع مصور، يُظهر نقاشا بينه وبين طلابه في إحدى المحاضرات، اتهم بسببه بالإساءة للإسلام. بينما قالت وزارة التعليم العالي إنها تلقت شكوى من طلاب بالمعهد، قررت بعدها إيقاف مهدلي إلى حين الانتهاء من التحقيق في الواقعة».
الطلاب يتصيدون «الإساءات»
واعتبرت أنه «في ظل التوسع في الرقابة على الحرية الأكاديمية، بدأ الطلاب في تصيد ما يعتبرونها إساءة للأديان، ومع استجابة الجامعة لشكاوى الطلاب، فهي لا توفر مناخا يسمح بالمناقشة الحرة بين الطلاب والأستاذ ويحمل الأساتذة على مزيد من الرقابة الذاتية على ما يتناولون من آراء وموضوعات علمية داخل قاعات الدراسة. ويعد ما فعله وزير التعليم العالي بتحويل التحقيق مع مهدلي إلى النيابة العامة انتهاكا».
تاريخ قضايا الازدراء
وتناول التقرير تاريخ تطور قضايا ازدراء الأديان، ولفت إلى «تطورت القضايا المعروفة بازدراء الأديان تاريخيّا في مصر بداية من مسماها القديم: قضايا الحسبة، إلى النص الحالي المتضمن في المادة 98 من قانون العقوبات المصري، والتي استحدثت بعد ما عرف بأحداث الفتنة الطائفية بالزاوية الحمراء، في عام 1981، وتقدمت حينها الحكومة بمشروع قانون لتعديل عدد من مواد قانون العقوبات، وإضافة مواد أخرى، منها مواد تتعلق بتغليظ العقوبة المنصوص عليها في المادة 160، المتعلقة بالحق في ممارسة الشعائر الدينية بعيدا عن أعمال العنف، وتعديل المادة 201 الخاصة بتجريم إساءة استخدام خطاب ديني. وكان الهدف من هذه التعديلات هو معاقبة رجال الدين الذين يسيئون استخدام الخطاب الديني، للتحريض على أعمال عنف وتهديد أمن المواطنين، ولكن بعد سنوات تم توسيع نطاق التجريم، ليشمل كل المواطنين بدلا من رجال الدين».
وتابع التقرير: «ساهمت التعديلات التي أدخلت على قانون تنظيم الجامعات وقانون تنظيم الأزهر في إطلاق يد إدارات الجامعات في فصل وتوقيع العقوبات التأديبية القاسية على الأساتذة، وكان آخر هذه التعديلات تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون رقم 152 لسنة 2019 بتعديل بعض مواد قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972».
وحسب التقرير «استهدفت التعديلات في المواد من 103 إلى 112 الخاصة بتأديب أعضاء هيئة التدريس، توسيع السلطة التأديبية الممنوحة لرؤساء الجامعات وتشديد العقوبات التي تصل إلى الفصل من الوظيفة والحرمان من المعاش، والوقف عن العمل لمدة ثلاثة أشهر، إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، وهي المادة التي يُستنَد إليها في قرارات الوقف عن العمل المتكررة للأساتذة».