إن مفهوم “الاحتلال” الذي يسري على الضفة الغربية لم يعد ملائماً للواقع. ما يحدث في المناطق لا يمكن فهمه اليوم بصورة منفصلة عما يحدث في كل المناطق التي هي تحت سيطرة إسرائيل. هذا ما تقوله، بنزاهة وشجاعة، ورقة موقف جديدة مفصلة ومبررة، نشرتها “بتسيلم” في هذه الأيام تحت عنوان “نظام التفوق اليهودي من البحر حتى النهر: هذا أبرتهايد”. تقول الوثيقة إن مبدأ منظماً واحداً هو ما يطبق في كل المنطقة الواقعة بين البحر الأبيض ونهر الأردن، وهو مبدأ “تعزيز وتخليد تفوق مجموعة من البشر (اليهود) على مجموعة أخرى (الفلسطينيين)”.
هذه الوثيقة توثق بالوقائع والتحليلات المجالات الأربعة التي يهندسها هذا المبدأ، جغرافياً وسياسياً، وحياة الـ 14 مليون شخص الذين يعيشون على جانبي الخط الأخضر، نصفهم يهود ونصفهم فلسطينيون:
سيطرة على الأرض: “تهويد تدريجي للمنطقة على حساب السكان الفلسطينيين، عن طريق الطرد والاستغلال والمصادرة وهدم البيوت وتفضيل الاستيطان اليهودي، استناداً إلى سلسلة طويلة من القوانين والإجراءات”.
المواطنة: “كل اليهود في العالم، أحفادهم وأزواجهم، يحق لهم التجنس في إسرائيل، في حين لا يمكن للفلسطينيين الهجرة إلى الأراضي التي تقع تحت سيطرة إسرائيل حتى لو كانوا هم وآباؤهم وأجدادهم قد ولدوا أو عاشوا فيها”.
حرية الحركة: “المواطنون الإسرائيليون يحظون بحركة تنقل حرة في كل المنطقة التي تقع تحت سيطرة إسرائيل (باستثناء قطاع غزة) ويمكنهم الخروج من الدولة والعودة إليها كما يريدون. في المقابل، يحتاج الرعايا الفلسطينيون (في المناطق) إلى تصاريخ خاصة من إسرائيل من أجل الانتقال من وحدة إلى أخرى (أحيانا داخل الوحدة نفسها)، وسفرهم إلى الخارج مشروط بموافقة إسرائيل”.
مشاركة سياسية: “لا يستطيع ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في المناطق المحتلة في 1967 المشاركة في النظام السياسي الذي يسيطر على حياتهم ويحدد مستقبلهم؛ لا عن طريق الانتخابات ولا بالحق في حرية التعبير وتشكيل منظمات”.
وثيقة “بتسيلم” الجديدة تذهب إلى أبعد من ذلك: تنص بصورة صريحة أو تسمح لنا بالفهم أن هذا الوضع موجود منذ العام 1948، حيث “لا يحظى الفلسطينيون مواطنو إسرائيل بنفس الحقوق التي يتمتع بها المواطنون اليهود”. ويسري عليهم تمييز شديد في مجال الأراضي الذي ترسخ ويترسخ منذ ذلك الحين وحتى الآن بقوانين: (“قانون أملاك الغائبين”، 1948، “قانون الأساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي”، 2018)، وكذلك بالأفعال: “دولة إسرائيل سيطرت على ملايين الدونمات التابعة للقرى الفلسطينية التي تم طرد سكانها أو هربوا في العام 1948 من بيوتهم، ومنعتهم إسرائيل من العودة إليها”.
على هذه الأراضي “بنيت مئات المستوطنات للسكان اليهود، ولم يتم بناء قرية واحدة للفلسطينيين. هذا باستثناء عدد من القرى والبلدات التي تم إعدادها لتجميع السكان البدو، الذين سلبت معظم حقوقهم في الملكية… النظام الإسرائيلي يضع قيوداً متشددة على كل تطور وبناء في الأراضي القليلة التي بقيت في القرى الفلسطينية الواقعة داخل حدود الخط الأخضر، ولا يقوم من أجلهم بإعداد خطط هيكلية تعكس احتياجات السكان، ويبقي مساحة الأهلية القانونية لها تقريبا بدون تغيير، رغم التكاثر الطبيعي للسكان. ونتيجة لذلك، تحولت هذه القرى إلى جيوب صغيرة ومكتظة اضطر سكانها، في ظل غياب أي خيار حقيقي، إلى البناء بدون ترخيص”.
