القاهرة ـ «القدس العربي»: قال مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان ـ منظمة حقوقية مستقلة ـ إن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في سبتمبر/ أيلول الماضي، تنكر الواقع الكارثي لأزمة حقوق الإنسان في مصر، وتهدف إلى إيهام المجتمع الدولي والدول المانحة بأن هناك عملية إصلاح سياسي تجري في مصر، ومن ثم تكريس هذا الواقع المأساوي وتحصينه من الانتقاد الدولي.
وقال في تقرير أصدره الثلاثاء، إن الهدف الأساسي من هذه الاستراتيجية هو تبييض وجه النظام المصري بعد الانتقادات الدولية المتصاعدة لملف حقوق الإنسان، خاصةً مع تولي إدارة أمريكية جديدة تعهد رئيسها في حملته الانتخابية بأنه سيدير العلاقة مع مصر بشكل مختلف، وفي أعقاب إعلان مشترك غير مسبوق من 32 دولة أمام الأمم المتحدة، ينتقد بحدة وضعية حقوق الإنسان في مصر.
واعتبر المركز أن الاستراتيجية لا تخاطب المصريين؛ بل تسعى لإيهام المجتمع الدولي ببدء عملية إصلاح زائفة، ودلل على ذلك بتكليف وزارة الخارجية بإعدادها، وليس أي وزارة معنية بالشأن الداخلي المصري، وأن تتم أول مناقشة عامة لها مع صناع القرار ومراكز التفكير والمجتمع المدني في الولايات المتحدة الأمريكية وليس في مصر.
ولفت إلى قرار تشكيل اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان في وزارة الخارجية المصرية لإعداد هذه الاستراتيجية، التي جاء نص المادة 6 منها أن الهدف من تشكيل اللجنة هو الرد على الادعاءات المثارة ضد مصر بشأن حقوق الإنسان.
وسخر التقرير من صياغة الاستراتيجية التي حملت الشعب المصري مشكلة حقوق الإنسان بما في ذلك محدودية وعي المواطنين وتقصير الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، وبناءً عليه، لا تتعهد الوثيقة بوضع حد للقمع اليومي الضاري بالمخالفة للدستور والقانون واللوائح الحكومية؛ وإنما تكتفي فقط بالتوصية عشرات المرات بتوعية المواطنين.
وتناول تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، التي تلت إطلاق الاستراتيجية، بأن مصر تخلو من أي انتهاك لحقوق الإنسان، مجسدًا بذلك مدى رسوخ حالة إنكار مشكلة حقوق الإنسان في الدولة التي يحكمها منفردًا منذ 7 أعوام.
وزاد التقرير: هذه التصريحات الرئاسية المتواترة لا تكتسب أهميتها فقط من كونها تصدر عن رئيس الدولة الذي يستحوذ على سلطات «إمبراطورية» غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث، بل أيضًا لأنها صارت جوهر الرسالة الإعلامية اليومية في مصر فيما يتعلق بحقوق الإنسان؛ تتناولها وسائل الإعلام الحكومية يوميًا بالشرح والترويج، وتخرج من البرلمان في صورة تشريعات، وتخرج من النائب العام في صورة تعليمات لأجهزة التحقيق، وتنعكس في مناهج التعليم بمراحله المختلفة، كما تمنح دعمًا للخطاب الديني الإسلامي والمسيحي السائد الذي يكرس خصوصية ثقافية متسامحة مع أنماط من انتهاكات حقوق الإنسان.
وحسب التقرير: زعمت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان وجود عدد من نقاط القوة والفرص لتعزيز حقوق الإنسان فيما يخص الحقوق المدنية والسياسية، منها وجود مواد دستورية وتشريعات وطنية تدعم تلك الحقوق، إلا أن الوثيقة لم تقدم تفسيرًا لعدم احترام رئيس الدولة ومؤسساتها التشريعية والقضائية والأمنية والعسكرية لهذا الدستور والحقوق والضمانات الواردة فيه، بل واصلت الوثيقة حالة الإنكار، وتجاهلت انتهاكات هذه الأطراف اليومية لحقوق المصريين، على صعيد السياسات والتشريع والممارسات، وإفلات مرتكبي تلك الجرائم من المحاسبة.
وزادت الاستراتيجية: تتغافل الاستراتيجية عن مدي التدهور الهائل الذي لحق بهذا الحق الأساسي في مصر في السنوات الـ 8 السابقة، فلم يعد الأمر قاصرًا على قتل المتظاهرين والمعتصمين في الشوارع والميادين والمنازل، والأبرياء في سيناء، بل أن جرائم القتل تكررت في أماكن الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، جراء التعذيب والإهمال الطبي المتعمد. كما صدرت أحكام الإعدام بحق المئات، في محاكم عسكرية ومدنية تفتقر للحدود الدنيا للمحاكمات العادلة، يجري توظيفها لإزاحة من يُنظر إليهم باعتبارهم خصومًا سياسيين للرئيس الحالي للدولة. وعلى حد تعبير خبراء أمميين، فإن هذه المحاكمات تشكل بحد ذاتها استهزاءً بالعدالة.
ولفت التقرير إلى الانتقادات الدولية التي وجهت لمصر على مدار السنوات الـ 7 الماضية، بسبب هذه المحاكمات الجائرة والجماعية، واحتلال مصر في 2020 المرتبة الثالثة عالميًا في تنفيذ أحكام الإعدام، بجانب وقائع التصفية الجسدية التي مارسها ضباط الأمن الوطني والقوات المسلحة في إطار مكافحة الإرهاب خلال السنوات الماضية وتسبب القضاء المصري، بشقيه المدني والعسكري في تعزيز الإفلات من العقاب، ومن ثم تفاقم ممارسات الأجهزة الأمنية خاصة الجرائم المتعلقة بمقتل المدنيين في سيناء، حسب وصف تقرير الخارجية الأمريكية.
التعذيب
تناول التقرير قضية التعذيب، واعتبره بات نمطًا ممنهجًا منذ عاتم 2013 وذكر أن قطاع الأمن الوطني توسع في ارتكاب جريمة التعذيب، بما في ذلك الصعق بالكهرباء والتحرش الجنسي، بهدف انتزاع الاعترافات أو لمجرد الإذلال.
ولفت إلى تقرير حقوقي مشترك أكد وفاة 449 سجينًا في أماكن الاحتجاز خلال 4 سنوات، وإلى أن لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة، ترى أن التعذيب في مصر سياسة دولة، ويُمارس بشكل منهجي واسع النطاق في السجون المدنية والعسكرية.
الاحتجاز التعسفي
تغافلت الاستراتيجية حسب التقرير، عن انتهاك الاحتجاز التعسفي للحق في الحرية الشخصية، على يد الموظفين المعنيين بإنفاذ القانون أنفسهم، سواء سلطات القبض أو التفتيش، أو سلطات التحقيق، أو حتى بعد إحالة الأشخاص للمحاكمة وإصدار أحكام تعسفية بحقهم.
وتابع: أضحت المشاركة برأي نقدي، سواء خلال احتجاجات سلمية أو عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي أو البحث الأكاديمي، سببًا كافيًا للقبض على الأفراد، واحتجازهم لشهور بمعزل تام عن العالم الخارجي، دون إبلاغهم بحقوقهم القانونية أو بحقهم في التزام الصمت أو في الاتصال بذويهم أو محاميهم.
كما انتشر نمط تحايل الأمن الوطني على قانون الحبس الاحتياطي وحده الأقصى، بتواطؤ من النيابة، وذلك من خلال ابتكار نمط تدوير السياسيين والحقوقيين والصحافيين، وإدراجهم على ذمة قضايا جديدة بناءً على تحريات الأمن الوطني.
الحق في المحاكمة العادلة
تابع التقرير: استمرارًا لتحايل الاستراتيجية على النصوص الدستورية التي أوردتها باعتبارها نقاط قوة وفرصا؛ تجاهلت الاستراتيجية مجموعة من التشريعات التي أفقدت السلطة القضائية استقلاليتها وحيادها، وتسببت في إصدار أحكام جائرة في محاكمات لم تراع الحدود الدنيا للمحاكمات العادلة.
وضرب مثالا بالقانون رقم 13 لسنة 2017 الذي ينص على ان لرئيس الجمهورية سلطة اختيار وتعيين رؤساء الهيئات القضائية، بما في ذلك محكمة النقض ومجلس الدولة، في عدوان على مسار العدالة ومخالفة للدستور.
اتهم التقرير الاستراتيجية بالتغافل عن كيفية معاملة السجناء بمعزل عن الدستور والقانون ولائحة السجون نفسها، وأكد أنه يتم حرمان المحتجزين والمسجونين تعسفيًا من المراسلات والقراءة وأوقات الزيارة والتريّض. كما ترتفع أعداد الوفيات في السجون نتيجة الإهمال الطبي وغياب الرعاية الصحية، وشبهة القتل العمد للمحتجزين.
وحسب التقرير، منذ 2015 وحتى نهاية عام 2018 تم توثيق 283 حالة وفاة نتيجة الإهمال الطبي.
الحرية الشخصية
وتابع: يغيب عن الاستراتيجية تمامًا واقع الممارسات الأمنية التي تضرب عرض الحائط بالنص الدستوري القاضي بأن الحياة الخاصة لها حرمة، وأنها مصونة لا تُمس، فالحياة الخاصة للمواطنين المصريين تخضع لمراقبة السلطات التنفيذية والقضائية دون الاحتكام لأي قانون أو دستور.
وزاد التقرير: على مدار الأعوام الماضية توسع قطاع الأمن الوطني في استدعاء نشطاء، كانوا محتجزين سابقًا، لتحقيقات غير رسمية وسؤالهم حول حياتهم وآرائهم السياسية، وفحص هواتفهم وحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي دون إذن قضائي.
وعن وضع منظمات المجتمع المدني، ذكر التقرير أن المنظمات الحقوقية المصرية المستقلة لا تزال رهن التحقيقات في القضية 173 لسنة 2011، بينما يواجه حقوقيون آخرون عدة أشكال من الانتهاكات، بينها المداهمات الأمنية للمقرات، والقبض على العاملين فيها، وتعرض بعض الحقوقيين للإخفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة الإنسانية، ومحاولات القتل أو التهديد به، هذا بالإضافة إلى الاحتجاز التعسفي والحبس الاحتياطي لسنوات، واحتجاز بعض النشطاء على ذمة أكثر من قضية في الوقت نفسه.