منظمة عربية ‘للشبيحة’ و’البلطجية’ و’اللجان الثورية’

حجم الخط
0

د. جـمال حضري

لعل من أعظم حسنات ثورات العرب الحالية اكتشافها لطاقات بشرية هائلة، طاقات قيادية توجه الثائرين، وطاقات فكرية تشرح أبعاد حركاتهم وآفاقها وإنسانيتها وعدالتها وسلميتها، وطاقات سياسية تؤطر مراحلها وتنظم عناوينها وتستثمر جهودها وتستقطب مؤيديها في مشارق الأرض ومغاربها.

كما كشفت مخزون التضامن بين الشعوب العربية والذي صورته تلك الرايات المرفوعة بين حشود المتظاهرين في ميادين التحرر، فحتى تلك الانتفاضات التي لم تتوج بالنصر بعد تفرح وتبتهج لثورات أخرى هزت أركان مفسديها وأطاحت برؤوس القهر والتسلط في أوطانها.

إن الألم الواحد الذي كان يسري في أوصال أمة العرب كان الشعار الحقيقي لوحدتها وكان التيار الحي الذي أيقظ قدراتها.

وهو ذات الألم الذي يستبشر كل عربي بزواله على أي عضو من هذا الجسد المعذب المحزون.

لكن أعظم ما تكشفت عنه ثورة العرب على الإطلاق، هو هذه الشريحة النادرة التي تملأ الساحات والشوارع رهبة وخوفا فليس كل ما أفرزته أنظمة التسلط العربية هو الانحطاط والفساد والتخلف فقط، بل إن هذه الشريحة ‘المناضلة’ التي تسمى عند قوم شبيحة وعند آخرين بلطجية أو بلاطجة وعند آخرين لجانا ثورية أو ميليشيا حزبية، هي من أشد منتجات هذه الأنظمة إثارة للإعجاب والاستغراب.

فهي مثيرة للإعجاب، لأن أنظمة الفساد أسلمتها في اللحظة الحاسمة مصيرها، وعهدت إليها بالحفاظ على حياتها، مما يعني أنها الشريحة التي تم تأهيلها لتؤدي الدور الأكثر خطورة في حياة الأنظمة أي لحظة الصدام الأخيرة مع الشعب كله.

وبهذا الاعتبار فإن ‘إخواننا’ الشبيحة والبلاطجة واللجان الثورية قد أعدوا على أعين الأنظمة وصنعوا لليوم الأسود الذي كانت تتوقعه فأعدتها له.

وحين تسلمت هذه المخلوقات الجامحة زمام الأمر تولت تدبيره بأقصى ما يرى المرء من صرامة وجرأة وإقدام و’حيوانية’ و’عدوانية’، وبأقسى ما يتصور المرء من ‘دموية’ و’انتقام’ و’إزهاق للأرواح’. بل إن اللحظة الحاسمة التي تعيشها الأنظمة المعمّرة، جعلت هذه الشريحة الهائجة تستبيح كل محظور فتغتصب الحرائر في بنغازي وتدك رؤوس المحتجين بالحمير والجمال في القاهرة وتمطر المعتصمين بالرصاص والقنابل في ساحات صنعاء وتتلذذ بصيد الأطفال والنساء في درعا.

فلا شيء في معركة الحسم التي أعدت لها هذه الشريحة يحد حركتها أو يقيد أساليبها، بل إن الأنظمة تبدو رهينة لسلوكاتها ولا تجد بدا من تبرير أفعالها: -فهي منوط بها ‘تطهير’ صفوف الثائرين من المندسين والمنتحلين لصفة الاحتجاج البريئة الجميلة.-وهي مخولة بالقضاء على ‘الخونة والمرتدين’ و’عملاء الناتو’.-وهي تقوم بواجب ‘الحفاظ على استقرار الوطن’ وإخلاء الساحات من أجل ‘تسهيل حركة المرور’.-وهي تحفظ ‘وحدة البلاد’ من ‘المخربين’ و’الانفصاليين’ و’القاعدة’. كل هذه المهام الاستراتيجية موكولة في الحقيقة ولحظة الجد لهذه الشريحة لأنها دربت على اختراق صفوف الشعب وتنظيماته وأحزابه وجمعياته ونواديه ومقاهيه و… ولذلك فهي الأقدر على حبس أنفاسه في عقر داره، قبل أن يرفع عقيرته بكلمة أو اعتراض.

ويحق للعالم أجمع أن يندهش لحسن التقدير والتوقع عند الطغاة العرب، وكيف تهيأوا لهذه المصائر بإعداد هذه الجحافل من المنتفعين، لكن لا يحق لأحد في هذا العالم أن يستنسخ التجربة ويعيد الكرة، فلهذه الأنظمة حق الاختراع وحق الانتفاع الحصري بما أبدعته. وعليه فإن هذه التشكيلات تبقى على ذمة الأنظمة العربية وحدها تحيا بها وحدها وتلقى بها ربها وحدها.

