مناقشة نظرية لشعار ‘العلمانية هي الحل’

حجم الخط
0

بن بيه رشيد رفعت شبكة العلمانيين العرب ‘شعار العلمانية هي الحل’، كما فعلت تماما من قبل الحركات الإسلامية عندما لخصت مشروعها المجتمعي في ‘شعار الإسلام هو الحل’. وإذا كان العديد من المفكرين العلمانيين وغيرهم قد انتقدوا وراجعوا شعار الحركة الإسلامية من عدة جوانب، فإنه يتوجب عليهم هذه المرة، مناقشة الشعار المركزي للحساسيات العلمانية في الوطن العربي التي تعبر عن مواقفها وآرائها سواء في الموقع الالكتروني: الأوان أو الحوار المتمدن. فكل الشعارات المطروحة في الدول العربية، كيفما كان إطارها الإيديولوجي لابد وأن تكثف رؤية التيارات السياسية والفكرية والثقافية في هذه المنطقة للأوضاع القائمة، وبالتالي يشكل نقد هذه الشعارات مدخلا لتوضيح وتدقيق وتصويب وتعديل المهام المطروحة على الحركة التقدمية العربية. فما هي المبررات التي تستدعي مناقشة شعار: ‘العلمانية هي الحل’؟ وهل يمكن اعتبار هذا الشعار سديدا؟

تتمثل في نظري مبررات مناقشة هذا الشعار في كونه يتضمن حمولة عاطفية ووجدانية مفرطة من جهة، وفي اختزاله للحلول التي نحتاجها في العلمانية، رغم ما لهذه الأخيرة من أهمية بالنسبة للدول العربية، من جهة أخرى. لأن العلمانية حتى في حالة تطبيقها في الدول العربية في مختلف مناحي الحياة، لن تكون هي الحل لمختلف المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية التي يتخبط فيها المجتمع العربي منذ عقود. ففي شروط معينة، وبسبب غياب تصور سديد للمشاكل المطروحة، يمكن أن تسيء العلمانية إلى التطور التاريخي للمجتمعات، على نحو ما تذكرنا بذلك ‘تطبيقات العلمانية’ من طرف أنظمة عسكرية وديكتاتورية في بعض الدول العربية، ودول أمريكا اللاتينية؛ فالحلول التي تحتاج لها المجتمعات العربية يجب أن تطال بالدرجة الأولى المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتتجلى خطورة تكثيف مطالب المجتمعات العربية في ‘شعار الحل العلماني’ في إخفاء هذا الأخير لحقيقة الصراعات في هذه الدول. فكل ما يحدث من مشاكل واستغلال واستنزاف للإنسان والطبيعة، لا يرجع لغياب العلمانية وإنما لهيمنة البورجوازيات الكولونيالية العربية، وانتهازية الطبقات الوسطى، وبعض فئات البرجوازية الصغرى، التي تستعمل الدين للدفاع عن مصالحها الضيقة. لهذا من الخطأ التركيز على العلمانية كمدخل وحيد للتغيير بالنسبة للقوى الديمقراطية والتقدمية العربية، بل لابد من التركيز في نفس الوقت على المدخل السياسي، عن طريق تطوير الممارسة الحزبية العربية وتصليب أدواتها التنظيمية، ثم المدخل الاجتماعي، عبر الانخراط في النضال النقابي إلى جانب الطبقة العاملة والمقصين من دوائر الإنتاج.

لقد بينت التجربة التاريخية الأوروبية، أن التغيرات الجذرية التي مست البنيات الاقتصادية والاجتماعية قد سبقت بكثير علمنة الدولة والمؤسسات العامة، فهذه التغيرات تمت بفعل صعود نمط الإنتاج الرأسمالي في مرحلة أولى ونشأة الحركة العمالية العالمية، وظهور الأحزاب الشيوعية والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في مرحلة ثانية. ذلك أن موازين القوى كانت في فترة أولى تميل لصالح البرجوازية الغربية التي اتخذت إجراءات علمانية جزئية قصد مواجهة إرث النظام الإقطاعي، ولم تتم العلمنة الشاملة للمجتمعات الغربية إلا بعد صعود نضالات الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الغربية. ومنذ بداية التسعينات، مع انهيار جدار برلين وتراجع نشاطات الأحزاب الاشتراكية بدأت موازين القوى في الدول الغربية تميل لصالح الأحزاب اليمينية التي أصبحت تراجع مبادئ العلمانية عن طريق قرارات بسيطة لكنها يمكن أن تطال مستقبلا جوهر الخيار العلماني من قبيل حضر المآذن، ومنع ارتداء الحجاب… فما يمكن استفادته من هذه التطورات هو أن العلمانية ترتبط بالدرجة الأولى بنضالات الأحزاب الاشتراكية اليسارية. وهو ما يفرض بالنسبة للدول العربية تطوير النظرية والممارسة السياسية الحالية، وخوض مختلف أشكال الصراع الاجتماعي ضد البورجوازيات المسيطرة. أما أن يتم الاكتفاء برفع ‘شعار العلمانية هي الحل’ فلن تنتج عنه إلا الإخفاقات.

وتبعا لذلك فإن هذا الشعار سيخدم خطط الأنظمة العربية والبورجوازيات الكولونيالية، مادام يحصر سبب المشكلات المطروحة في هذه الدول في غياب العلمانية في المجالات القانونية والثقافية فقط من دون ربطها بمشاكل السلطة السياسية والاستغلال الطبقي… وبالتالي من الممكن بالنسبة للدول العربية، أن تتبنى العلمانية، إذا ما بدا لها ممكننا أن تحافظ في نفس الوقت على الأوضاع الطبقية كما هي.

إن اعتبار العلمانية المدخل الرئيسي للتغيير ستكون له تداعيات سلبية على مسار انبعاث الحركة التقديمة الطامحة إلى التحرر الداخلي والخارجي، فالذي سيستفيد كذلك من طرح هذا الشعار في الوقت الراهن، هو الدول الامبريالية التي تحس بتهديدات حقيقية لمصالحها في بعض الدول الاسيوية والافريقية، وبالتالي سيمكنها ذلك من مواجهة الهيمنة الايديولوجية للحركات الإسلامية، مثلما مكنها من قبل ‘شعار الإسلام هو الحل’ من مواجهة وحصر الامتداد الاشتراكي اليساري في الدول العربية.

إن الانتباه لمثل هذه القضايا، يكتسي في نظري، أهمية كبيرة لأننا نحتاج، بدلا من ذلك، إلى شعارات سديدة تستند إلى تحليل متكامل لتطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية، لأن أي شعار، مهما كان دقيقا يجب أن لا يطرح بمعزل عن المطالبة بوضع برامج ناجعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وتنسيق الجهود النضالية من أجل فرض دساتير ديمقراطية، تفصل بين السلط، وتمكن من التناوب على السلطة، وتعزز مكانة القضاء وتحمي التعدد والاختلاف وحرية الأفراد والجماعات والمساواة بين الجنسين، وتنص على أكبر عدد ممكن من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. والمطالبة بعلاقات متكافئة، على مختلف الصعد، بين الدول الغربية، ووضع أنظمة تعليمية حديثة تمكن من نشر ثقافة جديدة للديمقراطية والمساواة والتعدد وتعزيز قيم العقلانية والتنوير. فمثل هذه الخطط هي التي ستجنبنا مخاطر ترويج شعارات ميتافيزيقية عامة تخفي أكثر مما توضح، وتخاطب العاطفة العلمانية أكثر مما تستدعي التفكير العقلاني والممارسة النظرية.’ كاتب وباحث مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية