القاهرة ـ «القدس العربي»: صدّق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على قانون تنظيم إجراءات مواجهة الأوبئة والجوائح الصحية، بعد موافقة البرلمان عليه في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني المنصرم، لكن القانون يتضمن «عقوبة سالبة للحريات تهدد حريات المواطنين في التعبير عن رأيهم» وفق ما أكدت
«المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» في تقرير أمس الأربعاء.
وبينت أن القانون «يعالج فراغا تشريعيا في التعامل مع الأوبئة والطوارئ الصحية، حيث يعطي صلاحيات هامة لرئيس مجلس الوزراء في حال تفشي الأوبئة أو الجوائح الصحية تعكس الاستجابة للعديد من جوانب القصور التي ظهرت في مواجهة جائحة كورونا، لكنه يتضمن عقوبة سالبة للحريات تهدد حريات المواطنين في التعبير عن رأيهم وما يلاقونه من تحديات في أوقات حرجة مثل الأوبئة. كما أنها تهدد حرية البحث العلمي وتداول المعلومات، وتزيد من الصعوبات التي تواجهها في مصر بخصوص الشفافية، التي أظهرتها جائحة كورونا بشكل واضح».
«فرض السردية المناسبة»
وأضافت المبادرة في تقريرها: «القانون ينص في المادة الخامسة منه على عقوبة الحبس أو الغرامة المالية لكل من أذاع أو نشر أو روّج عمدًا أخبارًا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة مرتبطة بالحالة الوبائية، وكان من شأن ذلك تكدير السلم العام أو إثارة الفزع بين المواطنين، أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة. خطورة هذه الخطوة تنبه من كونها تعطي للجهات الرسمية الحق الكامل والحصري في تحديد الحقيقة، وفرض السردية التي تراها مناسبة، بحيث يصبح كل ما عداها كذبا، بل ومعاقبة كل من يختلف معها، ويتعارض هذا تماما مع المبادئ الأساسية لحرية التعبير والرأي، ومع الركائز الأساسية لاستراتيجية حقوق الإنسان التي لم يمر على نشرها أسابيع».
وزاد البيان: «يأتي هذا في وقت تزداد فيه شدة وباء كورونا وتظهر متحورات جديدة، ما يزيد من أهمية تشجيع المواطنين على اتباع الإجراءات الاحترازية، والإفصاح عن أي مخالفات أو أوجه قصور بما يحقق المصلحة العامة، فمبادئ الشفافية ومشاركة المواطنين من أهم ضمانات التعامل الجيد مع الوباء، لأن تتبع المرض واحتواءه يستحيل تحقيقهما دون تمكين بل وتشجيع المواطنين على التعبير عما يرونه أو يتعرضون له أو حتى يتخوفون منه، وذلك بدلامن إصدار قانون يهدد بحبس من يجرؤ على ذلك تحت مسمى مطاط وغير موضوعي يحكم على النوايا مثل تكدير السلم العام».
«أهمية الشفافية»
وزاد البيان: «كان من المفترض أن تخرج الدولة بدرس من جائحة كورونا حول أهمية الشفافية والإعلان عن المعلومات والبيانات التفصيلية أولا بأول في حالات الطوارئ الصحية لكسب ثقة المواطنين، حيث أظهرت الجائحة معاناة الأطراف المختلفة من عدم إتاحة وعدم دقة البيانات. وقد أكدت الجهات الرسمية نفسها مرارًا أن البيانات الرسمية الصادرة عن معدلات الإصابة، على سبيل المثال، لا تمثل الأعداد الحقيقية للإصابات، ولكنها مجرد مؤشر على تطور الجائحة، ذلك أن هذه الأرقام لا تشمل من تم فحصهم بالقطاعات غير الحكومية بأشكالها المختلفة، كما لا يتم اختبار كل من تظهر عليهم أعراض».
أكدت تضمينه عقوبة تهدّد حريات المواطنين في التعبير عن آرائهم
وواصل البيان: «طالب الباحثون والجهات المحلية والدولية بتوفير آليات أكثر دقة لإتاحة أرقام وبيانات أكثر تعبيرًا عن الوضع الحقيقي خلال الجائحة، لكن هذه المطالبات قد تصبح مجرّمة باعتبارها تثير الذعر أو تهدد السلم».
وأوضح أن «الحكومة المصرية كانت قد تقدمت بمشروع قانون لتنظيم إجراءات مواجهة الأوبئة والجوائح الصحية في أكتوبر/ تشرين الماضي، وقام مجلس النواب بإحالته إلى لجنة مشتركة من لجنة الشؤون الصحية ومكتب لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في 31 أكتوبر / تشرين الأول 2021 لبحثه ودراسته، ثم قررت اللجنة المشتركة الموافقة عليه من حيث المبدأ».
ووافق مجلس النواب خلال الجلسة العامة على القانون «بعد إدخال تعديل على المادة الخاصة بالعقوبات التي ينص عليها، حيث تم استثناء الصحافيين من العقوبات السالبة للحريات، بسبب المخاوف من استغلال هذه المادة في ملاحقة الصحافيين الذين يتابعون الشأن الصحي في التعامل مع الوباء».
وحسب المبادرة «يعتبر استثناء الصحافيين تطورا إيجابيا في حد ذاته، لكن اعتراضات بعض النواب على المادة السالبة للحريات إجمالا لم يلق الاهتمام، حيث قالت إحدى النائبات إن الموضوع ليس فقط صحافيين، لكن أي شخص يتابع حالة الوباء وينشر أي خبر مخالف يكون معرضا للحبس، ومن بينهم مراكز الأبحاث».
وزاد البيان: «قد تمنع هذه العقوبة الطواقم الطبية والباحثين والمواطنات والمواطنين من الانتقاد أو التعليق أو حتى لفت النظر إلى أي من أوجه القصور المحتملة في إجراءات الدولة في التعامل مع أي جائحة أو طارئ صحي قد يحدث مستقبلا. ويضاعف هذا التخوف أن هذه التهم نفسها وجهت فعلا لعاملين بالقطاع الصحي عبروا عن قلقهم أو انتقادهم لتعامل الدولة ووزارة الصحة مع جائحة كورونا خصوصًا في شهورها الأولى، أو أولئك الذين اشتكوا من نقص المستلزمات الوقائية على صفحاتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، أو أبدوا قلقهم من نقص الأكسجين وغيره».
ويعطي القانون الجديد لرئيس الوزراء، بعد موافقة مجلس الوزراء، سلطة إصدار قرار بإعلان حالة تفشي الأوبئة والجوائح الصحية لمواجهة خطر انتشار الأوبئة أو الأمراض المعدية في البلاد أو في منطقة منها، ويشترط أن يكون هذا القرار محددًا بمدة لا تتجاوز عاما، وأن يعرض القرار على مجلس النواب خلال أسبوع من صدوره، أو في أول اجتماع له، كما يعرض عليه في حال تجديده لمدة إضافية.
وأوضحت المادة الأولى من مشروع القانون التدابير والتدخلات التي يمكن اتخاذها في مواجهة الطوارئ الصحية.
25 إجراء
ويتضمن القانون 25 إجراء، مماثلة للتدابير التي أضيفت إلى قانون الطوارئ في مايو/ أيار 2020 لمواجهة كورونا. ومن بين ذلك على سبيل المثال: وضع قيود على حركة الأشخاص وتعطيل العمل وتعطيل الدراسة، وتحديد مواعيد فتح وغلق المحال، بالإضافة إلى تأجيل سداد المواطنين لمستحقات خدمات الكهرباء والغاز والمياه، جزئيا أو كليا، أو تقسيطها خلال وقت الوباء.
وينص القانون على أحقية رئيس الوزراء في اتخاذ إجراءات من شأنها تحديد أسعار العلاج في المستشفيات الخاصة لمنع استغلال المرضى حال تفشي الأوبئة أو الجوائح الصحية، ما يسمح للدولة بالتدخل لضبط أسعار الخدمات الطبية المقدمة من القطاع الخاص في أوقات الأوبئة، ومنها على سبيل المثال أسعار التحاليل الطبية وخدمات الرعاية المركزة وغيرها، مما يتماشى مع دور الدولة في تنظيم سوق تقديم الخدمات الصحية وضمان تطبيق الحق في الصحة دون تمييز، ويعد هذا البند من أهم إيجابيات هذا القانون.