هذا المبدأ نفسه تطبقه إسرائيل منذ العام 1967 في الضفة الغربية. تركز إسرائيل هناك، برعاية النظام السياسي والنظام القانوني وبدعم مواطني إسرائيل، سواء بالفعل أو التغافل، على خلق واقع لا يمكن تغييره من تقليص فضاء الحياة والسكن والعمل والحركة للفلسطينيين، وتوسيع الفضاءات المخصصة لليهود فقط. “لصالح الرعايا الفلسطينيين”، فصلت وثيقة “بتسيلم”: “قامت إسرائيل بإنشاء جهاز تخطيط منفصل هدفه الأساسي منع البناء والتطوير، سواء بواسطة اعتبار مساحات واسعة كـمناطق ممنوع البناء فيها من خلال الإعلان عنها “كأراضي دولة” أو “مناطق تدريب” أو “محميات طبيعية” أو “حدائق وطنية”، أو بالامتناع عن إعداد مخططات هيكلية مناسبة للقرى والبلدات العربية، تعكس احتياجاتها الحالية والمستقبلية في المناطق المقلصة التي بقيت. وجل انشغال نظام التخطيط هذا هو هدم المباني التي بنيت -أيضاً هنا في ظل غياب خيار آخر- بدون ترخيص. ونتيجة لذلك، بقي معظم الفلسطينيين محبوسين في عشرات الجيوب المكتظة، حيث يمنع أي بناء جديد خارج هذه الجيوب، بما في ذلك إقامة بنى تحتية ومبان عامة.
قرأت هذه الوثيقة بتمعن وتعلمت منها ما أعرفه منذ سنوات كثيرة، مثلي ومثل من أراد أن يعرف بأنه لا يوجد أي مبدأ من مبادئ الأبرتهايد الذي لم يطبق في إسرائيل منذ 1949. وظل الحكم العسكري بوسائل مكشوفة وخفية، حتى تم إلغاؤه في 1966. وبعد سنة، وسعت حدود الأبرتهايد الإسرائيلي بنفس الوسائل من البحر إلى النهر. وما زال الحبل على الجرار.
ما الذي تغير الآن؟ لماذا تنشر “بتسيلم” ورقة تقدير الموقف الهجومية هذه بالتحديد في هذه السنة؟ الذين صاغوها صادقون بما فيه الكفاية لطرح ذلك في نهاية الوثيقة. ويجيبون: “التغيير الأساسي في السنوات الأخيرة موجود في استعداد ودافعية ممثلي النظام، وأيضاً في دافعية واستعداد جهات رسمية، لترسيخ مبدأ سيادة وتفوق اليهود دستورياً وإعلان نواياهم بشكل علني. ذروة عملية نزع الأقنعة كانت في سن قانون الأساس: إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي وفي النوايا المعلنة فيما يتعلق بالضم القانوني لأجزاء من الضفة الغربية، التي ألغت التظاهر الشكلي الذي حرصت إسرائيل على خلقه خلال سنوات كثيرة”.
ولكن الأكثر كارثية أن ليس هذا فقط هو ما تغير خلال هذه السنين، فاستخدام إسرائيل “للأقنعة” و”التظاهر” و”الخداع” و”التحايل”، هو الذي أدى في هذه الأثناء إلى ترسيخ واقع لا يمكن محاربته بنجاح من خلال المجتمع الإسرائيلي. المجتمع الإسرائيلي تغير، فمئات آلاف المستوطنين الذين يعيشون في أرجاء الضفة الغربية، ودعم الأغلبية السياسية في إسرائيل لهم بشتى أحزابها وحركاتها، وكذلك غسل الأدمغة الايديولوجي في جهازي التعليم والجيش، كلها غيرت ميزان القوى. وربما لن تفهم الأغلبية الساحقة في المجتمع الإسرائيلي ما الذي تتحدث عنه هذه الوثيقة، خصوصاً في هذه الظروف.
هذا مؤسف. فقبل ثلاثين سنة عندما تم تأسيس “بتسيلم”، كان هناك أشخاص أذكياء قالوا هذه الأمور بكلمات أقوى بكثير وتوقعوا الكارثة بكل تفاصيلها. “هي مجرد مسألة وقت إلى أن يسقط النظام الديمقراطي ضحية للاحتلال”، كتب البروفيسور زئيف شترنهل في صحيفة “حداشوت” في العام 1989. واقترح س. يزهار قراءة كتاب يهوشع كنص معد للتحذير. “أي، انظروا، لقد حُذرتم مما سيحدث عندما يذهب شعب لاحتلال أرض شعب آخر، ولو كان ذلك بأفضل المبررات. تكفي قراءة يهوشع كي نصاب بالدهشة. قد لا يندهش الجميع، ولكن على كل الأحوال، بعض هؤلاء اليهود الذين يجلسون هنا هم ضد يهوشع”، هي أقوال قالها الكاتب الكبير في خطاب ألقاه في القدس في مؤتمر للحركة اليهودية الإنسانية في العام 1992.
في ذلك الحين كان بالإمكان فتح العيون لأكثر من “قليل من اليهود” الذين يعيشون في إسرائيل.
وهذا ما اعتقده الذين أقاموا “بتسيلم”، وهو إذا ما عرف مواطنو إسرائيل ما يجري في الضفة الغربية، بدءاً من قمع السكان الفلسطينيين وانتهاء بسيطرة مواطنين يهود على أراضيهم، فإنهم سيثورون وسيعارضون. آمنت بذلك ورأيت أنني حظيت بشرف كبير لدعوتي كي أكون أحد أعضاء الإدارة الأولى لهذه المنظمة. وماذا الآن؟ هكذا ينهي مدير عام “بتسيلم”، حاغي العاد، إسرائيلي آخر شجاع له قامة حقيقية، ينهي البيان الذي أرسل إلى الصحافة مع ورقة الموقف: “لا توجد ديمقراطية + احتلال، بل نظام واحد بين البحر والنهر، الذي يلزمنا بالنظر إلى الصورة الكاملة، وأن نسميه باسمه الدقيق: أبرتهايد”. ويختم بيانه بنغمة متفائلة: “هذه النظرة الحكيمة للواقع لن نسمح لها بأن تصيبنا باليأس. بل العكس، هي دعوة للتغيير. لأن البشر هم الذين أسسوا هذا النظام، وبيدهم أيضاً يمكن تغييره”.
هل هذا صحيح؟ من هم هؤلاء البشر؟ هل حقاً أن من أسسوا هذا النظام ويجسدونه ويؤيدونه هم الذين سيغيرونه؟ الجواب لا. هذه الدعوة يجب على “بتسيلم” وعلى منظمات حقوق الإنسان الأخرى، ملأها بمضمون حقيقي. عليهم الدفاع عن حق أقلية السكان الإسرائيليين الذين يعارضون الأبرتهايد في محاربته عن طريق خرق قوانينه، وفي المقام الأول قانون المقاطعة الذي كله قانون سياسي استهدف تطبيقه. يجب الدفاع عن حقهم في الدعوة إلى مقاطعة اقتصادية وثقافية لإسرائيل. يجب الدفاع عن حقهم في التوجه بهذا النداء الصارخ من هنا، من إسرائيل، إلى المجتمع الدولي. وليس لأن دول العالم أكثر أخلاقية، بل لأن هذه الخطوة السياسية الفعالة وغير العنيفة، الوحيدة التي ربما يمكنها أن توقف التدهور الذي سيؤدي إلى خسارة معنوية وجسدية. لأن النضال من الداخل إذا عزز بضغط من الخارج، يمكنه أن يؤدي إلى التغيير.
بقلم: إيلانا همرمان
هآرتس 15/1/2021