ونعيذ البشرية أن تستنسخ كائنات لا ترعوي عن تدمير البلد على من فيه أداء لولاء بني على الحرام والفساد. كما أن هذا الإبداع الطغياني أصبح جزءا من تاريخ الانتفاضات فلا يمكن تسويق تجربته لأن ذاكرة الشعوب لا تباع.

وبالمقابل، تبدو الحاجة ماسة لأن تلتفت جامعة العرب إلى هذا ‘المكون الجديد’، فكما أنشأت لشرائح مختلفة من المجتمع العربي اتحادات ومنظمات وهيئات تلتقي جميعا في مهمة توطيد علاقات العرب، وإسناد جهودها في تحقيق ‘حلم الوحدة العربية’، أليس من باب أولى وهي ترى ‘الوظيفة المصيرية’ التي تضطلع بها شريحة ‘الشبيحة والبلطجية واللجان الثورية’ أن تنشئ لها هيئة تكون في حد ذاتها اعترافا بوجودها وتثمينا لدورها في تحقيق هذا ‘الشعور بالألم الواحد’ من المشرق إلى المغرب، فمن غيرها استطاع استخراج صوت الجماهير الموجوعة في زمن واحد؟ ومن غيرها استطاع حفر قبر واحد ممتد من ‘سيدي بوزيد والزنقة إلى صنعاء ودرعا’؟ ومن غيرها أسال الدم الغزير الحار بكل أريحية وسخاء في كل شوارع الثورات فتوحد لون الأرض بعد أن توحد وجع القلب؟ إن واجب الجامعة تاريخي في رعاية هؤلاء، ولا عليها أن تمسح من هيئاتها كل تلك التجمعات الورقية التي لم تسعف شعوبها لحظة الحقيقة، وتلتفت للواقع على الأرض فتفسح في مجالسها مجالا لهذه الشريحة عزيزة الوجود ونادرة المثال فهي الأقدر على توحيد العرب ولو بالحديد والنار. ولا يسع كل مواطن عربي إلا أن يتوجه ‘بالتقدير والتحية’ لحضرة ملك الملوك على ‘لجانه الثورية’ التي أبدعت في زرع الخوف وإشاعة الرهبة في صدور ‘الخونة والرجعيين’، وجعلت كل المواطنين متحدين فعلا وقولا ويضرعون في وقت واحد إلى الخالق أن ينجدهم ولو بحلف الناتو، والشكر موصول لفخامة ‘الزين’ في مربطه بجدة، على عبقرية الإنشاء والرعاية والتكوين لميليشيا التجمع، التي لم تتوان أيضا في تحقيق حلم الوحدة العربية بأن جعلت الجسد المحروق شرارة الانتفاضات وبأن خضبت شوارع تونس بدم الشباب ما ألهب الملايين المصفدة خلف أسوار الإعلام الكاذب والدعاية المتلاعبة، ولا ننسى في غمار العيد السعيد التهنئة لشيخ الطغاة في محبسيه ‘الهرم’ و’الشرم’ على بطولاته في ‘التحرير’ وكيف علّم ‘الأولاد’ أن يقولوا لـ’بابا’: لا.

فكان بلاطجته نعم المدربين ونعم الشجعان من خلال بطولات ‘الرفس’ و’العفس’ و’الدهس’. والتحية لـ’الأخ’ الرئيس الذي استثمر أخوته في اللحظة التاريخية المناسبة، فأرسل ‘الزبانية’ عفوا فإن لهم عنوانهم التجاري المحترم وهو ‘البلاطجة’ الذين تفننوا ككل ‘المخلصين’ لأوطانهم ومنعّميهم في توحيد لغة الثائرين على قلب رجل واحد بعد جهود نبيلة من الحرق والرمي والمداهمة.

وأخيرا وليس آخرا، أجزل الشكر وأكثره ‘لراعي المقاومة’ و’رمز الممانعة’ الذي أضاف إلى صفحات العز البيضاء التي تؤرخ لعمر ‘البعث’ و’أفضاله’، على ما أضافه للعرب من سمعة نادرة المثال، فلا تشاوسيسكو ولا بينوشي ينازعان سيادته اليوم على دقة التصويب ومهارة القنص، كيف لا وحمزة الخطيب شاهد بلا خصيم على بطولات ‘الشبيحة’ وهي تنقي جموع المنتفضين من الدخلاء على صفوفها، فكان أخطرهم ذاك الغلام الحليم وتلك السيدة المضرجة في دماء ‘غدرها’ و’اندساسها’ بين جموع لا حق لها في مشاركتهم ‘عرس الغضب’ و’أغنية الحداد’. شكرا على الإبداع، شكرا على عبق التاريخ المنبثق من الحارات الدمشقية وهو يعطي بعدا آخر كان مخفيا لـ’زعيم الحارة’ و’دبورها’. فهل يسع الجامعة العربية بعد كل هذه البطولات والنضالات أن تبقي هذه الشريحة خارج الاعتراف والترسيم؟ اللهم: لا.’ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية